مدونة أدبية تأخذكم في رحلة بين تلافيف الذاكرة وعمق المشاعر الإنسانية. نقدم هنا قصصاً ملهمة، وحكايات غموض نفسي تثير الفضول، ومواقف اجتماعية دافئة تلامس قلوبكم وتترك في نفس كل قارئ أثراً وعِبرة.
مميزة
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
سر زقاق المصابيح الصفراء: قصة من عمق المدينة القديمة
الفصل الأول: النقطة العميقة في الخريطة
كان سامر يعتقد أن العالم قد تم مسحه بالكامل.
بالنسبة لمهندس برمجيات ونظم معلومات جغرافية (GIS) يعمل منذ ست سنوات في شركة "أطلس مابز" الملاحية، لم تكن الأرض سوى مجموعة من الإحداثيات، وخطوط الطول والعرض، والبكسلات الملونة التي تتصل عبر خوادم عملاقة في سياتل وفرانكفورت. كان عمله اليومي يتلخص في تدقيق البيانات الميدانية التي تجمعها سيارات المسح الجغرافي: تلك السيارات البيضاء الصغيرة المزودة بأعمدة معدنية مرتفعة، تحمل في قمتها كاميرات ثمانية العدسات تدور بزاوية 360 درجة، لتمسح الشوارع، والمباني، ورصيف المشاة، وحتى وجه القطة التي تعبر الطريق.
كان سامر يرى العالم من خلال شاشة المراقبة الثلاثية الممتدة أمامه. يجلس في مكتبه المنزلي في الساعة الواحدة صباحاً، والهدوء يلف شقته، بينما تحتسي يده كوباً من القهوة التي فقدت حرارتها منذ ساعة.
في تلك الليلة، كان مكلفاً بإنهاء مراجعة الخرائط التفصيلية لحي "السبيل"، وهو أحد أقدم الأحياء الشعبية في أطراف المدينة. حي تتداخل فيه الأزقة الحجرية الضيقة، وتلتف فيه المباني القديمة المبنية من الحجر المنحوت والبلاط الأسود كأنها جذوع أشجار متشابكة.
أثناء تمرير الفأرة على المخطط الرقمي، لاحظ شيئاً غريباً.
في منتصف الشارع الرئيسي للحي، وتحديداً بين منزلين قديمين مهجورين من طراز الثمانينيات، كان هناك خط أسود رفيع جداً يمتد بزاوية قائمة إلى اليسار. لم يكن الخط يحمل اسماً، ولا رقماً، ولا حتى تصنيفاً لمرور المشاة.
"خطأ في معالجة الصور"، همس سامر لنفسه وهو يحرك عجلة الفأرة للتكبير.
عادة، عندما تلتقط الكاميرات المارة زوايا حادة أو عندما تتداخل المباني العالية لتمنع إشارات الإشعاع الملاحي (GPS)، يقوم النظام الآلي بدمج الصور بطريقة خاطئة، مما يخلق ثغرات بصريّة تُعرف باسم "البكسلات الميتة" أو "الرميات العشوائية".
أنزل سهم الفأرة، ونقر على أيقونة "المعاينة الميدانية (Street View)" لإسقاط الدبوس الافتراضي في منتصف ذلك الخط الأسود.
تحولت الشاشة إلى اللون الرمادي لثانية واحدة، وهي الفترة التي يستغرقها السيرفر لجلب ملفات الصور ثلاثية الأبعاد. ثم، مع همس خفيف انبعث من سماعات الكمبيوتر، انفتحت الصورة.
كان المشهد أمامه مذهلاً ومرعباً في آن واحد.
لم تكن الصورة مجرد خطأ برمجي. كان الشارع ممتداً بالفعل داخل الشاشة.
زقاق ضيق لا يتجاوز عرضه مترين، أراضيته مطعمة بأحجار المظلات السوداء المبتلة، وكأن مطراً طازجاً قد سقط عليه للتو، رغم أن المدينة لم تشهد قطرة مطر واحدة منذ ستة أشهر. على جانبي الزقاق، ارتفعت جدران حجرية داكنة جداً، خالية تماماً من أجهزة التكييف أو أسلاك الكهرباء الحديثة التي تملأ كل زوايا الحي. وكانت هناك مصابيح حديدية معلقة بالسلاسل، تنبعث منها إضاءة صفراء باهتة تومض ببطء شديد... ومض... انطفاء... ومض.
