التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

سر زقاق المصابيح الصفراء: قصة من عمق المدينة القديمة

  الفصل الأول: النقطة العميقة في الخريطة كان سامر يعتقد أن العالم قد تم مسحه بالكامل. بالنسبة لمهندس برمجيات ونظم معلومات جغرافية (GIS) يعمل منذ ست سنوات في شركة "أطلس مابز" الملاحية، لم تكن الأرض سوى مجموعة من الإحداثيات، وخطوط الطول والعرض، والبكسلات الملونة التي تتصل عبر خوادم عملاقة في سياتل وفرانكفورت. كان عمله اليومي يتلخص في تدقيق البيانات الميدانية التي تجمعها سيارات المسح الجغرافي: تلك السيارات البيضاء الصغيرة المزودة بأعمدة معدنية مرتفعة، تحمل في قمتها كاميرات ثمانية العدسات تدور بزاوية 360 درجة، لتمسح الشوارع، والمباني، ورصيف المشاة، وحتى وجه القطة التي تعبر الطريق. كان سامر يرى العالم من خلال شاشة المراقبة الثلاثية الممتدة أمامه. يجلس في مكتبه المنزلي في الساعة الواحدة صباحاً، والهدوء يلف شقته، بينما تحتسي يده كوباً من القهوة التي فقدت حرارتها منذ ساعة. في تلك الليلة، كان مكلفاً بإنهاء مراجعة الخرائط التفصيلية لحي "السبيل"، وهو أحد أقدم الأحياء الشعبية في أطراف المدينة. حي تتداخل فيه الأزقة الحجرية الضيقة، وتلتف فيه المباني القديمة المبنية من الحجر ...

صورة قبل الوقوع: سر الكاميرا الملعونة وأفلام الفضة

 

غلاف قصة الرعب صورة قبل الوقوع والغرفة الحمراء

الفصل الأول: الغرفة الحمراء ورائحة المادة الكيميائية


كان هشام يعشق الظلام الدافي داخل معمل التحميض.

كانت الغرفة صغيرة، تقع في القبو السفلي للمنزل القديم الذي ورثه عن والده. الجدران مطلاة بلون أسود مائل للرمادي، والضوء الوحيد المسموح به هو ضوء مصباح أحمر خافت يتدلى من السقف بسلك متهالك. كان يرى في هذا المصباح عيناً حمراء صغيرة تحرس المكان من تسرب الضوء الأبيض الذي يفسد الأفلام.

عمل هشام لسنوات مصوراً لصالح إدارة التحقيقات والطب الشرعي. كان عمله يقتضي أن ينظر إلى الموت عبر عدسة زجاجية صغيرة: صور حوادث السيارات، البيوت المحترقة، والجثث الملقاة في الزوايا المظلمة. تعلم عبر السنوات أن يجسد الجثة كمجرد مساحة وحجم وضوء، لكي يحمي عقله من الجنون.

لكن الهواية القديمة لم تفارقه: جمع الكاميرات الأنابيبية القديمة والأفلام غير المحمضة.

في ظهر يوم الخميس، زار مقبرة الخردة والمزادات المتروكة في أطراف المدينة. هناك، وفي قاع صندوق خشبي، وجد كاميرا سوداء ثقيلة الوزن من طراز "ليكا" يعود تصنيعها لسبعينيات القرن الماضي. كانت العدسة زجاجية سميكة، وبدن الكاميرا مغطى بجلد أسود خشن متأكل عند الأطراف.

عندما فتح الخزانة الخلفية بحذر، وجد بداخلها بكرة فيلم أسود وأبيض ثقيلة، لم تُسحب بكاملها ولم تُعرض للضوء قط.

"فيلم غير محمض منذ عقود"، همس لنفسه بابتسامة خفيفة.

الآن، في الساعة الحادية عشرة ليلاً، كان يقف أمام أحواض التحميض.

خلط المظهر والمثبت بالماء البارد. كانت رائحة حمض الأسيتيك والمواد الكيميائية تملأ القبو، رائحة حادة تشبه رائحة الصدأ والخل. سحب الشريط البلاستيكي في الظلام التام، ولفّه على البكرة الفولاذية، ثم غمرها في حوض المظهر.

بدأ بحرك الدوار ببطء بيده اليمنى.

واحد... اثنان... ثلاثة...

