التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

سر زقاق المصابيح الصفراء: قصة من عمق المدينة القديمة

  الفصل الأول: النقطة العميقة في الخريطة كان سامر يعتقد أن العالم قد تم مسحه بالكامل. بالنسبة لمهندس برمجيات ونظم معلومات جغرافية (GIS) يعمل منذ ست سنوات في شركة "أطلس مابز" الملاحية، لم تكن الأرض سوى مجموعة من الإحداثيات، وخطوط الطول والعرض، والبكسلات الملونة التي تتصل عبر خوادم عملاقة في سياتل وفرانكفورت. كان عمله اليومي يتلخص في تدقيق البيانات الميدانية التي تجمعها سيارات المسح الجغرافي: تلك السيارات البيضاء الصغيرة المزودة بأعمدة معدنية مرتفعة، تحمل في قمتها كاميرات ثمانية العدسات تدور بزاوية 360 درجة، لتمسح الشوارع، والمباني، ورصيف المشاة، وحتى وجه القطة التي تعبر الطريق. كان سامر يرى العالم من خلال شاشة المراقبة الثلاثية الممتدة أمامه. يجلس في مكتبه المنزلي في الساعة الواحدة صباحاً، والهدوء يلف شقته، بينما تحتسي يده كوباً من القهوة التي فقدت حرارتها منذ ساعة. في تلك الليلة، كان مكلفاً بإنهاء مراجعة الخرائط التفصيلية لحي "السبيل"، وهو أحد أقدم الأحياء الشعبية في أطراف المدينة. حي تتداخل فيه الأزقة الحجرية الضيقة، وتلتف فيه المباني القديمة المبنية من الحجر ...

متحف الدمى التي لا تنام: كابوس الحراسة الليلية في القصر الملعون

 

دمى قديمة ومرعبة ذات عيون زجاجية في متحف مظلم

الفصل الأول: الحراسة الليلية في قصر العتمة

هناك مبانٍ قديمة في هذا العالم لا تُبنى لتعيش، بل لتبقى كشواهد على أرواح رحلت وتركت خلفها ظلالاً لا تفارق الحوائط. في بلدة "جبل الرخام" النائية، حيث تلتف تلال الصخور السوداء حول بعضها كأفاعٍ نائمة، يقع قصر قديم شيّده في أواخر القرن التاسع عشر صانع دمى شهير يُدعى "مارتن غراي".

مارتن لم يكن مجرد نحات خشب عادي، بل كان فناناً غريب الأطوار، اشتهر بصنع دمى خشبية وحجرية مطابقة تماماً لشكل البشر، بعيون زجاجية مصقولة بدقة فائقة تجعل الناظر إليها يشك لثانية واحدة أنها بشر حقيقيون يتنفسون. بعد وفاة مارتن المفاجئة في ظروف غامضة، أُغلقت ورشته لعقود طويلة، إلى أن قررت بلدية المدينة تحويل الطابق الأرضي وبعض قاعات الطابق الأول إلى "متحف تراثي محلي" يضم مقتنياته وتلك الدمى القديمة ذات الأزياء الفيكتورية الأنيقة.

هنا تبدأ حكاية "نور"، وهي شابة هادئة في العشرينيات من عمرها، قبلت العمل كحارسة أمن ليلية وحيدة في هذا المتحف، نظراً لحاجتها الماسة للمال، وعدم اكتراثها بالخرافات الشعبية التي كان يكررها أهل القرية بحذر بالغ.

في ليلتها الأولى، وصل مدير المتحف، وهو رجل عجوز ومكفهر الوجه يُدعى "السيد فؤاد"، وألقى على عاتقها مفتاحاً نحاسياً ثقيلاً وجهاز إنذار، ثم قال لها بصوت جاف وخالٍ من أي تعبير:

"المتحف ملك لكِ طوال الليل يا نور. تنقلي في الممرات كما شئت، وافعلي ما بوسعك لضبط الأمور، لكن تذكري جيداً قاعدة واحدة ولا تحيدي عنها أبداً مهما سمعتِ: "قاعة العرض الرئيسية في الجناح الشرقي مغلقة تماماً بقفل مزدوج بعد منتصف الليل. إياكِ ثم إياكِ أن تفتحي بابها أو تلقي نظرة إلى داخلها حتى تشرق الشمس."

ابتسمت نور بثقة مصطنعة، وهزت رأسها موافقة، وودعت المدير الذي غادر بسرعة مخلفاً وراءه باباً حديدياً ثقيلاً يُغلق بإحكام من الخارج، لتجد نور نفسها وحدها في قلب قصر تتجمد فيه الأنفاس.

الفصل الثاني: عقارب الساعة حين تتوقف عند منتصف الليل

مرت الساعات الأولى من المناوبة بهدوء نسبي. كانت نور تتجول بين ردهات المتحف الواسعة والمضاءة بمصابيح صفراء باهتة، تصدر خفقات خفيفة تتمايل مع حركة الظلال على الجدران الخشبية المزخرفة. رائحة الخشب القديم، والغبار المتراكم والشمع، كانت تملأ المكان برائحة تشبه رائحة المدافن القديمة.

