التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

سر زقاق المصابيح الصفراء: قصة من عمق المدينة القديمة

  الفصل الأول: النقطة العميقة في الخريطة كان سامر يعتقد أن العالم قد تم مسحه بالكامل. بالنسبة لمهندس برمجيات ونظم معلومات جغرافية (GIS) يعمل منذ ست سنوات في شركة "أطلس مابز" الملاحية، لم تكن الأرض سوى مجموعة من الإحداثيات، وخطوط الطول والعرض، والبكسلات الملونة التي تتصل عبر خوادم عملاقة في سياتل وفرانكفورت. كان عمله اليومي يتلخص في تدقيق البيانات الميدانية التي تجمعها سيارات المسح الجغرافي: تلك السيارات البيضاء الصغيرة المزودة بأعمدة معدنية مرتفعة، تحمل في قمتها كاميرات ثمانية العدسات تدور بزاوية 360 درجة، لتمسح الشوارع، والمباني، ورصيف المشاة، وحتى وجه القطة التي تعبر الطريق. كان سامر يرى العالم من خلال شاشة المراقبة الثلاثية الممتدة أمامه. يجلس في مكتبه المنزلي في الساعة الواحدة صباحاً، والهدوء يلف شقته، بينما تحتسي يده كوباً من القهوة التي فقدت حرارتها منذ ساعة. في تلك الليلة، كان مكلفاً بإنهاء مراجعة الخرائط التفصيلية لحي "السبيل"، وهو أحد أقدم الأحياء الشعبية في أطراف المدينة. حي تتداخل فيه الأزقة الحجرية الضيقة، وتلتف فيه المباني القديمة المبنية من الحجر ...

متحف الأصوات المفقودة: كابوس الأسطوانات الشمعية المرعبة

جهاز تسجيل فونوغراف قديم مع أسطوانات شمعية في غرفة مظلمة ومخيفة

الفصل الأول: الغرفة التي تنسى الأيام

الصمت أحياناً لا يكون مجرد غياب للأصوات، بل يكون طبقة ثقيلة من التاريخ المترسب الذي يرفض أن يرحل. في مدينة قديمة ونسيتها خريطة الزمن، كان هناك مبنى عتيق شُيّد في أوائل القرن التاسع عشر، محاط بأزقة ضيقة تلتف حوله كالأفاعي. المبنى تحول بمرور السنين إلى مكتبة كبرى مهجورة، تكسو رفوفها طبقات سميكة من الغبار، وتفوح من ممراتها رائحة الورق المتحلل والخشب القديم.

كانت "ميرال" مرممة صوتيات وأثاث تاريخي، وقد استُدعت لتوثيق وترميم الأرشيف القديم لهذا المكان قبل تحويله إلى متحف رسمي. وصلت ميرال في مساء خريفي بارد، تحمل حقيبة معدنية تضم أدواتها الدقيقة، ومسجلات صوتية حديثة، ومكبرات نقية.

استقبلها الحارس العجوز عند الباب الحديدي الثقيل، وبملامح باردة وأصابع ترتجف قليلاً، سلمها المفتاح الصدئ قائلاً بصوت خافت:

"اعملي بحذر يا ابنتي.. ولا تدخلي الغرفة الموجودة في الطابق السفلي الخلفي بعد منتصف الليل. بعض الأصوات هنا.. لا تحب أن يتم إيقاظها."

ابتسمت ميرال محاولة تبديد التوتر بضحكة خفيفة، وظنت أن العجوز يمزح ليزيد من وحشة المكان. دخلت بمفردها، وأغلقت الباب خلفه بصوت مدوٍ ارتدت أصداؤه في القاعات الفارغة. بدأت عملها في الطابق الأرضي، تنظف الأرفف، وتفحص الكتب الصفراء الممزقة. لكن كلما مرت الساعات، وكلما اقترب منتصف الليل، شعرت بأن هواء المكان يزداد برودة وثقلاً، وكأن جدران المكتبة الحجرية تراقب كل حركة تصدر عنها.

الفصل الثاني: الأسطوانات الشمعية

في الليلة الثالثة من عملها، بينما كانت ميرال تفحص جداراً حجرياً رطباً في أعمق نقطة من الطابق السفلي، لاحظت وجود شق دقيق ومخفي خلف رف خشبي ضخم مائل. جذبت الرف بقوة، لتكتشف وجود غرفة سرية صغيرة للغاية لا تظهر في المخططات الأصلية للمبنى.

