التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

سر زقاق المصابيح الصفراء: قصة من عمق المدينة القديمة

  الفصل الأول: النقطة العميقة في الخريطة كان سامر يعتقد أن العالم قد تم مسحه بالكامل. بالنسبة لمهندس برمجيات ونظم معلومات جغرافية (GIS) يعمل منذ ست سنوات في شركة "أطلس مابز" الملاحية، لم تكن الأرض سوى مجموعة من الإحداثيات، وخطوط الطول والعرض، والبكسلات الملونة التي تتصل عبر خوادم عملاقة في سياتل وفرانكفورت. كان عمله اليومي يتلخص في تدقيق البيانات الميدانية التي تجمعها سيارات المسح الجغرافي: تلك السيارات البيضاء الصغيرة المزودة بأعمدة معدنية مرتفعة، تحمل في قمتها كاميرات ثمانية العدسات تدور بزاوية 360 درجة، لتمسح الشوارع، والمباني، ورصيف المشاة، وحتى وجه القطة التي تعبر الطريق. كان سامر يرى العالم من خلال شاشة المراقبة الثلاثية الممتدة أمامه. يجلس في مكتبه المنزلي في الساعة الواحدة صباحاً، والهدوء يلف شقته، بينما تحتسي يده كوباً من القهوة التي فقدت حرارتها منذ ساعة. في تلك الليلة، كان مكلفاً بإنهاء مراجعة الخرائط التفصيلية لحي "السبيل"، وهو أحد أقدم الأحياء الشعبية في أطراف المدينة. حي تتداخل فيه الأزقة الحجرية الضيقة، وتلتف فيه المباني القديمة المبنية من الحجر ...

ترانيم الكرسي الهزاز: قصة تشويق نفسية عن قطعة أثاث تحمل أسرار الماضي

ترانيم الكرسي الهزاز: قصة تشويق نفسية عن قطعة أثاث تحمل أسرار الماضي

​"ماذا لو اشتريت قطعة أثاث قديمة لتزيين منزلك، لتكتشف تدريجياً أنها تحمل طاقة مالكتها الراحلة وتغير حالك النفسي بالكامل؟ قصة رحلة من الخوف إلى النور."

الفصل الأول: العثور على أثاث العزاء القديم وزقاق التحف

كان المطر ينهمر بغزارة خارج نافذة شقتي الصغيرة في الحي القديم، ذلك المطر الذي يبدو وكأنه يغسل أسرار المدينة الدفينة ويترك وراءه رائحة الطين والذكريات الرطبة. كنتُ قد انتقلت حديثاً إلى تلك الشقة الواقعة في الطابق الأخير من عمارة مهترئة، طامحة في بداية جديدة ونسيان صفحة قاسية من حياتي المهنية والشخصية التي انكسرت فجأة دون مقدمات. لكن الوحدة في هذه الجدران الخرسانية كانت تطبق على أنفاسي كل ليلة، تتركني وحيدة مع أفكاري المعلقة في منتصف الطريق بين اليأس والأمل.

في أحد الأيام، وبينما كنت أتسكع في أزقة المدينة الضيقة والمتاهية بحثاً عن هواء نقي، أخذتني خطاي دون قيادة إلى شارع جانبي شبه مهجور، تملؤه محلات التحف والأنتيكات القديمة التي تبدو وكأن الزمن توقف فيها قبل نصف قرن. لفت انتباهي محل صغير، تتناثر في واجهته قطع الأثاث المتهالكة، والساعات التي توقفت عقاربها، واللوحات الزيتية الباهتة التي تحكي قصصاً لأشخاص رحلوا ولم يتركوا خلفهم سوى ظلالهم.

دفعت الباب الخشبي الثقيل، فأصدر جرس نحاسي صغير صريراً حاداً ومزعجاً كسر صمت المكان. انبعثت في وجهي فوراً رائحة كثيفة وثقيلة، مزيج من غبار الأخشاب القديمة، وورق الكتب المعفر، ورائحة عطر رخيص ومنتهي الصلاحية يشبه رائحة بيوت القديمة.

بين كومة من الأثاث المتروك في زاوية معتمة من المحل، لفت انتباهي كرسي هزاز قديم، مصنوع من خشب الماهوجني الداكن والصلب للغاية. كان تصميمه كلاسيكياً يرجع لمنتصف القرن الماضي، ووسادته المخملية الملطخة بلون باهت تحمل نقوشاً عتيقة مأكولة الأطراف. بدا الكرسي وكأن له هيبة صامتة وغريبة، وكأنه ينتظر شيئاً أو أحداً ليحرره من ركوده.

