"ماذا ستفعل لو نزلت لعبة إلكترونية مجانية، واكتشفت في الليلة التالية أن كل جدار يدمره الوحش داخل الشاشة.. ينهار ويتحطم في غرفتك الحقيقية؟ هل تجرؤ على إكمال اللعبة حتى النسبة 100%؟"
الفصل الأول: اللعبة التي ظهرت من العدم
كان الضوء الوحيد في الغرفة ينبعث من شاشة الحاسوب المحمول، يلقي ظلالاً باردة وزرقاء على جدران غرفتي المظلمة. الساعة كانت تجاوزت الثالثة فجراً، ذلك الوقت الذي تنام فيه المدينة بينما يظل عقل مبرمج مثلي ساهراً يطارد الأخطاء البرمجية المعقدة في شيفرات العملاء. كنتُ أتصفح منتدى برمجياً مظلماً ومغلقاً، أبحث عن مكتبات برمجية مفتوحة المصدر، حين ظهر أمامي إعلان صغير، غريب، وخالٍ من أي شعار أو اسم شركة ناشرة.
كان الرابط يحمل اسماً مقتضباً وبسيطاً: (The Last Server). ولم تكن هناك أي تقييمات، ولا صور توضيحية، سوى جملة واحدة مكتوبة بخط رمادي باهت: "هل أنت مستعد لبناء حصنك الأخير؟ اللعبة تبدأ بمجرد التثبيت."
بدافع الفضول التقني البحت، أو ربما بسبب الملل الذي ينهش روحي منذ أشهر، ضغطت على زر التحميل. لم تستغرق العملية سوى ثوانٍ معدودة، رغم أن حجم الملف كان يفترض أن يكون ضخماً. فتحت اللعبة، فانتقلت الشاشة فوراً إلى وضع ملء الشاشة (Full Screen)، وتحولت الخلفية إلى سواد حالك، تظهر في منتصفه شبكة هندسية ثنائية الأبعاد تشبه تخطيطاً معماريّاً لغرفة خالية.
أخذتُ أتحكم بالفأرة وأضع بعض الجدران الافتراضية، وباسطوانة رقمية بدأت أقيم حواجز وهمية لحماية شخصية صغيرة تبدو كظل باهت يرتجف في زاوية الشاشة. في البداية، اعتقدت أنها مجرد لعبة استراتيجية مستقلة وبسيطة تعتمد على البقاء والدفاع عن النفس ضد موجات رقمية معادية. أغلقت اللعبة بعد نصف ساعة، وغرقت في نوم عميق، غافلاً عن أن الشيفرة التي نزلت على جهازي لم تكن مجرد ملف ترفيهي، بل كانت فايروساً رقمياً يترجم أبعاد غرفتي الحقيقية إلى خوارزميات بصرية.
الفصل الثاني: الظلال التي تعرف تفاصيل الغرفة
في الليلة التالية، فتحت اللعبة مجدداً. كنت أحتسي كوباً من القهوة الباردة، وأراقب الشخصية وهي تقف في وسط الخريطة الرقمية. لكن شيئاً غريباً ومقلقاً لفت انتباهي فوراً، جدران الخريطة لم تكن مربعة الشكل أو عشوائية كما صممتها البارحة، بل كانت تطابق تماماً تخطيط شقتي الحقيقية!
أصبت بذهول. نظرت إلى الشاشة، ثم إلى الغرفة من حولي. ركن الخزانة المكسور، وموقع السرير، والعمود الخرساني البارز في زاوية الحائط.. كل تفصيلة معمارية في شقتي الصغيرة كانت مرسومة بدقة متناهية داخل إحداثيات اللعبة، وكأن هناك كاميرا خفية تفحص كل زاوية من غرفتي وتبثها مباشرة إلى الشيفرة.
وقبل أن أستوعب مدى غرابة الأمر، بدأت الموجة الأولى من اللعبة. من حواف الشاشة المظلمة، خرجت كتل رقمية سوداء، تشبه ظلالاً بشرية بلا أطراف واضحة، تتحرك بسرعة نحو الشخصية الافتراضية.
حاولت تحريك الحواجز لحماية الشخصية، لكن شيئاً مرعباً حدث في الواقع.
"طاق!"
