التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

سر زقاق المصابيح الصفراء: قصة من عمق المدينة القديمة

  الفصل الأول: النقطة العميقة في الخريطة كان سامر يعتقد أن العالم قد تم مسحه بالكامل. بالنسبة لمهندس برمجيات ونظم معلومات جغرافية (GIS) يعمل منذ ست سنوات في شركة "أطلس مابز" الملاحية، لم تكن الأرض سوى مجموعة من الإحداثيات، وخطوط الطول والعرض، والبكسلات الملونة التي تتصل عبر خوادم عملاقة في سياتل وفرانكفورت. كان عمله اليومي يتلخص في تدقيق البيانات الميدانية التي تجمعها سيارات المسح الجغرافي: تلك السيارات البيضاء الصغيرة المزودة بأعمدة معدنية مرتفعة، تحمل في قمتها كاميرات ثمانية العدسات تدور بزاوية 360 درجة، لتمسح الشوارع، والمباني، ورصيف المشاة، وحتى وجه القطة التي تعبر الطريق. كان سامر يرى العالم من خلال شاشة المراقبة الثلاثية الممتدة أمامه. يجلس في مكتبه المنزلي في الساعة الواحدة صباحاً، والهدوء يلف شقته، بينما تحتسي يده كوباً من القهوة التي فقدت حرارتها منذ ساعة. في تلك الليلة، كان مكلفاً بإنهاء مراجعة الخرائط التفصيلية لحي "السبيل"، وهو أحد أقدم الأحياء الشعبية في أطراف المدينة. حي تتداخل فيه الأزقة الحجرية الضيقة، وتلتف فيه المباني القديمة المبنية من الحجر ...

عجوز الدار الملعونة: كابوس البيت المسكون

منزل طيني قديم ومهجور في ليلة مظلمة ومرعبة

الفصل الأول: أم الرماد والبيت المحظور

في أقصى شمال المنطقة، حيث تنتهي الطرق المعبدة وتبدأ الكثبان الرملية الصفراء في ابتلاع ما تبقى من أثر البشر، تقع قرية "أم الرماد". قرية قديمة جداً، بيوتها المصنوعة من الطين والحجارة السوداء تبدو وكأنها كائنات متعبة تجلس لتستريح على حافة الطريق. في تلك القرية، لا تنمو الأشجار بشكل مستقيم، بل تلتوي أغصانها نحو الأرض كأنها تجسد متاهة، وتغطي أزقتها الضيقة هالة من الصمت المريب الذي لا يخرقه سوى نباح كلاب بعيدة وموحشة.
لكن أكثر ما يثير الرعب في نفوس أهالي القرية، حتى قبل أن يتعلم الأطفال النطق، هو ذلك البيت الواقع في أطراف القرية من الجهة الغربية، حيث تنتهي آخر شجيرات السدر الميتة.
البيت محاط بسور طيني عالٍ، بابه الخشبي القديم مسمّر بألواح حديدية صدئة، وتغطي جدرانه الخارجية شقوق عميقة تشبه تجاعيد وجه عجوز. يُعرف هذا المكان محلياً بين السكان بـ "دار أم شبيب".
أم شبيب.. تلك المرأة العجوز التي عاشت وحدها في ذلك المنزل طوال عقود طويلة، امرأة لم يرها أحد يوماً تبتسم، ولم تكن تخرج من دارها إلا نادراً تحت جنح الظلام لتجلب ما يحتاجه بيتها. كانت تمشي وهي منحنية الظهر، تحمل عصا خشبية غليظة، وتغطي وجهها بعباءة سوداء داكنة لا تظهر منها سوى عينين حادتين كعين صقر متربص.
وذات ليلة شتوية عاصفة، انقطع خبرها تماماً، وحين تجرأ بعض رجال القرية بعد ثلاثة أيام لدفع بابها الموصد ودخول الدار، لم يجدوا شيئاً سوى جثة ملقاة على الأرض الباردة في غرفة المعيشة، ووجهها متجمد على ملامح فزع، بينما كانت جدران الغرفة مليئة بخدوش غريبة وعميقة كأن أظافر حادة كانت تحفر الخرسانة.
دفنوها في مقبرة القرية، وأغلقوا باب الدار الحديدي، وحذر كبار السن الجميع بالقول المأثور: "من اقترب من دار أم شبيب، فقد باع روحه للظلام، لأن العجوز ماتت، لكن ما كان يسكن معها في الجدران.. لا يموت أبداً."

