التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

سر زقاق المصابيح الصفراء: قصة من عمق المدينة القديمة

  الفصل الأول: النقطة العميقة في الخريطة كان سامر يعتقد أن العالم قد تم مسحه بالكامل. بالنسبة لمهندس برمجيات ونظم معلومات جغرافية (GIS) يعمل منذ ست سنوات في شركة "أطلس مابز" الملاحية، لم تكن الأرض سوى مجموعة من الإحداثيات، وخطوط الطول والعرض، والبكسلات الملونة التي تتصل عبر خوادم عملاقة في سياتل وفرانكفورت. كان عمله اليومي يتلخص في تدقيق البيانات الميدانية التي تجمعها سيارات المسح الجغرافي: تلك السيارات البيضاء الصغيرة المزودة بأعمدة معدنية مرتفعة، تحمل في قمتها كاميرات ثمانية العدسات تدور بزاوية 360 درجة، لتمسح الشوارع، والمباني، ورصيف المشاة، وحتى وجه القطة التي تعبر الطريق. كان سامر يرى العالم من خلال شاشة المراقبة الثلاثية الممتدة أمامه. يجلس في مكتبه المنزلي في الساعة الواحدة صباحاً، والهدوء يلف شقته، بينما تحتسي يده كوباً من القهوة التي فقدت حرارتها منذ ساعة. في تلك الليلة، كان مكلفاً بإنهاء مراجعة الخرائط التفصيلية لحي "السبيل"، وهو أحد أقدم الأحياء الشعبية في أطراف المدينة. حي تتداخل فيه الأزقة الحجرية الضيقة، وتلتف فيه المباني القديمة المبنية من الحجر ...

​شحن الوصلة الخاطئة: كابوس الاتصال العصبي المرعب

حاسوب محمول موصول بسلك شحن غامض في مكتب مظلم ومرعب

الفصل الأول: الشاشة الزرقاء في منتصف الليل

في أروقة الشركات التقنية الكبرى، حيث تتداخل أضواء الشاشات الفلورية الباردة مع همهمة أجهزة الخوادم الضخمة التي لا تتوقف عن العمل طوال اليوم، كان "طارق" جالساً وحده في الطابق السابع عشر. كان طارق مبرمجاً شاباً، تفرضه ظروف العمل الشاقة على قضاء ليالٍ طويلة بمفرده في المكتب، محاطاً باكواد البرمجة المعقدة وجداول البيانات التي لا تنتهي.

كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحاً. المبنى كان ساكناً وموحشاً، والرياح الباردة تضرب النوافذ الزجاجية الكبيرة للخارج بصوت رتيب ومزعج. شعر طارق بإرهاق شديد في عينيه، وقرر أن يستريح لعدة دقائق قبل إكمال مشروعه الأخير. أخرج هاتفه الذكي من جيبه، ولاحظ أن بطاريته قد وصلت إلى نسبة حرجة (خمسة بالمئة).

أراد أن يشحن هاتفه بسرعة عبر ربطه بجهاز الحاسوب المحمول الخاص به على المكتب. لكنه تفاجأ بأن سلك الشحن الاعتيادي الخاص به قد تلف وقطعت أطرافه في وقت سابق. تذكر فجأة أنه وضع في حقيبته كابل توصيل وشحن جديداً ومجهول المصدر، كان قد طلبه قبل أيام عبر متجر إلكتروني غامض ظهر أمامه صدفة على الإنترنت أثناء تصفحه المتأخر، وكان يتميز بتصميم فريد، كابل أسود داكن وسميك، موصول بطرفين معدنيين يلمعان ببريق غريب يشبه لون الفولاذ المصقول.

أخرج طارق الكابل من الحقيبة، ووصل الطرف الأول بهاتفه، والطرف الثاني بمنفذ الـ USB في حاسوبه المحمول. ظهرت فوراً إشارة الشحن على شاشة الهاتف، وتنفس طارق الصعداء، غير مدرك تماماً أن هذا الكابل لم يكن مصممًا لنقل الطاقة الكهربائية وحدها.. بل لنقل شيء أظلم بكثير.

الفصل الثاني: الوخز الغريب في اليد اليسرى

جلس طارق على مقعده الجلدي، وأعاد تركيزه نحو شاشة الحاسوب ليبدأ في كتابة الأسطر البرمجية المتبقية لمشروعه. مرّت عشر دقائق في هدوء تام، لم يقطعها سوى صوت نقرات أصابعه الخفيفة على لوحة المفاتيح.

وفجأة.. توقف عن الكتابة.

شعر بوخز مفاجئ وحاد في معصم يده اليسرى، كأن إبرة رفيعة جداً اخترقت جلده بعمق. قطّب حاجبيه بابتسامة صفراء واستهجان، وفرك معصمه بيمينه، وظن أن الأمر لا يعدو كونه تشنجاً عضلياً بسيطاً نتيجة الجلوس الطويل وطريقة وضعية يده على المكتب.