حرك سامر المؤشر بسحبه.
سار بالعدسة إلى الأمام. نقرة واحدة... تقدمت الكاميرا خمسة أمتار داخل الزقاق.
كان الصوت المرافق في سماعاته يلتقط صدى حركة إطارات سيارة المسح وهي تطحن الحصى الصغير على الأرضية. صدى حاد ونقي بشكل غير طبيعي.
في الصورة التالية، ظهرت نافذة خشبية مفتوحة في الطابق الثاني لإحدى البنايات. وفي الظل العميق خلف تلك النافذة، كانت هناك هيئة بشرية جالس بلا حركة. لم تكن الملامح واضحة، لكن الشيء الوحيد البارز كان البياض الناصع لعينين مفتوحتين تماماً تنظران بتركيز إلى أعلى العمود الذي يحمل كاميرا السيارة!
شعر سامر ببرودة مفاجئة تتسلل إلى جسده
"من الذي يسكن في هذا الزقاق؟" قال بصوت خافت.
فتح قاعدة البيانات الجغرافية الخاصة بالحي للتحقق من تاريخ الترخيص العمالي. ألقت قاعدة البيانات النتيجة التالية:
الكود الجغرافي: [UNK-00-989]
الحالة: قطاع غير ممسوح / ملغى من المخطط العمراني 1974
تاريخ المسح الأخير: 21 أغسطس 2026 - الساعة 11:42 ليلاً
قبض سامر على الفأرة بقوة. 21 أغسطس 2026... هذا التاريخ هو تاريخ اليوم! والوقت كان قبل ساعتين فقط!
نقر على زر تفاصيل الملف ليعرف اسم السائق الذي كان يقود سيارة المسح رقم (04) التابعة للشركة والتي التقطت هذه الصور.
ظهر الاسم على الشاشة: عادل الشامي.
كان عادل زميلاً قديماً لسامر، سائقاً مخضماً يعرف أزقة المدينة كظهر يده. أخرج سامر هاتفه بسرعة، وضغط على رقم عادل.
تلقى الرنين... مرتان... ثلاث... ثم فتح الخط.
لم يأتِ صوت عادل. لم يكن هناك سوى صوت هواء حاد، يتبعه صوت احتكاك معدني منتظم، كصوت شفرة مساحة السيارة وهي تمسح زجاجاً جافاً.
"عادل؟ هل تسمعني؟" قال سامر وهو يقف من كرسيه.
"... سامر؟" جاء صوت عادل، لكنه لم يكن يأتي من سماعة الهاتف الخارجية، بل كان يبدو بعيداً جداً، وكأنه يتحدث من قاع بئر عميقة. "لا... لا تنقر على الصورة الثالثة... لا تفتح الملف..."
"عادل! أين أنت؟ سيارتك أرسلت تحديثاً لشارع غريب في حي السبيل. أين يقع هذا الشارع؟"
"... أنا لست في الشارع..." همس عادل، وكانت نبرته مشبعة برعب شلّ حباله الصوتية. "... أنا داخل الصورة. السيارة تعطلت هنا... والضوء الأصفر لا ينطفئ..."
وانقطع الخط.
ساد الصمت الغرفة، باستثناء طنين المروحة داخل صندوق الكمبيوتر.
نظر سامر إلى الشاشة. كانت أيقونة التقدم في الشارع المظلم تومض، وتحتها كتب النظام الآلي بخط أحمر صغير:
يوجد تحديث حي (Live Feed) متوفر لهذه الإحداثية. هل تريد المتابعة؟
الفصل الثاني: الانعكاس على الزجاج
لم ينم سامر تلك الليلة.
عندما بزغت شمس الصباح الباهتة، كان يقف أمام البناية التي تسكن فيها أميرة.
