التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

سر زقاق المصابيح الصفراء: قصة من عمق المدينة القديمة

  الفصل الأول: النقطة العميقة في الخريطة كان سامر يعتقد أن العالم قد تم مسحه بالكامل. بالنسبة لمهندس برمجيات ونظم معلومات جغرافية (GIS) يعمل منذ ست سنوات في شركة "أطلس مابز" الملاحية، لم تكن الأرض سوى مجموعة من الإحداثيات، وخطوط الطول والعرض، والبكسلات الملونة التي تتصل عبر خوادم عملاقة في سياتل وفرانكفورت. كان عمله اليومي يتلخص في تدقيق البيانات الميدانية التي تجمعها سيارات المسح الجغرافي: تلك السيارات البيضاء الصغيرة المزودة بأعمدة معدنية مرتفعة، تحمل في قمتها كاميرات ثمانية العدسات تدور بزاوية 360 درجة، لتمسح الشوارع، والمباني، ورصيف المشاة، وحتى وجه القطة التي تعبر الطريق. كان سامر يرى العالم من خلال شاشة المراقبة الثلاثية الممتدة أمامه. يجلس في مكتبه المنزلي في الساعة الواحدة صباحاً، والهدوء يلف شقته، بينما تحتسي يده كوباً من القهوة التي فقدت حرارتها منذ ساعة. في تلك الليلة، كان مكلفاً بإنهاء مراجعة الخرائط التفصيلية لحي "السبيل"، وهو أحد أقدم الأحياء الشعبية في أطراف المدينة. حي تتداخل فيه الأزقة الحجرية الضيقة، وتلتف فيه المباني القديمة المبنية من الحجر ...

المصعد الذي يتوقف في طابق غير مبرمج: كابوس الطابق الثالث عشر

أبواب مصعد معدنية تفتح في ممر مظلم ومرعب في مبنى شاهق

الفصل الأول: برج الإسفلت والنور البارد

في المدن الكبرى، تتمدد المباني الضخمة نحو السماء كأبراج من حديد وزجاج، متجاهلة الأرض ومن فيها. وسط هذا الصخب الدائم، انتقل "يوسف" للعيش في برج سكني حديث وفاخر يُعرف باسم "برج الأفق". كان البرج شاهقاً بشكل مرعب، يضم أكثر من خمسين طابقاً، وقد اختار يوسف شقة صغيرة في الطابق الثامن عشر، توفر له إضاءة خافتة وهدوءاً نسبياً بعد ساعات عمله الطويلة كمراجع حسابات في شركة كبرى.

كان المبنى يعتمد بالكامل على نظام تقني متطور، الأبواب تفتح بالبطاقات الممغنطة، والإضاءة في الممرات تعمل بمجسات الحركة، ولا مفر لصعود تلك المرتفعات سوى عبر أربعة مصاعد سريعة ولامعة تعمل على مدار الساعة بصمت ميكانيكي.

منذ ليلته الأولى، لاحظ يوسف شيئاً غريباً في لوحة أزرار المصعد الخاص ببرج طابقه. حين كان يتفحص الأرقام المتسلسلة من الأول وحتى الخمسين، لفت انتباهه فراغ مريب في الأزرار، فالرقم "12" يليه مباشرة الرقم "14". لم يكن هناك زر يحمل الرقم "13". وحين سأل موظف الاستقبال في الليلة الأولى عن سبب غياب هذا الرقم، ابتسم الموظف ببرود وقال بلا مبالاة:

"هذا أمر معتاد في الهندسة المعمارية الحديثة لتفادي التشاؤم، الطابق الثالث عشر غير موجود أصلاً في الهيكل الخرساني للمبنى، وتم إلغاؤه هندسياً."

هز يوسف رأسه موافقاً، واعتبرها مجرد خرافة معتادة بين المهندسين وأصحاب العقارات. لكنه لم يكن يعلم أن الأرقام التي تختفي من اللوحات، لا تختفي أبداً من الواقع.