اقترب مني صاحب المحل من بين الظلال، رجل مسن تنم ملامحه عن حزن دفين وعينين غائرتين يكسوهما الإرهاق. نظر إليّ بنظرة فاحصة ومريبة، ثم استند بيده المتجعدة إلى طاولة خشبية قريبة وقال بصوت خافت ومتحشرج:

"أرى أنكِ انجذبتِ نحوه.. هذا الكرسي ليس عادياً يا بنيتي، ولا أنصحك بالاقتراب منه كثيراً."

توقف أخذي للأنفاس لحظة، وسألته بفضول مشوب بالحذر: "ماذا تقصد؟ هل هو تالف؟"

هز رأسه ببطء، وقال: "بل هو سليم كلياً، لكنه يحمل تاريخاً ثقيلاً. لقد كان لامرأة تُدعى (نعمة)، وهي سيدة توفيت منذ عقود طويلة وهي تجلس عليه تماماً. قصتها حزينة ومعقدة، فقدت طفلها الرضيع في ليلة عاصفة مشابهة لهذه الليلة، ومن بعدها أصيبت بلوثة عقلية حادة وانهيار عصبي جعلها تقضي أيامها كلها جالسة تهز هذا الكرسي طوال الليل والنهار، تبكي وتنشد تهويدات لطفلها الميت، لا تخلد لنوم ولا تأكل طعاماً، حتى ماتت وهي تحرك الكرسي بيديها الباردتين، وظلت جثتها معلقة عليه لأيام حتى وجدوها."

رغم أن القصة حملت مسحة مرعبة وكئيبة، إلا أن شعوراً غريباً بالفضول والانجذاب نحو الكرسي تملكني، وكأن هناك خيطاً خفياً يربطني بمأساته. ابتسمت للرجل محاولة تبديد رهبة كلماته، وقلت إنني أحب الأثاث القديم وأبحث عن قطعة تملأ ركناً فارغاً في شقتي. اشتريت الكرسي بثمن بخس، وتولى عامل التوصيل نقله إلى شقتي في تلك الليلة نفسها، حيث وضعته في الزاوية المقابلة لنافذة غرفة المعيشة، ليصبح جزءاً من تفاصيل حياتي الجديدة.


الفصل الثاني: الاهتزازات الأولى وظلال منتصف الليل

في الأيام الثلاثة الأولى، بدا الكرسي مجرد قطعة أثاث هادئة ووقورة، أضفت على الغرفة شعوراً بالدفء الكلاسيكي، وكنت أجلس عليه أحياناً لأحتسي كوباً من الشاي الساخن وأقرأ كتاباً خفيفاً قبل النوم. كنت أبتسم كلما تذكرت كلمات العجوز صاحب المحل، معتبرة إياها مجرد حكايات تسويقية لرفع سعر الأثاث القديم.

لكن في الليلة الرابعة، بدأت الملامح الحقيقية للكرسي تظهر وتكسر طمأنينتي الهشة.

كان الوقت يقارب منتصف الليل تماماً، وكنت مستغرقتاً في نوم عميق حين أيقظني فجأة صوت خافت ومميز للغاية: صوت احتكاك قواعد الخشب القديم بالأرضية الخشبية الناعمة للغرفة.. "صريير.. صريييير.. صرييير."

فتحت عيوني ببطء شديد، وألقيت نظرة فاحصة في ظلام الغرفة نحو الزاوية حيث يستقر الكرسي. وبسبب ضوء الشارع الخافت الذي يتسلل عبر الستائر، رأيت شيئاً جعل دمي يتجمد في عروقي: الكرسي الهزاز كان يتحرك ببطء شديد ومن تلقاء نفسه، وكأن شخصاً يجلس عليه ويهزه بخفة واطمئنان وكأنه يداعب طفلاً غائباً.

فزعت من فراشي، ونبضات قلبي تتسارع بشدة وتضرب صدري بقوة. أشعلت ضوء المصباح القريب بسرعة، واقتربت من الكرسي بحذر شديد وأنفاس خائفة. توقف الكرسي عن الحركة فور اقترابي منه، وبدت وسادته المخملية فارغة تماماً وباردة كالثلج. قلت لنفسي مبررة خوفي وارتجافي: "ربما تكون تيارات الهواء القادمة من النافذة غير المحكمة هي ما يحركه بطريقة فيزيائية بحتة." ولم أكتفِ بذلك، بل أغلقت النافذة بإحكام شديد وتأكدت من إحكام إغلاقها.