أميرة ليست فقط خطيبته، بل هي مهندسة معمارية متخصصة في تاريخ التخطيط العمراني للمدينة، وتعمل في هيئة الآثار والتطوير. كانت الوحيدة التي تملك وصولاً إلى المخططات الورقية القديمة التي تعود لأكثر من مئة عام، قبل أن تتحول المدينة إلى غابة من الخرسانة والألياف البصرية.
كانت ندى تضع أطباق الإفطار على الطاولة في شقتها المشمسة عندما لاحظت شحوب وجه سامر والسواد الممتد تحت عينيه.
"سامر، ما الذي حدث؟ هل أنت بخير؟" سألته وهي تضع يدها على جبهته.
أخرج سامر لابتوبه الشخصي ووضعه على الطاولة بين أطباق الطعام. "أميرة، أريدكِ أن تنظري إلى هذا المخطط. هل يحتوي حي السبيل على زقاق يسمى 'زقاق الموتى' أو شيء من هذا القبيل؟"
ضحكت أميرة بخفة وهي تسكب الشاي. "حي السبيل؟ أطرافه تم تخطيطها في الخمسينيات. لا يوجد فيه أي اسم غريب. إنه مجرد حي قديم مكتظ بالسكان. لماذا تسأل؟"
"انظري إلى هذه الصورة."
فتحت أميرة اللابتوب. نظر سامر إلى الشاشة، متوقعاً أن يرى الصورة ذاتها التي تركها البارحة. لكن الشاشة كانت قد حدثت نفسها تلقائياً عند الاتصال بشبكة الواي فاي.
الصورة البانورامية للزقاق المظلم كانت قد تغيرت!
في الصورة السابقة، كان الشارع خالياً باستثناء الوجه الغامض عند النافذة. أما الآن، في هذه الصورة الجديدة الملتفتة، كان هناك رجل وامرأة يقفان في منتصف الزقاق المبلل تحت المصباح الأصفر.
كان الرجل يرتدي قميصاً أزرق داكناً وساعة يدوية ذات حزام جلدي بني... نفس القميص والساعة اللذين يرتديهما سامر الآن! وكانت المرأة تقف إلى جواره، ترتدي معطفاً خفيفاً بلون الكاكاو، وتضع حقيبة جلدية سوداء على كتفها الأيسر... نفس الملابس التي ترتديها أميرة في هذه اللحظة بالذات!
توقفت يد أميرة وهي تسكب الشاي. انسكبت قطرات ساخنة على الخشب، لكنها لم تهتم.
استقرت عيناها على الشاشة. قرّبت وجهها من اللابتوب حتى كادت جبهتها تلمس الزجاج.
"سامر..." قالت بصوت خافق، "هذه الخدعة ليست لطيفة. كيف قمت بتركيب صورتي وصورتك على هذا البرنامج؟"
"أقسم لكِ يا أميرة، لم ألمس الفوتوشوب! هذا بث حي قادم من سيرفر الشركة الرئيسي. هذه الصور التقطتها سيارة المسح رقم 4."
"ولكن هذا مستحيل!" صرخت أميرة وهي تتراجع إلى الخلف. "أنا لم أذهب إلى حي السبيل منذ سنوات! كيف توجد صور لنا هناك؟ وكيف نرتدي نفس ملابسنا التي ارتديناها اليوم فقط؟!"
أشر سامر بأصبعه إلى الزاوية السفلى من الصورة.
كان هناك شريط زمني أحمر، يُظهر التوقيت الجغرافي للقطة:
التاريخ المتوقع للالتقاط: 22 أغسطس 2026 - الساعة 11:30 ليلاً
كان التاريخ هو ليلة اليوم! والتوقيت كان بعد اثنتي عشرة ساعة من الآن!
"الخريطة لا تسجل الماضي يا أميرة..." قال سامر، ونبرته كانت ترتجف بشدة. "الخريطة تسحب البيانات من المستقبل. المكان الذي نراه على الشاشة... هو المكان الذي سنكون فيه في الساعة الحادية عشرة والنصف من هذه الليلة!"
