التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

سر زقاق المصابيح الصفراء: قصة من عمق المدينة القديمة

  الفصل الأول: النقطة العميقة في الخريطة كان سامر يعتقد أن العالم قد تم مسحه بالكامل. بالنسبة لمهندس برمجيات ونظم معلومات جغرافية (GIS) يعمل منذ ست سنوات في شركة "أطلس مابز" الملاحية، لم تكن الأرض سوى مجموعة من الإحداثيات، وخطوط الطول والعرض، والبكسلات الملونة التي تتصل عبر خوادم عملاقة في سياتل وفرانكفورت. كان عمله اليومي يتلخص في تدقيق البيانات الميدانية التي تجمعها سيارات المسح الجغرافي: تلك السيارات البيضاء الصغيرة المزودة بأعمدة معدنية مرتفعة، تحمل في قمتها كاميرات ثمانية العدسات تدور بزاوية 360 درجة، لتمسح الشوارع، والمباني، ورصيف المشاة، وحتى وجه القطة التي تعبر الطريق. كان سامر يرى العالم من خلال شاشة المراقبة الثلاثية الممتدة أمامه. يجلس في مكتبه المنزلي في الساعة الواحدة صباحاً، والهدوء يلف شقته، بينما تحتسي يده كوباً من القهوة التي فقدت حرارتها منذ ساعة. في تلك الليلة، كان مكلفاً بإنهاء مراجعة الخرائط التفصيلية لحي "السبيل"، وهو أحد أقدم الأحياء الشعبية في أطراف المدينة. حي تتداخل فيه الأزقة الحجرية الضيقة، وتلتف فيه المباني القديمة المبنية من الحجر ...

ضحكة ليلى الصامتة: كابوس الدمية المسكونة

دمية قديمة ومرعبة بعيون زجاجية في غرفة مظلمة

الفصل الأول: المتجر القديم والهدية البريئة

في أحد الأحياء الهادئة والقديمة، حيث تتداخل الأزقة الضيقة مع البيوت الحجرية القديمة تحمل ملامح زمن مضى، كانت تعيش عائلة صغيرة تتكون من "خالد" وزوجته "سارة" وابنتهما الوحيدة "ليلى"، البالغة من العمر سبع سنوات. كانت ليلى طفلة هادئة ومحبوبة، تملأ البيت بضحكاتها البريئة وحيويتها المستمرة.

اقترب عيد ميلاد ليلى السابع، وأراد الأب والأم أن يقدما لها هدية مميزة تبقى محفورة في ذاكرتها طوال العمر. وفي ظهيرة يوم شتوي بارد، وأثناء جولة لخالد في سوق التحف والأنتيكات القديمة والمهملة في وسط المدينة، لفت انتباهه متجر صغير مظلم، تملؤه الغبار والقطع الأثرية الغريبة من ساعات رملية، وصناديق خشبية منقوشة، ولوحات زيتية باهتة.

على طاولة خشبية في ركن مظلم من المتجر، كانت تجلس دمية قديمة فريدة من نوعها. كانت الدمية بحجم طفلة صغيرة، مصنوعة ببراعة فائقة تجمع بين القماش المخملي الداكن وجسد مرن، وشعر أسود فاحم متموج بعناية، وعيون زجاجية صافية تلمع ببريق غريب ومبهر كأنها تنظر إلى من يمر أمامها مباشرة. كانت ترتدي فستاناً قديماً من القماش المخملي الأحمر الداكن، وعليه تطريزات فضية دقيقة.

اقترب خالد من صاحب المتجر، وهو رجل عجوز ذو لحية بيضاء كثيفة وعينين غائرتين، وسأله عن الدمية. رفع العجوز رأسه ببطء، ونظر إلى الدمية ثم إلى خالد بنظرة غريبة امتزجت فيها الحيرة والتحذير، وقال بصوت خشن وبطيء:

"هذه الدمية.. ليست مجرد لعبة أطفال يا بني. لقد صنعها صانع ماهر في القرن الماضي لطفلته الوحيدة التي اختفت في ظروف غامضة. الدمية تحمل روحاً قديمة.. هل أنت متأكد أنك تريد اخذها لطفلتك؟"

ابتسم خالد بسخرية خفيفة، وظن أن العجوز يحاول فقط رفع سعر القطعة بقصص خرافية. دفع الثمن المطلوب، وأخذ الدمية في صندوقها الكرتوني، متوجهاً بها إلى المنزل ليفاجئ بها ابنته ليلى.

الفصل الثاني: الهدية التي دخلت الغرفة

في ذلك المساء، وحين عادت العائلة إلى البيت، جلس خالد وزوجته سارة في غرفة المعيشة، ووضعا صندوق الهدية أمام ليلى.

فتحت ليلى الصندوق بفرحة عارمة، وما إن رأت الدمية حتى أشرق وجهها بابتسامة واسعة. أخرجت الدمية بحذر شديد، وضمّتها إلى صدرها بسعادة، وقالت بصوتها الطفولي العذب:

"يا لها من دمية جميلة جداً! سأسميها 'سارة' تماماً مثل ماما."