كان يستمع إلى صوت حركة الماء في الحوض. صوت منتظم وهادئ.

بعد انقضاء وقت التظهير، سحب الشريط ووضعه في حوض التثبيت، ثم أشعل المصباح الأحمر.

استخدم مشبكين خشبيين لتعليق شريط الفيلم المبلل على سلك معدني ممتد بين الجدارين. كانت المشاهد تظهر بالتدريج على نسيج الفيلم الشفاف: مربعات صغيرة رمادية وبيضاء وسوداء، تحمل ظلالاً لأشخاص وأماكن.

أمسك بالعدسة المكبرة وقرّبها من المربع الأول.

كانت الصورة لمطعم قديم في الشارع الخلفي للمدينة. الضوء يمر عبر النافذة. على إحدى الطاولات، تظهر امرأة تصب الشاي في كوب زجاجي. كل شيء يبدو عادياً، لكن عندما دقق هشام في خلفية الصورة، عند النافذة المظلمة خلف المرأة، رأى ظلاً بشرياً طويلاً يقف قريباً جداً من الزجاج، ووجه ممسوح الملامح يطل نحو الداخل.

حرّك المكبرة إلى المربع الثاني.

نفس المطعم، ولكن بعد دقائق. الكوب المكسور على الأرض، الشاي مسكوب، والجمهور متجمع حول المرأة الملقاة على الأرض وهي تخنق نفسها بيدها!

شعر هشام ببرودة خفيفة.

نقل العدسة المكبرة إلى المربع الثالث.

الصورة لشارع عام في منتصف الليل. سيارة سوداء تسير ببطء تحت مصباح الشارع. على الرصيف، يقف رجل يحمل مظلة. وفي الظل الممتد خلف المصباح، كان هناك نفس الشبح الطويل ذو الوجه الممسوح، يقف وراء الرجل تماماً، ويده الممتدة تستقر على رقبة الرجل من الخلف.

المربع الرابع: نفس الشارع، السيارة متفحمة بعد اصطدامها بالعمود، والرجل المظلي ملقى تحت العجلات!

كانت الأفلام لا تسجل الجريمة... كانت تسجل ما قبل الجريمة ببدعة دقائق!

استمر هشام في سحب الشريط، والتعرق البارد يملأ كف يده، حتى وصل إلى المربع الأخير في بكرة الفيلم.

المربع رقم 12.

شهق هشام بصوت خافت، وسقطت العدسة المكبرة من يده لتصطدم بالأرضية الخرسانية وتحتد.

الصورة في المربع الأخير لم تكن من السبعينيات.

كانت الصورة لغرفة التحميض ذاتها! نفس المصباح الأحمر المكتوم، نفس الأحواض البلاستيكية، ونفس الظهر البشري الذي يجلس على الكرسي الخشبي وهو ينظر إلى الشريط المعلق...

كان هشام ينظر إلى صورة نفسه وهو يجلس في هذه الغرفة في هذه اللحظة بالذات!

وفي الزاوية المعتمة المظلمة من الصورة، خلف كرسيه الخشبي تماماً، كان هناك وجه أبيض، بلا عينين وبلا أنف، يطل من تحت الدرج الخشبي للقبو، وأصابعه الطويلة العارية تلامس طرف كرسيه!


الفصل الثاني: اليد على الكتف البارد


لم يتجرأ هشام على الإلتفات إلى الخلف.

كان الثقل يملأ الهواء في القبو. لم يعد هناك صوت لحركة المياه أو المطر الخارجي، فقط صوت تنفسه هو... وصوت تنفس آخر، دافئ وبطيء، ينبعث من المساحة الضيقة تحت الدرج الخشبي الذي يبعد عنه مترين فقط.

كان يرى الصورة في الفيلم المعلق أمامه. في الصورة، كان الظل يتقدم خطوة نحو كرسيه.

"هذا مجرد خدعة بصرية..." همس هشام بصوت لا يكاد يُسمع، وشفتان ترتجفان. "الفيلم قديم... الفيلم تم تركيبه."

لكن المسافة بينه وبين الدرج كانت تُصدر صفيراً خفيفاً، كصوت احتكاك قماش ثقيل بالخرسانة.

بدون أن يدير رأسه، مد يده ببطء نحو الطاولة. كان يبحث عن السكين العريض الذي يستخدمه لقص أطراف الورق. تحركت أصابعه بين علب المواد الكيميائية الباردة. استقر إبهامه على المقبض الخشبي للسكين.