أغلقت أميرة اللابتوب بعنف، وصوت سحب الشاشة الخشبية أحدث صوت حاداً في الغرفة.
"هذا جنون يا سامر! نحن لن نذهب إلى هناك! بكل بساطة، سنبقى هنا في الشقة. لن نخرج اليوم. إذا لم نذهب إلى الحي، فلن تقع القصة ولن تتحقق الصورة!"
نظر إليها سامر. كان كلامها منطقياً، لكنه كان يعلم شيئاً لم تقرأه هي بعد.
فتح الهاتف، وأراها الرسالة النصية التي وصلته قبل قليل من شرطة المرور وهيئة الطوارئ:
تنبيه عاجل: تم العثور على سيارة المسح الجغرافي رقم (04) مهجورة في حارة السبيل دون السائق. يُرجى من موظف نظم المعلومات الجغرافية المسؤول (سامر) الحضور إلى الموقع فوراً للتعرف على محتويات وحدة التخزين الصلبة داخل السيارة.
انقبضت ملامح أميرة.
"إذا لم أذهب أنا..." قال سامر وهو ينظر إلى عينيها، "فسيعتبرون عادل مفقوداً وسيغلقون القضية. عادل كان يتحدث معي البارحة من داخل هذا الشارع... هو لم يهرب يا أميرة، هو محتجز داخل البيانات!"
الفصل الثالث: الحائط الخرساني
في الساعة العاشرة ليلاً، كانت السيارة الصغير لسامر تقطع الشوارع المظلمة المؤدية إلى حي السبيل.
كانت أميرة تجلس في مقعد الراكب الأمامي. لم تستطع ترك سامر يذهب بمفرده. كانت تحمل في يدها كشافاً ضوئياً ثقيلاً، ومجرفة معمارية صغيرة أخذتها من حقيبة أدواتها، بينما كان هاتف سامر مثبتًا على لوحة القيادة، وهو يعرض الخريطة التفاعلية للحي.
كان حي السبيل غارقاً في السكون.
المصابيح العامة في هذا الحي كانت قديمة، بعضها مكسور وبعضها يرسل ضوءاً حائراً يغطيه الضباب الخفيف القادم من البحر. المباني الحجرية العالية كانت تحجب السماء، مما جعل الشوارع تشبه الممرات الضيقة داخل مقبرة جماعية.
توقفت سيارة سامر عند نقطة النهاية للشارع الرئيسي.
هناك، تحت ضوء مصباح متهالك، كانت تقف سيارة المسح الجغرافي البيضاء رقم (04). كانت أبواب السيارة مفتوحة، والمحرك كان متوقفاً، ولكن الكاميرا المرتفعة على العمود فوق السيارة كانت لا تزال تدور ببطء شديد، وتصدر صوت زنين كهربائي متقطع.
نزل سامر وأميرة من السيارة.
كانت الأرضية تحت أقدامهم جافة تماماً، ورائحة الغبار المكتوم تملأ الهواء.
اقترب سامر من سيارة المسح. نظر إلى داخل الكابينة. كانت القبعة الخاصة بعادل ملقاة على مقعد السائق، وإلى جوارها نصف علبة سجائر ومفاتيح السيارة. لم تكن هناك أي آثار لعراك أو مقاومة.
"سامر..." جاء صوت أميرة من خلف السيارة. "تعال وانظر إلى هذا."
دار سامر حول السيارة ليلحق بأميرة.
كانت أميرة تقف أمام النقطة التي أظهرت الخريطة أن الزقاق المظلم يبدأ منها.
لم يكن هناك أي زقاق.
كان هناك جدار خرساني صلب وضخم، يعلو بارتفاع ثلاثة أمتار، يسد الشارع بالكامل. الجدار كان جافاً، ومغطى بملصقات إعلانية قديمة متآكلة وأوراق شجر ميتة. كان واضحاً أن هذا الجدار قد تم بناؤه منذ عقود طويلة، ولم يُفتح أو يُهدم قط.
