بحث هذه المدونة الإلكترونية
مدونة أدبية تأخذكم في رحلة بين تلافيف الذاكرة وعمق المشاعر الإنسانية. نقدم هنا قصصاً ملهمة، وحكايات غموض نفسي تثير الفضول، ومواقف اجتماعية دافئة تلامس قلوبكم وتترك في نفس كل قارئ أثراً وعِبرة.
مميزة
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
محطة المفقودين (رقم 107): قصة رعب قطار المترو الذي لا يعود منه أحد
"ماذا ستفعل لو استقليت قطار المترو الأخير للعودة إلى منزلك، لتكتشف بعد فوات الأوان أن القطار توقف في محطة غير موجودة.. وأن الشاشات تعرض أهلك وهم يبحثون عنك كشخص مفقود؟"
الفصل الأول: قطار في منتصف الليل
كان عقرب الساعة يشير إلى الثانية عشرة وخمس والأربعين دقيقة صباحاً. كنت أقف على رصيف محطة المترو الرئيسية، أفرك يدّي المتجمدتين من برد الشتاء القارس، وأنتظر القطار الأخير ليأخذني إلى ضاحيتي الهادئة بعد يوم عمل طويل وشاق في وسط المدينة.
الرصيف كان شبه خالٍ تماماً، إلا من رجل أمن مسن كان يغفو وهو جالس على مقعد خشبي، وعامل نظافة يجر عربته ببطء في الطرف الآخر من الرصيف. أصداء أصوات قطرات الماء التي تتساقط من سقف المحطة القديمة كانت تملأ المكان بصوت رتيب مزعج. كنت أتمنى لو أصل المنزل سريعاً، وألقي بنفسي على السرير الدافئ.
بعد دقائق، سمعت صريراً حاداً ومألوفاً لعجلات معدنية تحتك بقضبان السكك الحديدية. ظهرت أضواء صفراء باهتة وخافتة من نفق الظلام، وتباطأت حركة القطار حتى توقف تماماً أمامي مباشرة. فُتحت أبواب القطار الأوتوماتيكية بصوت خافت يشبه الأنين.
لم ألاحظ أي شيء غريب في البداية. صعدت إلى العربة الأولى، وبابها أغلق خلفي فوراً بصوت مكتوم. نظرت حولي لتحديد مقعد مناسب، ولاحظت أن العربة شبه فارغة، لم يكن فيها سوى أربعة أشخاص فقط، جالسون في صمت مطبق.
لم يعرني أحد منهم أي اهتمام، رجل بملابس رسمية ممزقة قليلاً، امرأة عجوز تحدق بيدها الفارغة، وشابان يرتديان معاطف ثقيلة وينظران إلى الفراغ بأعين زجاجية. جلست في مقعد فردي بالقرب من النافذة الزجاجية المتسخة بالغبار، وأخرجت هاتفي المحمول لأتفقد الرسائل، لكن الشاشة أظهرت علامة "لا توجد شبكة". تنهدت بملل، وأسندت رأسي إلى زجاج النافذة البارد، منتظراً أن تبدأ الرحلة.
الفصل الثاني: المحطة التي لا تظهر على الخريطة
تحرك القطار بسلاسة غريبة، لم تكن هناك أي اهتزازات مزعجة، بل كان يسير بنعومة تامة وسط الظلام الدامس داخل النفق. مرت دقيقة.. دقيقتان.. وخمس دقائق، ولم يعلن مكبر الصوت الصوتي عن اسم المحطة القادمة كالمعتاد.
بدأت أشعر بالقلق حين لاحظت أن لوحة المؤشرات الرقمية الصغيرة الموجودة أعلى باب العربة، والتي تعرض عادة أسماء المحطات التالية، كانت مطفأة تماماً وتصدر وميضاً أحمر خافتاً ومتقطعاً.
مرت عشرون دقيقة أخرى، وهذا طويل جداً للوصول إلى محطتي التي لا تتطلب سوى عشر دقائق في العادة. وفجأة، تباطأت سرعة القطار بشكل تدريجي حتى توقف تماماً.
انطفأت أضواء العربة الرئيسية بالكامل، ولم يتبقَ سوى مصابيح طوارئ حمراء باهتة تلقي ظلالاً على وجوه الركاب الصامتين.
فتحت أبواب القطار من الجانب الأيمن. خارج النافذة، كانت هناك محطة مظلمة ومهجورة تماماً. لم تكن هناك لوحات إعلانية، ولا مقاعد، ولا حتى عمال أمن. على الحائط المظلم للمحطة، كانت هناك لوحة معدنية قديمة ومصدئة، كُتب عليها بخط مائل وباهت رقم لم أره من قبل في أي خريطة لشبكة المترو:
"المحطة: 107"
عقدت حاجباي بذهول وريب. محطة 107؟ أنا أعلم جيداً أن خطوط المترو لا تتجاوز المحطة رقم 45. من أين أتت هذه المحطة؟ ولماذا توقف القطار هنا رغم أنه ليس مدرجاً في الجدول؟
نظرت حول في العربة، آملاً أن يسأل أحد الركاب عما يحدث، لكن أحداً لم يتحرك. الجميع ظلوا جالسين في نفس وضعياتهم الجامدة، كأنهم تماثيل من شمع.