لكن الوخز عاد مرة أخرى، وأصبح أقوى هذه المرة. تحول إلى شعور حارق وساخن، وكأن قطرة ماء مغلي سقطت على ظاهر كفه اليسرى. أخذ ينظر إلى يده المليئة بالشحوب، فلم يجد أي جرح أو أثر خارجي، لكن الألم كان حقيقياً وموجعاً لدرجة جعلته يزفر بقوة ويتمتم بصوت منخفض: "ما هذا بحق الجحيم؟!"

وفي نفس اللحظة، ظهرت على شاشة حاسوبه المحمول نافذة منبثقة غريبة لم يقم هو ببرمجتها أو فتحها. كانت النافذة تحمل عنواناً مختصراً بخط رمادي باهت: [Data_Sync_Active: Neural_Bridge] 

الفصل الثالث: الفيديو غير المبرمج

عقد طارق حاجبيه بدهشة شديدة، ووجه مؤشر الماوس نحو النافذة المنبثقة ليغلقها. لكن قبل أن يضغط على زر الإغلاق، بدأت شاشة النافذة تتسع وتتحول إلى مشهد فيديو مباشر وعالي الدقة.

ما ظهر على الشاشة جعل دمه يتجمد في عروقه ويحبس أنفاسه تماماً.

لم يكن الفيديو مسجلاً مسبقاً، بل بدا وكأن كاميرا خفية تبث مباشرة من مكان مجهول ومظلم. ظهر على الشاشة شخص غريب، شاب في مثل عمره تقريباً، لكنه كان مقيداً بالحبال والقيود الحديدية إلى كرسي خشبي قديم في غرفة مظلمة ومتهالكة، جدرانها مكسوة بالخرسانة المتشققة. كان الشخص يرتدي ملابس ممزقة وعليه آثار تعذيب وإرهاق شديد، وتبدو على وجهه ملامح الخوف المطلق.

شعر طارق بدوار خفيف، وظن أن نظام حاسوبه تعرض لاختراق أو فيروس خبيث يعرض فيديوهات وهمية. قال لنفسه بصوت مرجف: "مجرد مقلب سيء.. أو فايروس في النظام."

لكن ما حدث بعد ثوانٍ قليلة حطم كل محاولاته للتفسير المنطقي.

على شاشة الفيديو، ظهر شخص آخر مجهول يرتدي قناعاً داكناً، ويحمل في يده عصا حديدية ثقيلة، ثم وجه ضربة قوية ومباشرة إلى كف اليد اليسرى للشخص المقيد على الكرسي.

وفي نفس اللحظة بالذات.. تلقى طارق نفس الضربة في يده اليسرى!

صرخ طارق بألم فظيع، وسقط من على مقعده إلى أرضية الغرفة، وهو يمسك بيده اليسرى التي انتفخ جلدها وتحول إلى اللون الأحمر القاني تماماً في نفس مكان ضربة العصا على الشاشة، وكأن يده هي التي تلقت الضربة وليس يد الشخص الموجود في الفيديو.

الفصل الرابع: الحبل السري الرقمي

جلس طارق على الأرض، وهو يلهث بعنف، وعيناه متسعتان من شدة الذعر. نظر إلى يده اليسرى المنتفخة والتي تؤلمه، ثم رفع بصره ببطء نحو شاشة الحاسوب المضيئة.

كان الشخص المقيد على الشاشة يرفع وجهه ببطء، ونظر مباشرة إلى عدسة الكاميرا، وكأنه يرى طارق جالساً أمامه في الغرفة، ويهمس بصوت خشن وضعيف:

"أنقذني.. إنه يربط أجسادنا معاً عبر هذا الكابل.. كل ما يحدث لي.. يحدث لك الآن."

أدرك طارق الحقيقة المرعبة، لم يكن سلك الشحن العجيب ينقل طاقة ولا بيانات رقمية عادية، بل كان جسرًا عصبيًّا وحسّيًّا يربط الإشارات العصبية لجسده بجسد شخص آخر في مكان مجهول على هذا الكوكب. كابل شحن شيطاني نقل الآلام والجروح مباشرة عبر النبضات الرقمية.

هب طارق واقفاً بسرعة جنونية، واتجه نحو المكتب ليفصل الكابل عن الحاسوب والهاتف فوراً قبل أن يحدث ما هو أسوأ.

مد يده اليمنى وأمسك بالطرف الموصول بالحاسوب، وجذبه بكل قوته لنزعه.

الفصل الخامس: الألم المتبادل

حين حاول طارق سحب الكابل ونزعه بالقوة، شعر بشحنة كهربائية حادة ومؤلمة تضرب أصابعه، وصدر صوت أزيز مزعج من الشاشة.

وفي نفس اللحظة على شاشة الفيديو، ظهر الشخص المقيد وهو يصرخ بألم مبرح، وكأن قوة خفية بدأت تمزق جسده من الداخل. ظهرت على الشاشة عبارة نصية حمراء بارزة:

[تحذير: محاولة قطع الاتصال العصبي ستؤدي إلى تلف دائم في الأنسجة العصبية لكلا الطرفين.]