"أرأيت؟" قالت أميرة وهي تلمس حجارة الجدار الصلبة بيدها. "لا يوجد شارع هنا يا سامر! البرنامج يعاني من أخطاء في تراكب الخرائط القديمة مع الحديثة. هذا الجدار يغلق المكان منذ سنوات!"
أخرج سامر هاتفه من جيبه. فتح تطبيق "أطلس مابز".
أشرت نقطة الـ GPS الزرقاء إلى موقعهما الحالي: كانا يقفان تماماً عند مدخل "الشارع غير الموجود".
نقر سامر على زر الملاحة الصوتية في التطبيق.
فجأة، انبعث من سماعة الهاتف الصوت الآلي الهادئ للمعلمة الملاحية:
"لقد وصلت إلى وجهتك... الشارع الممتد أمامك هو زقاق الموتى. يُرجى التقدم خمسة أمتار إلى الأمام."
"إلى الأمام؟" همست أميرة وهي تنظر إلى الجدار الخرساني الذي يبعد عنها نص متر فقط. "المساعد الملاحي يطلب منا الاختراق عبر الجدار!"
في تلك اللحظة بالذات، أضاءت شاشة هاتف سامر بإشعار إلكتروني جديد:
تحديث ملاحي: تم التقاط لقطة بانورامية جديدة بواسطة السيارة رقم (04).
فتح سامر الإشعار فوراً.
الصورة البانورامية الجديدة المجلوبة من الكاميرا المثبتة فوق السيارة المقابلة لهما أظهرت المشهد التالي:
في الصورة، لم يكن هناك جدار خرساني! كان الزقاق الأسود المبلل مفتوحاً وممتداً إلى المجهول. وفي منتصف الزقاق، كان يقف سامر وأميرة... ولكنهما في الصورة كانا يتجهان بنظرهما نحو الداخل، وجسداهما يمران عبر المساحة التي يشغلها الجدار الخرساني في الواقع!
ونظرا إلى شريط التوقيت تحت الصورة:
22 أغسطس 2026 - الساعة 11:29 ليلاً
أخرج سامر ساعته اليدوية ونظر إليها.
كانت العقارب تشير إلى: 11:29 ليلاً.
تبقى دقيقة واحدة فقط.
وفجأة، انطفأت جميع مصابيح الشارع الرئيسي دفعة واحدة!
الفصل الرابع: الواقع المعزز
حلّ الظلام المطلق.
لم يعد هناك سوى الضوء الأبيض الخافت القادم من شاشة هاتف سامر، والضوء النافذ من كشاف أميرة اليدوي.
"سامر! تمسك بي!" صرخت أميرة وهي تمسك بذراعه بقوة.
بدأ هواء بارد جداً، يفوح برائحة العفن المائي والفرملة الحادة، ينبعث من اتجاه الجدار الخرساني الصلب!
لم يكن الهواء يمر من فوق الجدار... بل كان يخرج من داخل حجارة الجدار نفسها!
سمع سامر صوت صفير متقطع ينبعث من جهاز الهاتف في يده. تحولت شاشة الهاتف إلى وضع "الواقع المعزز، حيث تعمل الكاميرا الخلفية للهاتف لتسجيل البيئة المحيطة مع إسقاط البيانات الرقمية فوقها.
رفع سامر الهاتف ووجه كاميرته نحو الجدار الخرساني.
عبر شاشة الهاتف الصغيرة، لم يكن الجدار موجوداً!
عبر شاشة الهاتف، كان الجدار الخرساني عبارة عن ضباب رمادي شفاف، وخلفه كان يمتد الزقاق الأسود المظلم، بأحجاره المبللة ومصابيحه الصفراء الومّاضة!
"أميرة..." قال سامر بصوت ترتعد فيه كل كلمة. "انظري عبر شاشة الهاتف... لا تنظري بعينيكِ."
قربت أميرة عينها من الشاشة.
رأت الشارع المخفي ممتداً خلف الجدار. ورأت شيئاً آخر جعلها تشعر بحجر ثقيل يستقر في معدتها.