في نفس اللحظة، رأى في المربع المضيء للفيلم أمامه حركة صغيرة.

الوجه الأبيض في الصورة لم يعد واقفاً في الزاوية... بل انحنى إلى الأمام، وأصبحت أصابعه الطويلة تتجاوز حافة الكرسي في الصورة لتلامس ظهره!

وفجأة، شعر هشام ببرودة حادة ومباشرة تخترق القماش الثقيل لقميصه عند الكتف الأيسر.

لم تكن برودة هواء، بل كانت لمسة. لمسة خمسة أطراف حجرية جافة، تضغط ببطء شديد على عظمة الترقوة.

صرخ هشام بكل ما أوتي من قوة، وهو يلف ببدنه ويضرب بالسكين في الهواء المظلم خلفه!

اصطدم السكين بشيء صلب، وتصاعدت شرارة خاطفة في الظلام الأحمر، يتبعها صوت احتكاك معدن بعظم ميت.

لم يكن هناك أحد!

كان الجزء السفلي من الدرج خاوياً، باستثناء الصناديق الخشبية القديمة والغبار المتراكم. لكن على قميصه عند الكتف الأيسر، كانت هناك خمس بقع بيضاء دائريّة من الغبار الجاف، تتخذ شكل أصابع يد بشرية كبيرة!

سحب هشام أنفاسه بصعوبة. أخذ الكاميرا الكلاسيكية والشريط المبلل، وركض صاعداً السلم الخشبي نحو الطابق العلوي، وهو يسمع خلفه صوت صفعة حادة على الأرض الخرسانية للقبو، وكأن شيئاً ثقيلاً سقط من السقف!


الفصل الثالث: ليلى والعدسة الميتة


في الساعة الثانية صباحاً، كان هشام يجلس في مكتب الصحفية ليلى.

كانت ليلى تعمل في القسم الجنائي لصحيفة محلية، وتملك أرشيفاً ضخماً للقضايا التي أُغلقت دون الكشف عن الفاعل. كان المكتب يفوح برائحة القهوة.

وضعت ليلى الصور المكبرة التي طبعها هشام على السريع تحت ضوء المكتب الأبيض الشديد.

"من أين اشتريت هذه الكاميرا يا هشام؟" سألته وهي تفحص الصور بعدسة مكبرة خاصة بها.

"من مزاد الخردة في حي الشونة... الكاميرا كانت داخل صندوق خشبي مغلق بشمع أسود."

رفعت ليلى رأسها، ونظرت إلى وجهه الشاحب والدموع الجافة على خديه. "هذه الكاميرا لم تكن تباع يا هشام... هذه الكاميرا كانت ملكاً لـ محمود جابر."

انقبض صدر هشام. "من هو محمود جابر؟"

أخرجت ليلى ملفاً كرتونياً أصفر من الخزانة الحديدية خلفها، وألقت به على الطاولة.

"مصور جنائي يعمل لصالح الشرطة في الثمانينيات"، قالت ليلى وهي تفتح الملف. "كان يتولى تصوير حوادث الموت الفجائي. وفي عام 1986، وُجد ميتاً داخل معمل التحميض الخاص به في منزله. كان جثمانه جافاً تماماً وكأنه أُفرغ من السوائل، وعيناه مفتوحتان تنظران إلى السقف."

أشارت ليلى بأصبعها إلى إحدى الصور القديمة داخل الملف:

"التقرير الطبي ذكر أن محمود توفي بسكتة قلبية ناتجة عن خوف شديد. والكاميرا التي كان يستخدمها اختفت من الموقع، مع شريط فيلم واحد لم يُعثر عليه قط."

شعر هشام بالبرودة المألوفة تسري في ساقيه.

"الفيلم الذي حمضته الليلة..." قال هشام بصوت مبحوح، "هو الشريط المفقود."

هزت ليلى رأسها ببطء. "والشخص ذو الوجه الممسوح في الصور... ليس شخصاً يا هشام. هذا الشيء يُسمى في المأثورات القديمة بـ 'مصور الظل'. كائن لا يظهر في الضوء، ولا يمكن رؤيته بالعين المجردة، لكن نسيج الفضة الموجود في أفلام التصوير القديمة يتفاعل مع وجوده الحراري قبل أن يتحرك الجسد."