الفصل الثاني: الرهان الأهوج

تجاهل "فراس"، وهو شاب في السابعة عشرة من عمره، معروف بتهوره وحبه الدائم للتباهي أمام أصدقائه، كل تلك التحذيرات والأساطير المتداولة. كان فراس يرى أن كل هذه القصص ما هي إلا خرافات يخترعها العجائز لتخويف الصغار ومنعهم من التجول ليلاً.
في ليلة مقمرة، كان فراس جالسًا مع مجموعة من أصدقائه حول نار خافتة في أطراف القرية. تحدثوا في مواضيع شتى، حتى تطرق الحديث إلى "دار أم شبيب". تحدى أحد الأصدقاء فراس بسخرية وقال:
"يا فراس، أنت دائماً تتباهى بأنك لا تخاف شيئاً. إن كنت شجاعاً حقاً كما تزعم، فاذهب الآن وحدك إلى دار أم شبيب، واطرق بابها ثلاث مرات، واجلب لي تلك القطعة الحديدية الصدئة المعلقة على جدارها الخارجي كدليل على أنك وصلت هناك."
اشتعلت روح التحدي في رأس فراس المغرور. ابتسم بثقة زائفة، ووقف من مكانه وقال بصوت عالٍ:
"أنا مستعد لأن أنام الليلة في غرفة أم شبيب نفسها، وليس مجرد طرق الباب! انتظروني هنا، ولن أتاخر."
حاول بعض الأصدقاء تحذيره وثنيه عن هذا الجنون، لكن فراس كان قد اتخذ قراره. انطلق وحده في الأزقة المظلمة، متجهاً نحو الطرف الغربي للقرية، غير مدرك أنه يخطو ببطء نحو كابوس لن يستيقظ منه أبداً.

الفصل الثالث: العبور نحو الدار المظلمة

وصل فراس إلى أطراف القرية. انقطعت أضواء المصابيح تماماً، وأصبحت الوحشة تحيط به من كل جانب. كانت الرياح تصدر أحياناً أصواتاً تشبه الأنين البشري بين الصخور.
أمام السور العالي لدار أم شبيب، توقف فراس لفترة وجيزة. تفحص الباب الخشبي المسمّر. تفوح من المكان رائحة قوية وغريبة، رائحة تراب رطب ممزوج بالبارود والكبريت القديم. شعر ببرد خفيف يسري في ظهره، وبدا وكأن الهواء حوله أصبح أثقل وأكثف.
لكن غروره منعه من التراجع. تقدم، ومد يده المرتجفة قليلاً، وطرق الباب الخشبي الثقيل ثلاث مرات متتالية.
"طك.. طك.. طك.."
تردد صدى الطرقات بقوة في الليل الساكن. وما إن أنهى الطرق الثالث، حتى حدث ما لم يكن في الحسبان: انفتحت اللوحات الخشبية للباب من تلقاء نفسها وبسرعة غريبة، وسُحب الباب إلى الداخل وكأن قوة خفية كانت تنتظر من يطرق لفتحه!
تراجع فراس خطوة للوراء، واتسعت عيناه ذعراً. لكنه لم يكد يستدير ليهرب، حتى شعر بيد غير مرئية تدفعه بقوة هائلة من خلفه إلى داخل الدار، ثم انغلق الباب الحديدي وراءه بصوت مدوٍ ومفزع.
"كلك.. ترررراش!" 
أصبح فراس محبوساً بالداخل.

الفصل الرابع: فناء الدار المرعب

وجد فراس نفسه واقفاً في فناء الدار الداخلي. كان الفناء مظلماً تماماً، ولا يضيء سوى ضوء القمر الشاحب الذي كان يتسلل عبر السور العالي. في وسط الفناء، كانت هناك شجرة سدر جافة وميتة، تتشابك فروعها بشكل غريب كأنها أيادي بشرية تحاول الإمساك بالسماء.
أخرج هاتفه المحمول بسرعة من جيبه، وأضاء كشافه اليدوي ليوجهه حول المكان. لكن إضاءة الهاتف كانت ضعيفة ومرعشة، وكأن بطاريتها توشك على النفاد فجأة رغم أنها كانت مشحونة بالكامل.
بدأ فراس يلهث بعنف، واقترب من الباب المغلق، وأخذ يضرب عليه بيده ويصرخ:
"افتحوا الباب! أرجوكم، اكفونا شراً.. افتحوا!"
لكن لم يأتِ أي رد من الخارج، سوى صدى صوته الذي كان يرتد إليه مشوهاً وثقيلاً.
وفجأة، صدر صوت خطوات بطيئة ومنتظمة قادمة من الممر المظلم المؤدي إلى غرف الدار الداخلية.
خطوة.. شخطة عصا على الأرض.. خطوة أخرى.
تسمّر فراس في مكانه، ووجه ضوء كشاف هاتفه نحو بداية الممر المظلم.