على بعد عشرة أمتار داخل الزقاق عبر الشاشة، كانت هناك سيارة مسح جغرافي ثانية، متوقفة بين الجدران الحجرية. وفي مقعد السائق داخل تلك السيارة الشفافة، كان يجلس رجل يضع رأسه على عجلة القيادة... عادل الشامي!
وكان عادل في الشاشة يرفع رأسه ببطء، ويومئ بيده نحو سامر، وشفتاه تتحركان بلا صوت: "أنقذني..."
"عادل هناك!" صرخت أميرة. "إنه داخل القطاع الممسوح!"
"كيف يدخل شخص إلى خريطة رقمية يا أميرة؟" قال سامر وهو يحاول استيعاب الجنون الذي يحيط بهما.
"هذا ليس مجرد برنامج يا سامر!" قالت أميرة وهي تتذكر المخططات القديمة التي درستها. "في الخمسينيات... عندما حاولوا تخطيط هذا الحي، وقع زلزال صغير أدى إلى انخساف هذا الزقاق بالكامل ومقتل جميع سكانه في ليلة واحدة. السلطات لم تنتشل الجثث... بل قامت ببناء هذا الجدار الخرساني لإغلاق الشارع وإلغائه من السجلات العامة! هذا الشارع ليس 'غير موجود'... هذا الشارع موجود في مساحة زمانية ميتة! والكمبيوتر عندما حاول مسح المكان، لم يمسح الحجارة... بل مسح الذاكرة المكانية المتبقية في الهواء!"
في تلك اللحظة، ارتفع صوت زنين الكاميرا على السيارة رقم (04) خلفهما.
انطبعت الإشارة الضوئية الخضراء على رأس العمود.
ودوت في الهاتف النغمة الصوتية المألوفة للملاحة، لكن هذه المرة بصوت مرتفع وحاد تشبه صراخ الآلات:
"تنبيه ملاحي: إعادة توجيه المسار... السير القادم يتطلب الدخول إلى المنطقة المسجلة. 3... 2... 1..."
وفجأة، لمست قدم سامر اليسرى شيئاً مبتلاً.
نظر إلى الأسفل بعينيه المجردتين.
لم تكن قدمه تقف على الأسفلت الجاف للشارع الرئيسي. كانت قدمه قد غطست لعدة سنتيمترات داخل ماء أسود بارد يغطي أحجاراً سوداء ملساء... كانت قدمه قد تجاوزت حافة الجدار الخرساني، دون أن يصطدم بالحجارة!
تراجع سامر إلى الخلف بسرعة، لكن أميرة صرخت عندما شعرت بـ يد باردة جداً ومبللة تمسك بكاحلها من أسفل الجدار!
الفصل الخامس: صدى الأقدام في الزقاق
سقطت أميرة على الأرضية المبتلة.
كانت اليد الصادرة من أسفل الجدار تسحبها ببطء نحو الضباب الرمادي الشفاف الذي يغطي الشارع المظلم.
"سامر! أمسك بي!"
قفز سامر وأمسك بيدي أميرة بكل قوته. كانت برودة سريعة تتسلل من جسمها إلى يديه، وكأنها تُسحب داخل ثلاجة عملاقة.
وجه سامر الكشاف الضوئي نحو أسفل الجدار.
كانت اليد التي تمسك بكاحل أميرة يد بشرية، لكنها كانت تغطيها طبقة جافة من الغبار الأسود والمادة الكيميائية التي تُستخدم في تحنيط الجثث القديمة. وكانت الأصابع طويلة بشكل غير طبيعي، تلتف حول جلد أميرة وتترك بقعاً زرقاء متجمدة.
أمسكت أميرة بالمجرفة المعمارية الصغيرة بيدها الحرة، وضاربت بها بقوة على ساعد اليد الممتدة من الظلام!
انبعث صوت كسر صلب، يتبعه همس حاد كصوت تفريغ الهواء من إطار مضغوط. أطلقت اليد كاحل أميرة وتراجعت بسرعة داخل الجدار الضبابي.
سحب سامر أميرة إلى الخلف، حتى أصبحت ظهورهما ملاصقة لجانب سيارة المسح الجغرافي.