دخلت الغرفة مسلطة كشافها اليدوي. لم تكن تحتوي سوى على طاولة خشبية قديمة، وجهاز تسجيل صوتي بدائي يعود للقرن التاسع عشر (فونوجراف) ذو إبرة نحاسية، وبجانبه صندوق خشبي مغلق بإحكام.

فتحت ميرال الصندوق ببطء، فوجدت بداخله عشرات الأسطوانات الشمعية السوداء، مرصوصة بعناية فائقة. التقطت إحدى الأسطوانات، ولاحظت أن عليها خدوشاً دقيقة وبجانبها ملاحظة بخط يد باهت ومذعور:

"تسجيل رقم 1: اختفاء أمين المكتبة الأول.. الصوت لم يتوقف رغم وفاته."

فضولها المهني والعلمي طغى على شعورها المتصاعد بالخوف. جلست على الكرسي الخشبي، ووضعت الأسطوانات الشمعية على جهاز الفونوجراف القديم، ثم ثبتت الإبرة النحاسية بعناية على أخدود الأسطوانة، وأدارت الذراع اليدوية لتشغيل الجهاز.

في البداية، صدر صوت صرير معدني حاد يشبه حك الأظافر على الزجاج، تلاه طقطقة مزعجة. ثم انبعث من مكبر الصوت الصغير صوت بشري غريب، صوت رجل يتحدث بنبرة خائفة ومتهدجة، يسجل تفاصيل يومه:

"اليوم هو السابع من أكتوبر.. أنا أسمعهم يتحركون خلف الجدران. إنهم ليسوا بشراً. إنهم يقلدون أصواتنا.. أرجوكم، إذا وجدتم هذه الأسطوانة، لا تشغلوها.. إنهم قادمون لسرقة صوتي.."

وفجأة، انقطع التسجيل بصرخة مرعبة ومفاجئة، جعلت شعر رأس ميرال يقف هلعاً. أطفأت الجهاز بسرعة، وابتعدت عن الطاولة وهي تلهث بقوة، وشعرت برغبة ملحة في الالتفت خلفها، وكأن عيوناً خفية تحدق في ظهرها من عتمة الغرفة السرية.

الفصل الثالث: أصوات الماضي تتسلل

حاولت ميرال إقناع نفسها بأن ما سمعته لم يكن سوى خيالات لكاتب مهووس عاش في القرن الماضي، وأن الرعب الذي تشعر به ما هو إلا نتاج التعب والعزلة. عادت إلى غرفتها العلوية لتنام، لكن النوم جفا جفونها. طوال الليل، كانت تسمع أصوات حفيف خفي في الممرات، وأصوات خطوات خفيفة تطأ الأرضية الخشبية خارج غرفتها، تماماً مثل الخطوات التي سُجلت على الأسطوانة الشمعية.

في صباح اليوم التالي، قررت مواصلة العمل وتفريغ جميع الأسطوانات لتنظيفها وأرشفة محتواها رقمياً، كما يقتضي عقد عملها.

نزلت إلى الغرفة السرية مجدداً، وجلست أمام الفونوجراف. شغلت الأسطوانة الثانية، ثم الثالثة. كانت الأصوات تتوالى، أصوات نساء وأطفال ورجال، وكلهم يتحدثون عن ظاهرة غريبة: فقدان أصواتهم تدريجياً، وسماع كيانات مجهولة تحاكي كلامهم في الليل.

وأثناء قيامها بتسجيل هذه الملفات عبر جهازها الرقمي الحديث، التقطت مبيّنة التسجيل شيئاً غير مألوف. فعندما استمعت إلى التسجيل الرقمي لنفسها وهي تتكلم بصوت عالٍ في الغرفة، لاحظت أنه في الخلفية، وتحت صوتها تماماً، كان هناك "صوت ثانٍ" يكرر كلماتها بدقة متناهية، بصوت أجش ومخيف، كأنه يتربص بها من مسافة سنتيمترات معدودة.

تجمّدت ميرال في مكانها. التفتت بسرعة البرق خلفها، فلم تجد أحداً سوى الجدران الحجرية الرطبة والظلال الميتة.