في تمام الساعة الحادية عشرة والنصف، جلست نور خلف طاولة الحراسة الخشبية الصغيرة في الردهة الرئيسية، وفتحت كتاباً جلبته معها لتمضية الوقت، بينما كانت شاشات كاميرات المراقبة الصغيرة أمامها تعرض زوايا مختلفة للمتحف بالأبيض والأسود.

لكن، ما إن اقتربت عقارب الساعة من منتصف الليل تماماً، حتى حدث شيء غريب.

توقفت ساعة الحائط الكبيرة المصنوعة من الخشب الداكن، والتي كانت تزين الردهة، عن إصدار صوت طقطقتها المعتاد. عمّ المكان صمت ثقيل، صمت لدرجة أن نور استطاعت سماع دقات قلبها وهي تتسارع داخل صدرها.

وفجأة، صدر صوت احتكاك معدني خفيف، يليه صوت صرير خشب يجر على الأرضية، قادم من الجهة الأخرى للممر المظلم المؤدي إلى "الجناح الشرقي". الجناح الذي حذرها منه السيد فؤاد أشد التحذير.

الفصل الثالث: زجاج الخزانة المتحرك

رفعت نور رأسها ببطء، وتسمرت عيناها على شاشات كاميرات المراقبة. كانت الكاميرا رقم 4 مسلطة على ممر الجناح الشرقي، حيث توجد قاعة العرض الرئيسية للدمى الفيكتورية.

في شاشة الأبيض والأسود، لم ترَ حركة بشرية، لكنها لاحظت شيئاً جعل دماءها تبرد في عروقها:

باب قاعة العرض الرئيسية.. كان مفتوحاً قليلاً!

رغم أنها كانت متأكدة تماماً من أنها أغلقت الباب بنفسها وتفقدت قفله قبل منتصف الليل، إلا أنه بدا الآن وكأنه دفع من الداخل ببطء.

وقفت نور مذهولة، واعتصرت يداها طرف الطاولة. أخذت كشافها اليدوي القوي، وبخطوات مرجفة وبطيئة، بدأت تسير في الممر المظلم نحو باب القاعة المفتوح. كانت أنفاسها مترددة، وكل خطوة تصدر صريراً خفيفاً على أرضية الباركيه القديمة.

وصلت إلى باب القاعة، وسلطت ضوء الكشاف إلى الداخل.

كانت قاعة واسعة تصفوف فيها خزائن زجاجية ضخمة، بداخلها عشرات الدمى القديمة بأثوابها الفيكتورية الفاخرة، وشعرها المستعار المنمق، ووجوهها الشاحبة المصنوعة من البورسلين والخشب المنحوت. بدا الجو داخل القاعة بارداً بشكل غير طبيعي، وكأن موجة صقيع هبطت من السماء لتستقر هنا.

تفقدت الدمى الأولى داخل الخزائن، كانت تقف بجمود تام وبأعين زجاجية ثابتة. تنفست الصعداء قليلاً، وظنت أن الهواء أو التيارات الهوائية هي التي فتحت الباب. لكنها، وحين همت بالاستدارة لإغلاق الباب، شعرت برعشة حادة تسري في عمودها الفقري.

توقفت، والتفتت مرة أخرى لتلقي نظرة على "الدمية الكبرى" في منتصف القاعة، دمية لامرأة ترتدي فستاناً أحمر داكناً، وتجلس على كرسي هزاز قديم.

في المرة الأولى التي مرت بها قبل ساعة، كانت الدمية تنظر بوجهها مستقيمًا نحو الباب.

أما الآن.. فقد كان رأس الدمية مستداراً بالكامل نحو اليمين، وعيناها الزجاجيتان تتابعان حركة نور بثبات مرعب ومخيف!

الفصل الرابع: الابتسامة التي تتسع

تراجعت نور إلى الخلف بخطوات متعثرة، وصدرت منها شهقة خوف مكتومة كادت تفضحها. سقط الكشاف من يدها على الأرض الخشبية، لكنه ظل مضاءً ليسلط ضوءه المائل مباشرة نحو كرسي الدمية الهزاز.

وسط ذلك الضوء الباهت، وببطء ميكانيكي غريب ومقزز، بدأت أصابع الدمية المصنوعة من الخشب المدهون تتحرك على مسند الكرسي. ثم.. انحنى فمها المصنوع بعناية فائقة، واتسعت شقتاه لتشكل ابتسامة عريضة ومظلمة، كأنها تسخر من رعبها وضعفها.

لم تتحمل نور رؤية المزيد. التقطت الكشاف بسرعة البرق، وركضت عائدة نحو الردهة الرئيسية بأقصى سرعة يسمح بها خوفها، وأغلقت باب الردهة خلفها وربطته بمزلاج حديدي ثقيل، ثم جلست خلف الطاولة وهي تلهث بعنف وتبكي بدموع حارقة، مرتدفة بكلمات غير مفهومة من شدة الهلع.