كانت الساعة تشير إلى: 11:30 ليلاً.
وفي تلك اللحظة بالذات، أنارت جميع مصابيح الزقاق الأصفر خلف الجدار الضبابي!
بدأت الأصوات تنبعث من الشارع غير الموجود: صوت خطى متثاقلة تسير على الأحجار المبتلة، صوت أبواب خشبية تُفتح وتُغلق بهدوء، وصوت همس جماعي لمئات الأسرار التي تم دفنها تحت الخرسانة منذ سبعين عاماً.
عبر شاشة الهاتف التي كانت لا تزال تسجل الواقع المعزز، رأى سامر عشرات الظلال البشرية تخرج من الأبواب المظلمة للزقاق، وتتجه بخطوات منتظمة نحو الجدار الشفاف... نحوه ونحو أميرة!
كانوا جميعاً يملكون نفس الملامح الممسوحة، والعيون البيضاء المفتوحة التي رأى سامر أحدها في الصورة الأولى.
"سامر..." همست أميرة وهي تنظر إلى شاشة الهاتف. "إنهم لا يريدون الخروج... إنهم يريدون سحبنا إلى الداخل لنصبح جزءاً من الخريطة!"
"الكاميرا..." قال سامر وهو ينظر إلى العمود المرتفع فوق سيارة المسح. "الكاميرا هي التي تبث هذا التردد! هي التي تفتح البوابة بين خوادم الشركة وهذا المكان الميت!"
تسلق سامر على كبوت السيارة البيضاء بسرعة.
كانت الكاميرا ثمانية العدسات تدور وتصدر أضواء فلاش متقطعة، تلتقط صوراً متتالية للمكان وترسلها عبر شريحة الـ 5G إلى سيرفرات الشركة المباشرة.
أمسك سامر بالعمود المعدني وحاول كسر الكاميرا، لكن الجسد الفولاذي كان صلباً للغاية.
"أميرة! افصلي كابل البطارية الرئيسي تحت المقود!" صرخ سامر وهو يحاول تغطية العدسات بقميصه.
ركضت أميرة نحو كابينة السائق. انحنت تحت لوحة القيادة، والتقطت السكين السويسرية الصغير من جيبها. بدأت تقطع الأسلاك الحمراء والسوداء الممتدة من علبة المولد الرئيسي.
كانت الظلال عبر الشاشة قد بلغت حافة الجدار الخرساني.
بدأت أيدٍ بيضاء عديدة تخرج من السطح الصلب للجدار... أيدٍ جافة ومتربة تلامس ظهر سامر وكتفي أميرة، وتترك آثاراً بيضاء ثلجية على ملابسهما!
شعر سامر بالهواء يفرغ من رئتيه، ورأى صورة وجهه في شاشة الهاتف تبدأ في التحلل إلى بكسلات رمادية صغيرة...
"أميرة! الآن!" صرخ بكل ما تبقى له من صوت.
بضربة واحدة قوية من المجرفة المعمارية، قطعت أميرة حزمة الأسلاك الرئيسية للسيارة!
اننبعثت شرارة كهربائية زرقاء حادة، رافقها صوت انفجار صغير داخل المولد.
وانطفأت كاميرا المسح الجغرافي بالكامل.
الفصل السادس: السيرفر الميت
ساد الهدوء المطلق في حي السبيل.
انقطعت الأصوات، واختفت الأيدي البيضاء التي كانت تلامس أجسادهما وكأنها لم تكن سوى وهم تبخر في الهواء.
سقط سامر من فوق السيارة على الأسفلت الجاف.
نظر حوله. كانت مصابيح الشارع الرئيسي قد عادت للعمل بإضاءتها الصفراء العادية. وكان الجدار الخرساني القائم أمامهما جداراً عادياً صلبًا، مكسواً بالغبار والأوراق الميتة، دون أي ضباب أو انبعاثات باردة.
كانت أميرة تجلس على الأرض، تتنفس بصعوبة، وهي تمسك بكاحلها الذي ظهرت عليه بقع بيضاء دائريّة شاحبة.