الفصل الثاني: أول توقف في الظلام

مر الأسبوع الأول بسلام، كان يوسف يعود إلى شقته متأخراً كل ليلة، يدخل المصعد الفضي اللامع، يضغط على زر الثامن عشر، ويراقب الأرقام الرقمية المضيئة وهي تتساعد بسلاسة: 1، 2، 3، حتى يبلغ غايته وينفتح الباب معلناً وصوله.

لكن في ليلة خميس ممطرة، وحين كانت الساعة تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، كان يوسف عائداً من عمله شاحب الوجه ومثقلاً بالإرهاق. دخل ردهة المبنى الخالية تماماً، وضغط على زر استدعاء المصعد. فتح الباب بسرعة، فدخل ووقف في الزاوية، وضغط على زر "18".

بدأ المصعد يصعد بسرعة هادئة. أغلق يوسف عينيه مسترخياً على وقع الصوت الخافت للمحركات.

وفجأة.. شعر بهزة خفيفة ومفاجئة، وكأن المصعد اصطدم بشيء صلب، ثم توقف تماماً عن الحركة.

فتح عينيه بملامح متفاجئة. نظر إلى شاشة الأرقام الرقمية فوق الباب، ليرى شيئاً جمّد الدم في عروقه:

لم تكن الشاشة تعرض أي رقم.. ولم يكن هناك أي ضوء مضيء.

وقبل أن يرتد طرفه، صدر صوت طقطقة معدنية حادة من أعلى الكابينة، واهتز المصعد هزة ثانية عنيفة. ثم انطفأت مصابيح السقف البيضاء الصغيرة تماماً، ليغرق المصعد في ظلام دامس وسميك لا ينفذ منه ضوء.

الفصل الثالث: انبعاث النور الباهت وباب الطابق الخفي

حاول يوسف الحفاظ على هدوئه. أخرج هاتفه المحمول من جيبه بسرعة، وأضاء كشافه اليدوي ليوجهه نحو لوحة الأزرار.

وهنا كانت الصدمة، الزر الذي كان يضيء عادة عند رقم 18 انطفأ، وبدلاً منه، ظهرت ومضات ضوئية خافتة وحمراء اللون تتوسط اللوحة، تحديداً في الفراغ الموجود بين الرقمين 12 و14. وميض متقطع يشير إلى رقم واحد: "13".

قبل أن يستوعب يوسف ما يجري، وقبل أن يصرخ أو يضغط على زر الطوارئ، صدر صوت صرير هادئ من الباب المعدني للمصعد.

"تط, تط, تط.. تشششس!"

بدأ باب المصعد ينفتح ببطء شديد، وكأن آلية الفتح تثقلها عقود من الصدأ والمهملات. انبعث من الخارج ضوء أصفر باهت ومصفر، يشبه ضوء المصابيح القديمة المحترقة في الممرات المهجورة.

أضاء يوسف بكشاف هاتفه نحو الخارج ليرى إلى أي طابق وصل. لكنه لم يجد شيئاً مألوفاً، لم يكن هناك ممر فخم ونظيف كبقية طوابق المبنى الحديثة. كان هناك ممر طويل ومظلم، أرضيته مغطاة بطبقة سميكة من الغبار الرمادي الكثيف وأوراق الشجر المتساقطة، وجدرانه الاسمنتية مجردة من أي طلاء، وتفوح منه رائحة قوية وغريبة تشبه رائحة الرطوبة.

تراجع يوسف إلى أبعد زاوية في المصعد، وهو يلهث بعنف، ويردد بصوت مرجف: "مستحيل.. هذا ليس الطابق الثامن عشر.. أين أنا؟"

الفصل الرابع: الوجه الذي ينتظر في الغبار

ظل يوسف جالسًا في زاويته، يوجه ضوء هاتفه نحو الفتحة المظلمة. لم يكن يجرؤ على التحرك أو الخروج، وكان يرجو بقلب يرتجف أن يعود الباب للإغلاق ويصعد المصعد بعيداً عن هذا الطابق.

لكن، في منتصف الممر المظلم، وبين طيات الغبار الكثيف، لاحظ حركة خفيفة.