اقترب هشام من الطاولة ويده ترتجف. "وماذا يريد؟"

نظرت ليلى إلى المربع الأخير في الفيلم - الصورة التي تظهر هشام في القبو - وقالت بنبرة خفيضة: "هو لا يقتل ضحاياه مباشرة... هو يظهر في الصور لكي يثبت وجوده في زمانك. وبمجرد أن تلتقط له صورة، يصبح له الحق في أن يدخل مجالك. الصورة الأخير ليست مجرد لقطة... إنها دعوة."

وفجأة، انطفأت أنوار المكتب الأبيض دفعة واحدة.


الفصل الرابع: الخطوات في الممر المظلم


حلّ الظلام في مكتب الصحيفة.

لم يعد هناك سوى الضوء الأزرق الباهت القادم من شاشة التلفاز المعلقة في نهاية الممر الخارجي.

"ليلى؟" قال هشام وهو يمد يده في العتمة.

"أنا هنا... لا تتحرك"، جاء صوت ليلى من الناحية الأخرى للطاولة، لكن صوتها كان مشدودة للغاية.

استمعا معاً إلى صوت حركة بالخارج.

في الممر الطويل للصحيفة، المليء بآلات الطباعة والمكاتب الفارغة، كان هناك صوت خطوات تسير ببطء شديد.

طرق... صفير مطاطي... ثم سحب.

لم تكن أقدام بشرية ترتدي أحذية. كان الصوت يشبه سحب كيس ثقيل مملوء بالرمل على البلاط الملمع.

سحب هشام هاتفه المحمول من جيبه، وأشعل فلاش الكاميرا.

وجه الشعاع الأبيض نحو باب المكتب المفتوح.

كان الممر خاوياً، لكن قطرات الماء الأسود كانت تسقط بانتظام من سقف الممر على الأرضية، لتشكل بركة صغيرة تنعكس عليها أضواء الهاتف.

وفجأة، رأى هشام عبر شاشة الهاتف - وليس بعينيه المجردتين - أن بركة الماء على الأرض لا تعكس سقف الممر... بل تعكس ساقين طويلتين وبيصاوين تقفان عند عتبة الباب مباشرة!

"ليلى! لا تنظري إلى الباب!" صرخ هشام وهو يمسك بكتفها ويسحبها خلف المكتب الخشبي الثقيل.

ارتطم شيء ثقيل بعتبة الباب الخشبية.

انبعثت من الممر رائحة عفن حادة، تشبه رائحة الجثث. كانت الرائحة قويةجداً.

"الهاتف..." همست ليلى وهي تضغط على يد هشام بقوة حادة حتى غرزت أظافرها في جلده. "الكاميرا الرقمية لا تراه جيداً... هو ينتمي إلى أفلام الفضة القديمة!"

"ماذا نفعل؟" سألها وهو يشعر بالهواء البارد يلتف حول قدميه.

"الكاميرا التي معك..." قالت ليلى وهي تشير إلى الكاميرا الألمانية الثقيلة على الطاولة. "فيها زوبعة المصباح المباشر (Flash Bulb)... المصباح القديم يستخدم المغنيسيوم المشتعل. الضوء الناتج عنه يحرق نسيج الفضة الشفاف الذي يتغذى عليه!"

رفع هشام رأسه بحذر من فوق حافة المكتب.

كان الظل الطويل قد دخل الغرفة. كان يرتفع حتى يلامس السقف الخرساني، وجهه أملس تماماً دون عينين ولا فم، ويداه الممتدتان تحتويان على ستة أصابع رفيعة تتساقط منها قطرات من المادة السوداء اللزجة.

كان الشيء ينحني ببطء نحو الكاميرا القديمة المتروكة على الطاولة، وكأنه يريد تدمير الفيلم المتبقي بداخلها!


الفصل الخامس: اشتعال المغنيسيوم


لم يكن لدى هشام وقت للتفكير.

قفز من خلف المكتب، وركض نحو الطاولة.

التفت الكائن النحيف نحوه بسرعة خيالية. لم يتحرك بأقدام، بل انزاح الهواء بالكامل ليصبح وجه الأملس على بعد سنتيمترات قليلة من وجه هشام!

شعر هشام ببرودة الموت تجمد لسانه. كان يرى في الوجه الأبيض الشفاف انعكاساً لجميع الضحايا الذين ظهروا في الفيلم القديم: المرأة في المطعم، الرجل ذو المظلة، والمهندس محمود جابر بعينيه المفتوحتين!