لكن في الليلتين التاليتين، تكرر الأمر، ولم يعد مجرد حركة بسيطة، بل أصبح الصوت يرافقه أنين خافت وأشبه بصوت همسات بشرية غير مفهومة، كأن امرأة ترتل كلمات حزينة بلغة قديمة، أو تنشد تهويدة موحشة لأطفال. كانت الأصوات تأتي من جوف الخشب نفسه، وكأن الكرسي يحتفظ بذاكرة صوتية حية لكل لحظات الألم التي عاشتها مالكته الراحلة "نعمة".

لم أعد قادرة على النوم بهدوء، وأصبحت أراقب الكرسي طوال الليل بعينين زائغتين، منتظرة متى يتحرك مرة أخرى، وكأنني وقعت في أسر هيبته المظلمة.


الفصل الثالث: العدوى النفسية وتسلل الجنون إلى الوعي

مع مرور الأيام، بدأت ألاحظ تغيراً غريباً ومقلقاً للغاية في سلوكي وطاقتي النفسية والجسدية. لم أعد أستطيع النوم بشكل طبيعي أبداً، وكان عقلي مشحوناً بصور وأفكار مظلمة ومتسلطة لا تخصني أبداً وكأنها زرعت في دماغي قسراً.

وجدت نفسي وبشكل لا إرادي أجلس على الكرسي الهزاز لساعات طويلة دون أن أدرك مرور الوقت، وأردد بصوت منخفض ومبحوح كلمات تهويدة غريبة ومقلقة تعلمتها دون أن أعرف مصدرها: "أين ذهبت.. صوتك ينادي في الظلام.. الليل طويل والمهد فارغ..."

بدأت أرى أطيافاً خافتة ورمادية لطفل صغير يركض بخفة في أطراف الغرفة، وحين ألتفت بسرعة لأتفقد الأمر لا أجد شيئاً سوى الفراغ وجدران الشقة الباردة. شعرت بوضوح أن طاقة العجوز الراحلة "نعمة" وجنونها المتأصل في خشب الماهوجني بدأ يتسرب ببطء إلى عروقي وعقلي، وكأن الكرسي يحاول جاهداً أن يعيد تمثيل مأساته القديمة عبر شخصيتي أنا، محولاً إياي إلى نسخة جديدة منها.

في إحدى الليالي المظلمة والموحشة، اشتد الصداع النصفي في رأسي بشكل لا يطاق، وفقدت السيطرة على أطرافي تماماً، وجدت نفسي مجبرة على الجلوس فوق الكرسي، وبدأت أهزه بعنف متزايد وجنون مطبق، بينما كانت الأجواء المحيطة بي تمتلئ بأصوات بكاء حاد ومتقطع يملأ الشقة بأكملها من كل اتجاه. أدركت حينها برعب بالغ أنني وقعت في فخ روحي ونفسي لا مخرج منه، وأن مصيري سيكون تماماً كمصير العجوز نعمة إذا استسلمت كلياً لهذا التأثير المدمر.


الفصل الرابع: نقطة التحول والمواجهة الكبرى

توقف الكرسي عن الهزاز فجأة وبشكل قاطع، وبلغ الرعب ذروته حين شعرت ببرودة شديدة وثقيلة تحيط بكتفي، وصوت نسائي أجش ومبحوح يهمس مباشرة وبوضوح في أذني:

"اجلسي هنا للأبد.. استسلمي للألم والوحدة.. طفلي ينتظرنا معاً في الظلام الدامس."

في تلك اللحظة بالذات، وسط شعوري بالدوار الشديد واقترابي من فقدان الوعي النهائي والذوبان في تلك الطاقة المرعبة، تملكتني شجاعة غريبة، مفاجئة، وقوية للغاية. تذكرت سبب مجيئي إلى هذه الشقة والمدينة، لقد جئت لأبدأ حياة جديدة، وأصنع مستقبلاً أفضل لنفسي، ولن أسمح لروح معذبة وميتة منذ عقود أن تسرق مني وجودي وإرادتي.

فتحت عيني بقوة وعزم، وجمعت كل ما تبقى في جسدي من طاقة وإرادة مدفونة. قاومت الشلل العصبي الذي كان يسيطر على أطرافي، ووقفت بجهد شاق ومضنٍ من على الكرسي، وابتعدت عنه وأنا ألهث بعنف وكأنني خرجت للتو من قاع بحر عميق.