الفصل الخامس: ظهور أم شبيب

في بداية الممر، وفي عتمة الظل، ظهرت هيئة مرعبة.
كانت امرأة عجوز، منحنية الظهر تماماً، ترتدي عباءة سوداء بالية وممزقة الأطراف. كانت تمسك بيدها عصا خشبية غليظة تصدر صريراً مع كل خطوة. رفعت العجوز رأسها ببطء شديد، وسلطت عينيها نحو فراس.
لم تكن عيوناً بشرية طبيعية، كانت عينين حمراوين تلمعان ببريق شيطاني مرعب، ووجهها شاحباً بلون الرماد، وتكسوه تجاعيد عميقة وكأن جلدها محروق بالنار، بينما كان فمها يبتسم ابتسامة عريضة وشريرة تظهر أسناناً صفراء وحادة.
صرخ فراس بأعلى صوته، وسقط على ركبتيه من شدة الرعب. لم يستطع تحريك أطرافه، وكأن شللاً كاملاً سرى في جسده.
وقفت العجوز أمامه مباشرة، وشعر بحرارة أنفاسها الباردة تضرب وجهه. تحدثت بصوت خشن ومتحشرج، يشبه احتكاك حجرين ببعضهما:
"من أذن لك بالدخول إلى داري يا بني؟.. ألم يخبرك أهل القرية أن من يدخل إلى هنا، يصبح ضيفاً لا يخرج أبداً؟"
حاول فراس النطق، لكن لسانه خانه ولم يخرج سوى صوت أنين ضعيف ومتقطع.

الفصل السادس: المطاردة في الغرف المغلقة

استعاد فراس جزءاً من قدرته على الحركة بفضل غريزة البقاء. هب واقفاً بسرعة جنونية، وركض كالمجنون نحو إحدى الغرف المفتوحة في جانب الفناء، ودخلها وأغلق بابها خلفه بإحكام، محاولاً حجز نفسه عن تلك العجوز المرعبة.
كانت الغرفة مظلمة وباردة، وتفوح منها رائحة التراب والرطوبة. أضاء كشاف هاتفه ليجد أن الغرفة مليئة بصناديق خشبية قديمة وأوانٍ فخارية مكسورة. لكن المفزع أكثر، هو أن جدران الغرفة كانت مطليّة بكلمات غامضة وطلاسم مكتوبة باللون الأحمر الداكن.
قبل أن يلتقط أنفاسه، سمع صوت خطوات العجوز تقترب من باب الغرفة الموصد.
"طك.. طك.. طك.." 
ثم وضعت العجوز يدها الباردة على الباب الخشبي من الخارج، وبدأت تخدش الخشب بأظافرها الطويلة بحدة مخيفة، وصوت خدش مجنون يمزق الأعصاب.
وفجأة.. انفتح باب الغرفة من تلقاء نفسه بقوة هائلة، وظهرت العجوز واقفة على العتبة، لكنها لم تكن تمشي هذه المرة، بل كانت تطفو في الهواء قليلاً فوق الأرض، وعيناها الحمراوان تلتهمان كل زاوية في الغرفة.

الفصل السابع والأخير: المأسور الأبدي في دار أم شبيب

حاول فراس الهروب نحو النافذة الصغيرة الوحيدة في الغرفة، لكن قبل أن يصل إليها، امتدت يد العجوز بسرعة البرق وطوقت كتفه بقوة جمّدت دمه.
سحبته العجوز نحوها إلى منتصف الغرفة، بينما كانت ظلال الجدران تنفصل عن مكانها وتتحول إلى كائنات داكنة ومتحركة تحيط بفراس من كل اتجاه، وتمنعه من أي حركة.
رفعت العجوز وجهها المقزز نحوه، وابتسمت بشر، وهمست في أذنه بصوت يملأه الصدى:
"أنت الآن لست ضيفاً.. أنت الجدار الجديد للدار."
في صباح اليوم التالي، وقف أصدقاء فراس أمام باب دار أم شبيب المغلق والمسمّر بإحكام، ينادون باسمه بخوف وقلق بالغين. لم يكن هناك أي رد من الداخل. لم يجرؤ أحد منهم على فتح الباب أو الاقتراب أكثر، فركضوا مسرعين إلى كبار القرية لإبلاغهم باختفاء فراس.
حين وصل كبار السن وعيونهم تملؤها الحيرة والخوف، نظر العم مبارك، أكبر رجال القرية سناً، إلى باب الدار الموصد، وهز رأسه بأسف شديد وقال بصوت خافت:
"لقد ذهب فراس.. ولن يعود أبداً. لقد انضم إلى أم شبيب، وأصبح وجهه الجديد مرسوماً على جدران الدار للابد."
ومنذ ذلك اليوم، أصبح باب دار أم شبيب أكثر رعباً، وبقي اسماً يثير الرعب في قلوب كل من يمر بجانبه، مذكراً الجميع بأن بعض الأماكن خُلقت لتبقى مغلقة للأبد.

تعليقات

المشاركات الشائعة