أبدت الأم سارة إعجابها بشكل الدمية ودقة صنعها، رغم أنها شعرت ببرودة خفيفة غريبة تنبعث من القماش المخملي حين لمسته بيديها. لكنها أرجعت الأمر إلى جو الشتاء البارد، ولم تلتفت للموضوع كثيراً.

في تلك الليلة، وضعت ليلى الدمية "سارة" بجانبها على السرير في غرفتها الخاصة، ونامت وهي تمسك بيد الدمية الصغيرة. كانت الغرفة هادئة تماماً، والأنوار خافتة، ولم يكن هناك ما ينذر بأي خطر يلوح في الأفق.

لكن ما لم تكن تعلمه العائلة، هو أن دخول تلك الدمية إلى البيت كان إيذاناً ببدء كابوس طويل لن ينتهي أبداً.

الفصل الثالث: التغيرات الغامضة في الصباح

في صباح اليوم التالي، استيقظت سارة مبكراً لتحضير وجبة الإفطار كعادتها. مرت بالممر الطويل متجهة نحو غرفة ليلى لتوقظها للمدرسة. فتحت باب الغرفة بهدوء، ونظرت نحو السرير لتجد ليلى نائمة بعمق وبسلام، لكن.. لم تكن الدمية موجودة في مكانها بجانبها على السرير.

عقدت سارة حاجبيها بدهشة. دخلت الغرفة وألقت نظرة سريعة تحت السرير وخلف الستائر، فلم تجد الدمية. ظنت أن ليلى ربما أخذت الدمية معها إلى صالة اللعب في الليلة السابقة ونسيت مكانها.

لكن حين وصلت إلى صالة المعيشة الرئيسية، توقفت فجأة وبقيت متسمرة في مكانها من شدة الصدمة.

كانت الدمية "سارة" جالسة على المقعد الجلدي الكبير وسط الصالة، ووجهها مستدار تماماً نحو باب المطبخ، وعيناها الزجاجيتان تتابعان كل حركة.

شعرت سارة برعشة خفيفة تسري في جسدها. قالت بصوت منخفض لنفسها: "كيف وصلت إلى هنا؟ ليلى نائمة ولم تستيقظ بعد، وخالد كان نائماً في غرفتنا طوال الليل!"

حملت سارة الدمية بيد مرتجفة، وأعادتها إلى غرفة ليلى، ووضعتها فوق خزانة الملابس المرتفعة، وظنت أن الأمر مجرد مزحة طفولية نسيتها ابنتها، رغم تأكدها من أن ليلى لم تغادر السرير ليلاً.

الفصل الرابع: الهمسات في الظلام

مرت الأيام التالية، وأصبحت تلك الحوادث الغريبة تتكرر بانتظام مزعج ومرعب.

في كل صباح، كانت سارة أو خالد يجدان الدمية في مكان مختلف تماماً من المنزل، مرة في المطبخ فوق الطاولة، ومرة واقفة أمام مرآة الحمام الكبيرة، ومرة أخرى مجاورة لمدخل البيت الرئيسي وكأنها تنتظر شخصاً ليفتح لها الباب.

بدأت الأم تشعر بقلق شديد وخوف حقيقي. حاولت التحدث مع زوجها خالد، لكنه كان يرفض مخاوفها ويقول باستهزاء:

"يا سارة، نحن لسنا في فيلم رعب. ليلى ربما تستيقظ ليلاً وتلعب بالدمية ثم تضعها في أماكن غريبة دون أن تعي ذلك."

لكن الحقيقة كانت أظلم بكثير مما تصور خالد.

في إحدى ليالي الأسبوع الثاني، استيقظ خالد على صوت همسات خافتة وغريبة قادمة من غرفة ليلى. كانت الهمسات تشبه صوت طفلة تتحدث بسرعة وبكلمات غير واضحة، يليه صوت ضحكة خفيفة ومكتومة تشبه رنين الجرس الصغير، لكنها تملؤها البرودة والشر.

نهض خالد من السرير بهدوء، وسار حافي القدمين في الممر المظلم، متجهاً نحو غرفة ابنته. وضع أذنه على باب الغرفة الخشبي، واستمع بتركيز شديد.

سمع صوت ليلى تتحدث بنبرة غريبة وخشنة لا تشبه صوتها أبداً، وهي تقول:

"نعم يا سارة.. فهمت.. سأفعل ما طلبتِ مني تماماً حين ينام الجميع."

الفصل الخامس: المواجهة وصدمة المرآة

دفع خالد باب غرفة ليلى بقوة وسرعة، وأشعل نور الغرفة.

انقطع الصوت فوراً. وجد خالد ابنته ليلى نائمة في زاوية السرير بعمق شديد، وتنفسها منتظم وهادئ، وكأنها لم تكن تتحدث قبل ثوانٍ معدودة. وعلى كرسي المكتب القريب من النافذة، كانت الدمية "سارة" جالسة بهدوء تام، وعيناها الزجاجيتان تلمعان تحت ضوء المصباح.