نظرت إلى الكرسي بعينين ممتلئتين بالغضب العارم والإصرار على الحياة، وأدركت بحكمة متأخرة أن مصدر القوة الحقيقي في هذا الكرسي لم يكن سوى "الاستسلام النفسي" الكامل للذكريات والمشاعر السلبية التي يغذيها الخوف.


الفصل الخامس: كسر سحر الكرسي وطرد الظلام

لم أهرب من الشقة كما فعل الآخرون، بل قررت مواجهة الكابوس بطريقتي الخاصة. أخذت زجاجة ماء نظيف وكمية من الملح الخشن، وعدت خطواتي نحو الكرسي الهزاز الذي كان يرتجف ببطء شديد وكأنه متفاجئ من ردة فعلي.

جلست على الأرض أمامه مباشرة، ونظرت إليه بتحدٍّ وصمود. بصوت ثابت، قوي، وواضح، رغم رجفة يدي الطفيفة، بدأت أقرأ آيات من الذكر الحكيم وأدعية الطمأنينة، وأتحدث بصوت عالٍ وموجه نحو الفراغ المحيط بالكرسي:

"أنتِ لستِ هنا، وهذا منزلي وحياتي الآن. ما حدث لكِ كان مأساة حزينة ومؤلمة، لكني لستِ مسؤولة عنها، ولن أسمح لآلامك القديمة أن تدمر مستقبلي. ارحلي بسلام، واتركي هذا المكان إلى غير رجعة."

مع كل كلمة قُلتها بثبات، بدا أن الهواء البارد في الغرفة يبدأ في التراجع تدريجياً، وكأن حرارة الحياة تعود إلى المكان. أفرغت الملح الخشن بحركات دائرية حول أرجاء الكرسي، ومسحت خشبه العتيق بقطعة قماش مطهرة ومعطرة بعطور زكية ومهدئة.

فجأة، صدر عن الكرسي صوت صرير أخير وممدود، ولكنه لم يكن صريراً مرعباً أو حاداً هذه المرة، بل بدا وكأنه تنهيدة طويلة، مريحة، وعميقة، تلاها هدوء تام وسكون مطلق ملأ أرجاء الشقة لأول مرة منذ أسابيع.


الفصل السادس: بياض الفجر والنهاية السعيدة المزهرة

بدأت خيوط ضوء الشمس الذهبية الأولى تتسلل ببطء وهدوء عبر النافذة، معلنة بزوغ فجر جديد، نقي، ومشرق. تلاشت كل الأجواء المظلمة والمقلقة التي كانت تحيط بالغرفة طوال الأيام الماضية تماماً.

شعرت بخفة غريبة ومطلقة في جسدي وعقلي، وكأن حملاً ثقيلاً وهائلاً انزاح عن كاهلي للأبد. الكرسي الهزاز أصبح مجرد قطعة أثاث خشبية عادية، جميلة، وعريقة، لا تحمل سوى عبق التاريخ الكلاسيكي الهادئ والبعيد عن أي أذى.

في تلك اللحظة بالضبط، رن هاتفي المحمول بنغمة مبهجة على الطاولة المجاورة، كانت رسالة نصية رسمية من إحدى الشركات الكبرى تخبرني بقبول طلبي للوظيفة المرموقة التي كنت لأيام أحلم بالعمل فيها، تلاها اتصال دافئ ومفرح من صديقتي المقربة تطمئن عليّ وتعدني بزيارتي قريباً لنحتفل معاً.

ابتسمت بسعادة حقيقية تملأ قلبي، ووقفت أمام المرآة الكبيرة لأرى وجهي الذي استعاد إشراقته وحيويته المفقودة. نظرت خلفي نحو الكرسي الهزاز بابتسامة امتنان وتصالح، وأدركت أنني لم أنجُ فحسب من كابوس مظلم، بل انتصرت نهائياً على مخاوفي وضعفي الداخلي.

تركت الكرسي في مكانه المعتاد، وفي اليوم التالي قمت بتزيينه بوسائد مبهجة، ناصعة البياض، وملونة بألوان ربيعية دافئة، ليتحول تماماً من رمز للكآبة والموت إلى مقعد دافئ ومريح، أجلس عليه كل مساء لأقرأ كتابي المفضل وأنا أتطلع إلى مستقبل مشرق، سعيد، ومفعم بالحياة التي أستحقها بجدارة.


تعليقات

المشاركات الشائعة