سلط كشاف هاتفه مباشرة نحو النقطة المتحركة. وهنا كادت أنفاسه تتوقف، على بعد أمتار قليلة من باب المصعد المفتوح، كان هناك شخص واقف في الظلام، يرتدي نفس ملابسه تماماً، وبنفس قميصه وحقيبته الملقاة على كتفه.

كان الشخص واقفا بلا حركة، ورأسه منخفض قليلاً إلى الأسفل. لكن، ببطء شديد، رفع ذلك الشخص رأسه، وسلط وجهه مباشرة نحو ضوء الهاتف.

اتسعت عينا يوسف بذهول وهلع جنوني، لم يكن ذلك الشخص سوى نسخة مطابقة تماماً لنفسه، لكن بملامح شاحبة جداً، وعينين خاويتين لا حياة فيهما، وابتسامة باردة ومرعبة تشق وجهه من الزاوية إلى الزاوية.

فتح الكيان شفتيه، وخرج صوته من ممر الطابق، صوتاً يشبه صدى متردداً في بئر عميق:

"لقد تأخرت يا يوسف.. كنت أنتظرك طويلاً في هذا الطابق كي أستبدل مكاني معك."

الفصل الخامس: محاولة الهروب الفاشلة

فقد يوسف عقله تماماً من شدة الرعب. انقض بيده المرتجفة على أزرار المصعد، وبدأ يضغط بعنف واستماتة على أي زر تقع عليه عيناه: زر الباب المفتوح، زر الطابق الأول، زر الإنذار. لكن شيئاً لم يعمل. كانت اللوحة ميتة تماماً، وكأن المصعد أصبح صندوقاً حديدياً معزولاً عن العالم.

وفي تلك اللحظة بالذات، بدأ الكيان الشبيه به يتحرك من مكانه، وبدأ يمشي ببطء نحو باب المصعد المفتوح، واضعاً خطواته على الأرضية الخشبية المتهالكة للمصعد.

*خطوة.. خطوتان.. ثلاث..*

كلما اقترب الكيان، كلما شعر يوسف ببرد قارس يجمّد أطرافه، وكلما انخفضت درجة حرارة المصعد بشكل مأساوي حتى ظهر بخار أنفاسه في الهواء.

صرخ يوسف بأعلى صوته، ورمى حقيبته الثقيلة بكامل قوتها نحو الكيان المتقدم. لكن الحقيبة اخترقت جسم الكيان تماماً كأنه شبح مصنوع من دخان رمادي بارد، وسقطت على أرضية الممر المظلم.

أصبح الكيان الآن على بعد سنتيمترات معدودة منه، ومدّ يده الطويلة والباردة ليلمس كتف يوسف العارية، وهمس بأذنيه بصوت يقطر خبثاً:

"حان دورك لتجلس في العتمة.. ودوري لأعيش حياتك."

الفصل السادسه : الصمت الذي يبتلع الأبراج

في صباح اليوم التالي، فتحت موظفة الاستقبال في برج الأفق أبواب الصالة الكبيرة، وبدأت عملها اليومي المعتاد. توقفت المصاعد عن الحركة قليلاً ثم عادت لتبدأ رحلاتها المعتادة بنقل الموظفين والسكان صعوداً وهبوطاً.

في الطابق الثامن عشر، خرج شاب يرتدي قميصاً أنيقاً وحقيبة سوداء على كتفه، بملامح هادئة وبابتسامة خفيفة، ونزل عبر المصعد متجهاً إلى مقر عمله الجديد، غير مبالٍ بأي شيء حوله.

لكن، في الطابق الثالث عشر الخفي، في ذلك الفراغ المظلم والمترب الذي لا يظهر في أي خريطة هندسية، كان هناك شاب آخر يجلس في زاوية مظلمة، يضم ركبتيه إلى صدره، وعيناه مسمرتان في الفراغ بلا نهاية، بانتظار ليلة جديدة وصوت مصعد يتوقف صدفة في مكانه.


تعليقات

المشاركات الشائعة