أمسك هشام بالكاميرا الألمانية الثقيلة، ووجه العدسة مباشرة نحو الوجه الأبيض.

كانت يده تثبت الضارب الخارجي لمصباح المغنيسيوم القديم.

"اضغط الزر يا هشام!" صرخت ليلى وهي تلقي بمجلد كرتوني ثقيل نحو الكائن ليشتت انتباهه.

اضطرب الكائن لكسر من الثانية.

وفي تلك اللحظة بالذات، ضغط هشام على الزر النحاسي للكاميرا.

كليك.

انطلقت شرارة المغنيسيوم الداخلي!

انبعث ضوء أبيض حاد، ساطع كالشمس المباشرة، ملأ الغرفة بالكامل برائحة الكبريت المشتعل والحرارة العالية.

انبعث من الكائن صراخ مكتوم، ليس صوتاً يمر عبر الهواء، بل طنين حاد اهتزت له زجاجات النوافذ وتفرقعت مصابيح السقف.

بدأ الجسد الأبيض يتفتت تحت الضوء الشديد، وتحول إلى نسيج من الخيوط السوداء الدقيقة التي بدأت تحترق وتتلاشى كأوراق الشجر الجافة في النار.

استمر الاشتعال لثوانٍ معدودة، قبل أن تنطفئ لمبة المغنيسيوم وتعد الغرفة إلى الظلام التام، يرافقها هسيس الدخان الأبيض الذي يملأ الهواء.

جلس هشام على الأرض، يلهث بصعوبة، والكاميرا الساخنة بين يديه.

أضاءت ليلى شاشة هاتفها. كانت الغرفة فارغة تماماً، باستثناء البقعة السوداء على الأرضية الخشبية حيث كان يقف الكائن، وبضعة خيوط متفحمة تتبخر في الهواء.


الفصل السادس: المربع الأخير



في صباح اليوم التالي، كانت الشمس تشرق دافئة على المدينة.

جلس هشام وليلى في مقهى مفتوح على الشاطئ. كان صوت الأمواج وهدير السيارات بالخارج يمنح إحساساً بالأمان والواقعية التي افتقداها في الليلة الماضية.

كانت الكاميرا الألمانية قد تحولت إلى قطعة من المعدن المذاب بفعل حرارة المصباح المشتعل، وشريط الفيلم الإضافي قُطع وأُحرق بالكامل في وعاء معدني.

"هل تعتقد أن الأمر انتهى؟" سألت ليلى وهي ترتشف من كوب القهوة الساخن.

نظر هشام إلى يديه الملوثتين بآثار الكبريت والحبر، وقال بهدوء: "الكائن ارتبط بذاكرة الفيلم القديم... وعندما احترق الفيلم بالضوء، احترق وجوده."

تبادلا الابتسام. كان شعور النجاة يشبه الهواء البارد الذي يدخل الرئتين بعد غرق طويل.

أخرجت ليلى هاتفها المحمول لالتقاط صورة لهما معاً لتخليد الذكرى.

"ابتسم يا هشام"، قالت ليلى وهي ترفع الهاتف نحو وجهيهما.

التقطت الصورة.

عندما فتحت ليلى المعرض الرقمي على هاتفها لمراجعة الصورة المأخوذة حديثاً، اختفت الابتسامة من وجهها تماماً.

تصلب ظهرها، وسقط كوب القهوة من يدها ليتناثر الشاي على الطاولة الخشبية.

"ليلى؟ ماذا هناك؟" سألها هشام بوجل.

رفعت ليلى هاتفها الذكي نحو عينيه دون أن تنطق بكلمة.

كانت الصورة الرقمية الحديثة واضحة ونقية، تظهرهما يجلسان في المقهى المشمس.

ولكن في الانعكاس الزجاجي للنظارة الشمسية التي يرتديها هشام في الصورة... كان هناك ظل أبيض طويل، بلا عينين وبلا أنف، يقف خلفهما مباشرة تحت أشعة الشمس، وأصابعه الطويلة تستقر على حافة الستارة الخشبية للمقهى!

نظر هشام إلى السماء المشرقة حوله... ولم تعد الشمس تبدو دافئة بعد الآن.

تعليقات

المشاركات الشائعة