صدر صوت اصطدام حاد ومفاجئ من زاوية الغرفة بجوار خزانة الملابس. فزعت من مقعدي، والتفتُّ بسرعة إلى مصدر الصوت. لم يكن هناك أحد، لكن زجاج إطار الصورة المعلقة على الحائط تضرر بصدع مفاجئ، وكأن ضربة خفية وجهت إليه من الخارج إلى الداخل!
نظرت إلى الشاشة بذعر، في اللعبة، كان أحد الكائنات السوداء قد ضرب جدار الحماية الافتراضي في نفس الزاوية تماماً التي علقت فيها الصورة.
تسمرت في مكاني. هل من المعقول أن يكون ما يحدث في اللعبة ينعكس في العالم المادي؟ أم أن عقلي المهووس بالتقنية بدأ يختلق هلوسات بصرية وسمعية بسبب الإرهاق والسهر الطويل؟
الفصل الثالث: انهيار الأبعاد
في الليلة الثالثة، رفضت فتح اللعبة. حاولت إغلاق حاسوبي المحمول تماماً، بل وفصلت عنه كابل الإنترنت والكهرباء، ووضعته داخل درج المكتب المغلق، محاولاً إقناع نفسي بأنني أبالغ وأن الأمر برمته مجرد مصادفة تقنية بحتة أو صدفة فيزيائية غريبة تتعلق باهتزازات البناية القديمة.
لكن في تمام الساعة الثالثة وعشرين دقيقة فجراً، استيقظت مفزوعاً على صوت صرير معدني مزعج.
لم يكن الصوت يأتي من الدرج، بل كان من على مكتبي. نظرت نحو المكتب بخوف، فرأيت شاشة الحاسوب المحمول مفتوحة وحدها، وإضاءتها الزرقاء الساطعة تضيء الغرفة بوحشية. رغم أنني فصلت عنه البطارية والكهرباء، كان النظام يعمل ببطء، وتصدر من السماعات نغمات إلكترونية منخفضة ومتقطعة تشبه دقات قلب بطيئة.
اقتربت بخطوات مرتجفة، ونظرت إلى الشاشة. كانت اللعبة تعمل تلقائياً، ومؤشر التحميل يقف عند نسبة "82%".
الشخصية الافتراضية داخل اللعبة كانت محاصرة في منتصف الغرفة، والكائنات السوداء تجمعت حولها في دائرة مغلقة. وفجأة، بدأت الكائنات تهاجم بضراوة.
"كراش!"
انهارت الطاولة الصغيرة التي توضع عليها أباجورة الإضاءة بجواري، وانكسرت الساق الخشبية لها وسقطت على الأرض بصوت مدوٍ. نظرت إلى الشاشة في نفس اللحظة في اللعبة، استخدم أحد الكائنات ضربة مدمرة حطمت الطاولة الافتراضية تماماً في نفس الإحداثيات المكانية!
لم يعد الأمر مجرد مصادفة. اللعبة لم تكن تحاكي غرفتي.. بل كانت تستخدم غرفتي كـ "ساحة اختبار" فيزيائية. كل بناء ينهار داخل الشاشة، ينهار معه الجزء المقابل له في الواقع. أدركت حينها الكارثة الكبرى: جهازي لم يعد يستقبل البيانات، بل كان يحول الشيفرة البرمجية إلى طاقة حركية تؤثر على المادة الحقيقية من حوله.
الفصل الرابع: زر الخروج المفقود
فقدت صوابي. أخذت أضغط بكل قوتي على لوحة المفاتيح، محاولاً إغلاق البرنامج، أو إنهاء مهمة النظام، أو حتى فصل زر التشغيل الرئيسي للحاسوب. لكن لوحة المفاتيح استجابت بجمود تام، وكل مفتاح ضغطت عليه كان يصدر صوتاً مزعجاً يشبه طنين الحشرات.
بحثت بعيني المذعورة عن زر الخروج في زوايا الشاشة. لم يكن هناك أي زر للخروج. كانت واجهة اللعبة خالية من أي قوائم جانبية، سوى عداد رقمي صغير في الأعلى يتحرك ببطء شديد، ووصل الآن إلى نسبة "94%".
وفجأة، توقفت الكائنات السوداء عن الهجوم داخل الشاشة. استدارت الشخصية الافتراضية ببطء شديد نحو الكاميرا الأمامية، وظهرت على الشاشة نافذة رسالة نصية باللون الأحمر القان، تظهر الكلمات حرفاً بحرف ببطء مرعب:
"لقد تم اكتمال رسم الخريطة الهندسية للغرفة بنجاح.. لم يتبق سوى مسح الكائن البشري لكي يصبح الخادم جاهزاً للاستخدام الدائم."