اقترب خالد بخطوات بطيئة من الدمية، وأمسك بها بقوة، وشعر برغبة عارمة في التخلص منها نهائياً. أخذ الدمية وتوجه بها نحو سلة المهملات الكبيرة في الشارع الخلفي للمنزل، ورماها هناك، وعاد إلى فراشه وهو يتنفس الصعداء، مؤكداً لنفسه أن هذا الكابوس قد انتهى إلى الأبد.

لكن في صباح اليوم التالي، وحين استيقظت سارة ودخلت المطبخ لتحضير القهوة، صرخت صرخة مدوية أيقظت البيت كله.

فزع خالد وركض مسرعاً نحو المطبخ، ليجد زوجته واقفة أمام منضدة المطبخ، شاحبة الوجه، وتشير بيدها نحو منضدة الطعام.

على طاولة المطبخ، كانت الدمية "سارة" جالسة في المنتصف، ترتدي فستانها المخملي الداكن، وتضع يديها الصغيرتين فوق بعضهما، وكأنها لم تبرح مكانها أبداً، بل وتنبعث منها رائحة تراب رطب وغريب.

الفصل السادس: انعكاسات الظل في الجدران

لم يعد بإمكان خالد إنكار الحقيقة المرعبة، تلك الدمية لم تكن مجرد لعبة، بل كانت شيئاً حياً ومرعباً يرفض مغادرة المنزل.

بدأت حالة ليلى تتغير تدريجياً وبشكل مأساوي، أصبحت الطفلة حادة المزاج، تقضي ساعات طويلة جالسًة في غرفتها بمفردها، تنظر إلى الدمية بصمت، ورفضت الذهاب إلى المدرسة أو التحدث إلى والديها كالسابق. وفي بعض الليالي، كانت سارة ترى ظلالاً غريبة تتحرك على جدران الممر، ظلالاً تشبه شكل طفلة صغيرة تقف بجانب الدمية وتتحدث معها في العتمة.

وفي ليلة عاصفة، انقطع التيار الكهربائي عن الحي بأكمله، ليغرق منزل عائلة ليلى في ظلام دامس لا يضيئه سوى ومضات البرق القوية من خلف النوافذ.

كان خالد وسارة جالسين في غرفة المعيشة، يحملان شمعة مضاءة، بينما كانت ليلى نائمة في غرفتها.

وفجأة، صدر صوت خطوات أقدام صغيرة وثقيلة تضرب أرضية الممر الخشبية بانتظام مرعب.

"طك.. طك.. طك.."

توقف خالد عن الكلام، ونظر الاثنان بذعر نحو باب غرفة المعيشة المفتوح على الممر المظلم.

الفصل السابع والأخير: الهروب من البيت الملعون

ظهرت في عتبة الباب.. الدمية "سارة".

لم تكن محمولة، بل كانت تتحرك بمفردها، كانت ترفع قدميها الخشبيتين وتخطو ببطء وغريب نحو منتصف غرفة المعيشة، وعيناها الزجاجيتان تلمعان ببريق أحمر باهت وسط ظلام الغرفة، بينما كان فمها يبتسم ابتسامة عريضة ومظلمة.

خلف الدمية، ظهرت ليلى وهي تسير بطريقة بطيئة وغريبة، وعيناها مسمرتان في الأرض، وكأنها واقعة تحت تأثير تنويم مغناطيسي كامل، وتردد بصوت مخيف:

"سارة تريد أن نبقى معنا هنا للأبد.. لا تستطيعان منعنا."

فقدت سارة صوابها، وبكت بانهيار كامل، بينما هب خالد واقفاً، وانقض بسرعة على الدمية، وأمسك بها بكل قوته، وفتح باب المنزل الخارجي، وركض نحو الخارج وسط المطر الغزير، ورمى الدمية بكل قوتها في بئر قديم ومهجور يوجد في أطراف الحديقة الخلفية، وأغلق غطاء البئر الثقيل بإحكام شديد.

وما إن رمى الدمية في البئر، حتى سُمع صرخة حادة ومخيفة تنبعث من أعماق البئر تشبه صرخة طفلة معذبة، ثم عمّ المكان صمت ثقيل.

ركض خالد عائداً إلى داخل المنزل، ووجد أن ليلى قد سقطت على أرضية الممر مغشياً عليها. حملها بين ذراعيه وسارع بنقلها مع زوجته سارة إلى المستشفى للاطمئنان عليها.

بعد أيام قليلة، تعافت ليلى تدريجياً، وعادت إلى طبيعتها وبرائتها الأولى، وكأن غشاوة سوداء قد انجلت عن عينيها. لكن عائلة خالد قررت بيع المنزل فوراً، والرحيل إلى مدينة أخرى بعيدة، محتفظين بدرس قاسٍ واحد إلى الأبد: بعض الأشياء القديمة التي نشتريها من المتاجر تحمل أحياناً أسراراً لا ينبغي لأحد أن يوقظها. 

تعليقات

المشاركات الشائعة