الفصل الرابع: المفاجأة المرعبة

استبد الرعب بميرال، وهمّت بجمع أدواتها ومغادرة المكان نهائياً قبل أن يحل الليل مجدداً. لكنها قبل أن تغلق الصندوق الخشبي، لفت انتباهها أسطوانة شمعية أخيرة تُركت في قاع الصندوق، لم تكن تحمل أي رقم أو كتابة، بل كانت داكنة اللون وبها شق طولي.

مدت يدها المرتجفة، وأخذت الأسطوانة. وضعتها على جهاز الفونوجراف ببطء شديد، ودارت الذراع النحاسية.

هذه المرة، لم يكن هناك صرير معدني في البداية. كان هناك صمت مطبق لثوانٍ معدودة، ثم بدأ الجهاز يبث صوتاً مألوفاً بشكل مرعب.

كان الصوت.. "صوتها هي!" 

نعم، كان صوت ميرال نفسها ينبعث من مكبر الصوت الخشبي، تسجل رسالة استغاثة مرعبة بصوت يقطر خوفاً وهلعاً:

"أنا ميرال.. لقد وجدوني. إنهم يقفون الآن خلف باب الغرفة السرية. صوتي لم يعد لي.. إذا سمعتِ هذه الأسطوانة، فاعلمي أنكِ الميتة القادمة."

اتسعت عينا ميرال بذهول وهلع جنوني. سقطت الأسطوانة من يدها على الأرضية الخشبية فتحطمت إلى أجزاء صغيرة. لم تكن هذه الأسطوانة مسجلة في الماضي، لأنها لم تقُل هذه الكلمات قط! كيف يمكن لتسجيل أن يحمل صوتها وهي تقول كلمات ستنطقها في المستقبل.. أو ربما في تلك اللحظة بالذات؟!

الفصل الخامس: الهروب من متحف الأصوات

في تلك اللحظة بالذات، انطفأت جميع المصابيح الكهربائية في المكتبة والممر السفلي دفعة واحدة، ليغرق المكان في ظلام دامس ومرعب لا يخرقه سوى ضوء الكشاف اليدوي الضعيف.

ومن خارج باب الغرفة السرية المفتوح جزئياً، تردد صداها.. صوت خطوات ثقيلة وبطيئة تقترب من الداخل.

*طك.. طك.. طك..*

وصوت همس جماعي متداخل، يتحدث بآلاف الأصوات المختلفة التي سمعتها على الأسطوانات، كلها تندمج في صوت واحد مرعب ينادي باسمها:

"ميرال.. أعطني صوتك.. لقد حان دوركِ لتكوني في الأرشيف."

فقدت ميرال صوابها من شدة الرعب. لم تتردد ثانية واحدة، اندفعت خارج الغرفة السرية راكضة بجنون في الممرات المظلمة، غير مبالية بالعوائق والأثاث المكسور الذي كان يصطدم بساقيها. كانت الأيدي غير المرئية تمتد من العتمة لتجذب معطفها، لكنها كانت تتخبط وتفلت بصعوبة بالغة، بينما كانت الأصوات تلاحقها من كل زاوية في المبنى.

وصلت إلى الباب الرئيسي الحديدي للمكتبة، وتخبطت في العتمة حتى وجدت المفتاح الصدئ الملقى على الطاولة. أدخلته في القفل ودارته بعنف حتى انفتح الباب على مصراعيه.

اندفعت ميرال إلى خارج المبنى، وسقطت على الأرض الخرسانية في الشارع الخالي، وهي تلهث بقوة وتبكي من شدة الهلع. التفتت للخلف، فرأت نافذة الغرفة السرية العلوية تضيء بوهج أحمر باهت، قبل أن تنطفئ وتعود المكتبة إلى صمتها الميت والعميق.

نهضت ميرال بخطوات متعثرة، وابتعدت عن ذلك المكان الملعون إلى الأبد، حاملة في أعماق رأسها صدى أصوات لم تفارقها حتى في أحلامها، وموقنة بأن هناك أشياء في هذا العالم يجب أن تبقى مدفونة في ظلمات الماضي ولا تُستثار أبداً.


تعليقات

المشاركات الشائعة