رن النص في رأسي كالمطرقة. أدركت أنني لم أكن العب اللعبة.. بل كنتُ أنا العنصر البشري الزائد في المعادلة، والبرنامج كان يعيد هيكلة غرفتي لتكون مساحة خالية تماماً من الوجود البشري، تمهيداً لنقل كيان رقمي غريب ليحل محلي.
نظرت إلى زوايا الغرفة. الحوائط بدأت تتشقق بصمت، وخطوط رفيعة من التراب والأسمنت تتساقط من السقف. بدا أن الأساسات الفيزيائية للغرفة تفقد تماسكها تدريجياً مع اقتراب عداد اللعبة من النهاية.
الفصل الخامس: النسبة المئوية الأخيرة
بلغ مؤشر التحميل نسبة "98%".
شعرت بثقل هائل يضغط على صدري، وكأن الجاذبية في الغرفة تضاعفت عشرات المرات. لم أعد قادراً على تحريك قدمي، وكأن جذوراً خفية تنبت من الأرض وتثبت حذائي في البلاط. حاولت الصراخ، لكن صوتي اختفى في حنجرتي، ولم يخرج سوى صوت أنفاس خافت ومتقطع يشبه أزيز الهواء في أنابيب قديمة.
على الشاشة، وصل العداد إلى "99%".
في تلك اللحظة الحرجة، وتحديداً قبل أن يكتمل الرقم الأخير، تذكرت شيئاً تقنياً بسيطاً غفلت عنه طوال فترة الذعر، البطارية الإضافية القديمة المحمولة التي كانت متصلة بلوحة التحكم الفرعية في حاسوبي، والتي كانت تغذي النظام عبر منفذ الطاقة المستقل (USB-C) المخفي خلف الطاولة.
جمعت كل ما تبقى في جسدي من قوة وإرادة، وانحنيت بجسدي بكل ثقل تجاه الطاولة، ومددت يدي المرتجفة وسط الهالة الزرقاء الساطعة لشاشة الحاسوب. بأصابع تكاد ترتجف لدرجة الشلل، تمكنت من التحسس، وبحركة خاطفة، نزعت الكابل الرئيسي للبطارية الإضافية وقمت بتمزيقه بقوة عنوة من مكانه.
"صمت مطبق."
انطفأت شاشة الحاسوب المحمول في نفس الثانية، وتلاشت الإضاءة الزرقاء تماماً. سقط الظلام الدامس مرة أخرى على أرجاء الغرفة، وتوقف صوت الطنين الإلكتروني المزعج.
بقيت واقفاً في مكان لفترة طويل، أنهج بعنف، وأتلفت حولى في الظلام الدامس بقلب يرتجف. توقفت الاهتزازات، وتوقف تساقط الحبيبات الإسمنتية من السقف. لقد توقف كل شيء عند نسبة "99%".
أشعلت ضوء هاتفي المحمول ببطء، ووجدت الحاسوب خامداً بلا حياة، وشاشته السوداء تعكس وجهي الشاحب والمرتعب.
تنفست الصعداء بعمق، وظننت أنني نجوت بأعجوبة من ذلك الكابوس الرقمي. جلست على الحافة المتبقية من سريري، منتظراً بزوغ فجر اليوم التالي لأتخلص من هذا الجهاز اللعين وأرميه في أعماق مكب النفايات البعيد.
لكن.. وبينما كنت جالسًا، لاحظت شيئاً جعل دمي يتجمد في عروقي بشكل نهائي.
على شاشة هاتفي المحمول الذي أضاء الغرفة، ظهرت فجأة رسالة إشعار من متجر التطبيقات غير المعروف، تفيد بنجاح التثبيت الكامل للنسخة، وتحت الإشعار ظهر رقم واحد فقط بخط صغير بارد:
"100%"
ثم.. صدر صوت نقرة خفيفة قادمة من شاشة الحاسوب المغلق تماماً، وكأن شخصاً ما في الداخل يضغط على زر التشغيل ليبدأ من جديد.
"إذا ظهر على شاشتك تطبيق غامض غير معروف المصدر وبدأ في التحميل التلقائي، هل ستفصل جهازك عن الكهرباء فوراً، أم سيغلبك الفضول لمعرفة النهاية؟ شاركنا بريك في التعليقات."
تعليقات
إرسال تعليق