نظرت إلى شاشات الكاميرات مرة أخرى وهي ترتجف.

وهنا.. كانت الصدمة الكبرى.

في كاميرات المراقبة، لم تكن الدمية ذات الفستان الأحمر وحدها من تحركت. كل الدمى في القاعات المجاورة بدأت تخرج من خزائنها الزجاجية الواحدة تلو الأخرى، بطريقة ميكانيكية وثقيلة، وتملأ الممرات بصوت طقطقة خشبية مرعبة تشبه حركة العظام المكسورة، وهي تسير ببطء متجهة نحو الردهة الرئيسية حيث تجلس نور وحيدة!

الفصل الخامس: طرقات خلف الباب الحديدي

أصبح صوت الطقطقة والاحتكاك الخشبي أقرب وأقرب. كان قادماً من الممر المظلم المؤدي إلى طاولة الحراسة.

"طك.. طك.. طك.. طك.."

صوت أقدام خشبية صغيرة وثقيلة تضرب أرضية الممر بتناغم غريب ومخيف. أغلقت نور عينيها بقوة، ووضعت يديها على أذنيها لتمنع نفسها من سماع ذلك الصوت المريع، وكانت تردد بصوت منخفض ومرجف: "هذا غير حقيقي.. هذا كابوس وسأستيقظ منه الآن."

لكن الأصوات لم تتوقف. بل وصلت مباشرة إلى باب الردهة الخشبي السميك الذي تفصلها عنه بضع خطوات فقط.

ثم.. سُمع صوت خدش أظافر على الخشب، تلاه صوت بشري باهت وبارد، يشبه صوت تسجيل صوتي قديم ومشوه، ينادي باسمها من خلف الباب:

"يا نور.. لماذا أغلقتِ الباب في وجهنا؟ نحن لسنا غرباء.. نحن سكان هذا القصر.. افتحي لنا لنلعب معك."

تجمّد الدم في عروق نور. لم تكن هذه أصوات دمى صامتة، بل كانت أرواحاً محبوسة في ذلك الخشب الملعون، تسعى لضم أي شخص جديد إلى مجموعتها.

الفصل السادس: الاقتحام والخروج إلى المجهول

بدأت الضربات القوية تنهال على الباب الخشبي من الخارج. ضربات متتالية وثقيلة تشبه ضربات مطارق حديدية، وبدأ الخشب يتشقق ببطء من المنتصف.

أدركت نور أن الباب لن يتحمل أكثر من ثوانٍ معدودة. التفتت حولها بيأس تبحث عن مخرج آخر، فلم يكن في الغرفة سوى نافذة صغيرة وعالية مطلة على الفناء الخلفي المظلم للمتحف، تحيط بها أسوار شائكة.

لم تعد تفكر في أي شيء سوى النجاة بحياتها. قفزت فوق الطاولة، ومدت يديها نحو النافذة العالية، وفتحت قفلها الصدئ بكل قوتها بينما كانت الضربات تتزايد على الباب وتوشك على تحطيمه كلياً.

وفي اللحظة التي انكسر فيها باب الردهة وسقطت قطعه الخشبية على الأرض، وانكشفت وجوه الدمى الشاحبة والبارزة من الظلام بعيونها الزجاجية المظلمة.. كانت نور قد قفزت للتو من النافذة نحو الخارج، وسقطت على العشب البارد في الفناء الخارجي.

لم تلتفت خلفها أبداً. ركضت بأقصى سرعة ممكنة نحو سور المتحف الخارجي، وتسلقته رغم الجروح والخدوش التي أصابت يديها، لتخرج إلى الشوارع المظلمة لقرية "جبل الرخام"، وهي تصرخ وتستغيث بأول منزل تصادفه في طريقها.

الفصل السابع والأخير: الصباح الذي لا يمحو الأثر

في صباح اليوم التالي، وصلت الشرطة المحلية إلى متحف القصر العتيق، برفقة المدير السيد فؤاد. دخلوا المتحف فوجدوا الباب الرئيسي للردهة محطماً، والدمى كلها مبعثرة بطريقة غريبة في الممرات، وكأنها عادت إلى مكانها بعد رحلة طويلة في الليل.

لم يجدوا أي أثر لنور داخل المبنى، سوى كشافها اليدوي الملقى بجانب قاعة العرض الرئيسية، ومفتاح الحراسة الملقى على الأرض.

ومنذ ذلك اليوم، أُغلق المتحف نهائياً، وانتشرت شائعات مرعبة بين أهل القرية بأن من يدخل قصر مارتن غراي بعد منتصف الليل، لا يخرج كاملاً، بل يُترك نصفه البشري في الخارج، بينما يتحول النصف الآخر إلى دمية خشبية جديدة تضاف إلى رفوف القاعة الرئيسية، بابتسامة باردة لا تنام أبداً.


تعليقات

المشاركات الشائعة