أخرج سامر هاتفه من جيبه.
كان تطبيق الخرائط قد أُغلق تلقائياً، وظهرت على الشاشة الرسالة البرمجية التالية:
فشل الاتصال بالسيرفر الرئيسي: القطاع [UNK-00-989] غير متوفر أو تم حذفه بواسطة المسؤول.
قام سامر وسحب أميرة لتقف على قدميها. أخذها إلى سيارتهما، وقاد بعيداً عن حارة السبيل دون أن ينظرا إلى الخلف لمرة واحدة.
في صباح اليوم التالي، جفف سامر عرق وجهه وهو يجلس في المكتب الرئيسي لشركة "أطلس مابز".
كان يقف إلى جواره مدير قسم التخطيط والمهندسون التقنيون.
"أمر غريب يا سامر"، قال المدير وهو ينظر إلى التقارير التقنية على الشاشة الرئيسية. "الكاميرا الخاصة بالسيارة رقم (04) احترقت بالكامل الليلة الماضية بسبب شورت كهربائي. والسائق عادل الشامي... لم نجد له أي أثر."
"والبيانات التي تم رفعها قبل الاحتراق؟" سأل سامر وهو يبتلع ريقه بصعوبة.
"تم مسحها بالكامل تلقائياً"، أجاب المهندس التقني. "السيرفر اعتبر الملفات ذات تمدد خاطئ وقام بفرمتة القطاع الخاص بحي السبيل بالكامل. الشارع لم يعد موجوداً على أي خريطة في العالم."
تنفس سامر الصعداء. شعر بوزن ثقيل ينزاح عن صدره.
استأذن وخرج من الشركة، متجهاً إلى مقهى قريب حيث كانت أميرة تنتظره.
جلس إلى جوارها، وأمسك بيدها الدافئة.
"انتهى الأمر يا أميرة"، قال بابتسامة خفيفة. "الملفات حُذفت، والسيرفر أغلق الثغرة. لن يذهب أحد إلى ذلك الشارع بعد الآن."
ابتسمت أميرة، لكن وجهها كان لا يزال يحمل بعض الشحوب.
فتح سامر هاتفه الشخصي ليعرض عليها حجزه لتذكرتي سفر قررا أخذها للاستراحة في عطلة نهاية الأسبوع.
فتحت شاشة الهاتف على التطبيق السياحي الملاحي المعتاد.
وفجأة... اصطدمت عينا سامر بإشعار صغير ظهر في أعلى الشاشة من برنامج الملاحة المدمج في نظام التشغيل للهاتف:
تنبيه ملاحي ذكي: استناداً إلى النمط السلوكي لحركتك الأخيرة... تم تجهيز خريطة ثلاثية الأبعاد جديدة لشقك السكنية.
نقر سامر على الإشعار دون قصد.
انفتحت صورة بانورامية ثلاثية الأبعاد لـ صالة شقته الشخصية!
كانت الصورة نقية جداً ومأخوذة بزاوية 360 درجة من منتصف الصالة.
وفي الصورة البانورامية لشقته... كان هناك زقاق أسود ضيق ومبلل يمتد خلف باب مطبخه المغلق، وفي منتصف ذلك الزقاق، كان يقف عادل الشامي بقميصه المبلل، ينظر مباشرة إلى الكاميرا، وتحت الصورة كتب النظام الآلي بخط أحمر صغير:
تم التحديث الحي للقطاع... التوقيت المتوقع للوصول: الليلة في تمام الساعة 11:30 ليلاً.
نظر سامر إلى أميرة... وفي الانعكاس الزجاجي لشاشة الهاتف، رأى بقعة بيضاء صغيرة تبدأ في التكون ببطء على الجدار الخشبي للمقهى خلفهما.
بقلم: عفراء عادل
جميع الحقوق محفوظة لمدونة afraaadil.com
المشاركات الشائعة
أسرار الغرفة المغلقة.. حين تقودنا خريطة قديمة إلى كنز من الذكريات
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
متجر الساعات التي لا تقيس الوقت
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى

تعليقات
إرسال تعليق