تراجع طارق إلى الخلف ويده ترتجف بقوة. أدرك أن نزع الكابل بالقوة يعني تدمير جهازه العصبي أو التسبب بموت الشخص الآخر، وكأن حياتهما أصبحت معلقة بخيط أسود سميك من هذا الكابل اللعين.

عاد وجلس على كرسي المكتب، وعيناه مسمرتان على الشاشة. كان المعذب في الفيديو يستعد لتلقي جرح جديد، إذ اقترب الشخص الملثم بقطعة الحديد نحو كتف الشاب المقيد ليقوم بضربه.

شعر طارق ببرودة القطعة الحديدية وهي تقترب من جلده وكأنها على كتفه هو. بدأ يصرخ ويبكي من شدة الرعب، وهو يرى كل حركة وكل ألم يتكرر بحذافيره في جسده الحقيقي.

الفصل السادس: البحث عن الأصل

أدرك طارق أنه لن ينجو من هذا الكابوس بالاستسلام للبكاء. يجب أن يعرف مصدر هذا البث ومكان هذا الشخص المجهول لينقذه، وبالتالي ينقذ نفسه من هذا العذاب المتبادل.

وجه أصابعه المرتجفة نحو لوحة المفاتيح، وبدأ بسرعة في تتبع مصدر عنوان الـ IP الخاص بنافذة الفيديو المباشر عبر أدوات البرمجة المتقدمة التي يتقنها. كان النظام يحاول حجب الموقع وتشفير البيانات، لكن خبرة طارق البرمجية تفوقت على خوارزميات التشفير.

سطرت الشاشة أرقام إحداثيات جغرافية دقيقة، وعنوان مبنى مهجور في الطرف الغربي للمدينة، بالقرب من المستودعات القديمة والميناء المهجور.

نظر إلى الساعة في زاوية الشاشة، كانت تشير إلى الرابعة فجراً. لم يعد لديه وقت للتفكير أو الخوف.

الفصل السابع والأخير: تحرير الجسد المربوط

فصل طارق هاتفه المحمول عن الكابل بحذر شديد هذه المرة مستخدماً أمراً برمجياً آمناً أوقفه مؤقتاً، ووضع الهاتف في جيبه، بينما أبقى على الكابل موصولاً بحاسوبه المحمول ليبقى الاتصال معلقاً ولا يتأذى الشخص المقيد.

خرج من مبنى الشركة مسرعاً، وركب سيارته وانطلق بأقصى سرعة نحو العنوان الذي ظهر له على الشاشة، وسط عاصفة مطرية خفيفة وظلام دامس يغطي شوارع المدينة.

بعد قيادة استمرت نصف ساعة وسط الأزقة المظلمة، وصل إلى المبنى المهجور والمذكور في الإحداثيات. كان مبنى خرسانياً قديماً تحيط به قاذورات ومياه راكدة.

ترجل من السيارة، ودخل المبنى بحذر شديد، مستخدماً كشاف هاتفه ليضيء العتمة. صعد سلالم خشبية متهالكة حتى وصل إلى الطابق الثاني، حيث سمع أصواتاً خافتة ومكتومة تنبعث من غرفة مغلقة بباب حديدي صدئ.

دفع الباب بقوة بكتفه، فانفتح بصوت صرير حاد.

في وسط الغرفة المظلمة، وجد الشاب المقيد على الكرسي تماماً كما رأى على الشاشة، وكان المعذب يقف بجانبه ممسكاً بأداة معدنية، يستعد لتوجيه ضربة جديدة.

لم يتردد طارق لثانية واحدة، انقض على المعذب بكل ما أوتي من قوة، ودفعه بقوة نحو الجدار الخرساني حتى سقط مغشياً عليه على الأرض.

ركض نحو الشاب المقيد، وبدأ يفك الحبال والقيود عن يديه ورجليه بسرعة فائقة، حتى تحرر الشاب تماماً وسقط بين أذرع طارق متعباً ومنهكاً.

وفي تلك اللحظة بالذات، شعر طارق وكأن ثقلاً هائلاً زال عن صدره، واختفى الألم الوخز المفاجئ من يده اليسرى للأبد.

نظر طارق إلى هاتفه المحمول، فوجد أن نافذة الاتصال العصبي على الشاشة أُغلقت تلقائياً، وظهرت رسالة أخيرة بخط هادئ: [تم قطع الارتباط بنجاح.. النظام مغلق نهائياً] 

تنفس طارق الصعداء، وسند الشاب للمغادرة، موقناً تماماً أن بعض التقنيات الغامضة التي نشتريها عبر الإنترنت بفضول، قد تحمل في أسلاكها أسراراً مرعبة لا ينبغي لأحد أن يكتشفها.


تعليقات

المشاركات الشائعة