الفصل الثالث: الشاشات التي تعرض وجهك
قررت في تلك اللحظة أن هذا الوضع لا يطاق. ربما حدث عطل فني في مسار القطار، ويجب علي النزول للبحث عن مخرج طوارئ أو درج يؤدي إلى الشارع. نهضت من مقعدي، واتجهت بخطوات سريعة نحو باب العربة المفتوح أمام رصيف المحطة المظلمة.
لكن، وقبل أن أضع قدمي خارج الباب، حدث شيء أرعبني حتى الصميم.
انزلقت ألواح الأبواب الفولاذية بسرعة فائقة لتغلق في وجهي بصوت اصطدام معدني قوي، وكأنها ترفض تماماً خروجي. تراجعت للخلف متعثراً، وسقطت على المقعد القريب.
رفعت نظري إلى الشاشة الرقمية الصغيرة أعلى الباب، تلك التي كانت مطفأة قبل قليل. لقد عادت للعمل، لكنها لم تكن تعرض اسم محطة أو اتجاه قطار. كانت تعرض بثاً مباشراً عالي الجودة، وكأنها كاميرا تلفزيونية موجهة نحو مكان ما.
دققت النظر في الشاشة، وتجمد الدم في عروقي.
لم يكن بثاً عاماً، كانت الشاشة تعرض غرفة جلوس منزلنا. وكانت والدتي تجلس على الأريكة، تبكي بمرارة وهي تمسك بهاتفي المحمول، وبجانبها أخي الأصغر يتحدث بنبرة منكسرة إلى رجل شرطة يرتدي الزي الرسمي، بينما كانت شريط إخباري عاجل يمر أسفل الشاشة يحمل اسمي الثلاثي:
"فقدان الشاب (خالد المنصور) في ظروف غامضة، والشرطة تناشد المواطنين الإدلاء بأي معلومات عن مكان اختفائه منذ منتصف الليل."
شعرت وكأن صاعقة ضربت رأسي. كيف يعقل هذا؟ أنا جالس هنا أمامهم في القطار، وحي أرزق، ولم يمضِ على مغادرتي للمنزل سوى أقل من ساعة! لماذا يبحثون عني كشخص مفقود؟ لماذا تظهر عائلتي على شاشة داخل قطار في محطة غير موجودة.
الفصل الرابع: وجوه من الماضي الحزين
نظرت ببطء شديد إلى الركاب الآخرين الجالسين حولي في العربة، وأنا أتنفس بصعوبة بالغة وكأن الهواء قد نفد من صدري. للمرة الأولى، دققت النظر في ملامحهم بدقة شديدة تحت ضوء المصابيح الحمراء الباهتة.
الرجل الذي كان يرتدي بدلة مهندسين، وعليه شارة عمل قديمة تعود لشركة أغلقت أبوابها قبل عشرة أعوام. المرأة العجوز كانت ترتدي معطفاً صوفياً قديماً طراز سبعينيات القرن الماضي، وتنظر إلى ساعة جيب قديمة لا تعمل.
اقتربت من الرجل الأقرب إلي، ومددت يدي المرتجفة لألمس كتفه، وأنا أقول بصوت خافت ومرتعش:
"أيها السيد .. أرجوك.. هل تسمعني؟ ما هذا المكان؟ لماذا تعرض الشاشة أهلي وهم يبحثون عني؟"
استدار الرجل ببطء شديد، وكأن مفاصل رقبته تصدر أصوات احتكاك جافة. حين نظر إليّ، لم يكن له بؤبؤ عين، كانت عيناه بيضاوين تماماً كالزجاج الحليبي، وابتسم بابتسامة خالية من أي حياة، وقال بصوت يشبه حفيف أوراق الشجر اليابسة:
"لقد دخلتَ القطار يا بني.. وحين تغلق الأبواب خلفك، يفقد العالم الخارجي القدرة على تذكرك.. في البداية يبحثون عنك، ثم تبدأ ذكرياتهم عنك في التلاشي يوماً بعد يوم، حتى تصبح مجرد اسم على صفحة قديمة منسية في أقسام الشرطة."
هززت رأسي بعنف وأنا أصرخ:
"أنت تهذي! أنا لست ميتاً! أنا كنت أعمل اليوم في مكتبي، وركبت القطار للتو للعودة إلى البيت!"
أشار الرجل بعينيه الباهتة نحو الشاشة العلوية. انقطع البث المباشر لعائلتي، وحل محله مقطع مصور آخر، كان يظهر فيه أصدقائي في العمل وهم يقومون بتفريغ مكتبي وأخذ أغراض الشخصية، ويقول أحدهم ببرود: "غريب.. لم يكن لخالد أصدقاء كثر أو عائلة مقربة حقاً، سننسى أمره قريباً."
كلماته وقعت على روحي كالمطرقة الثقيلة. أدركت حينها الحقيقة المرعبة التي حاولت الهروب منها: هذا القطار لا يسير على قضبان مدينة الأحياء، بل هو معبر غامض يختطف البشر الذين يعبرون الخط الفاصل بين الحياة والموت أثناء إرهاقهم الشديد أو شرودهم العميق في منتصف الليل. بمجرد صعودك وتجاوز المحطة رقم 107، يبدأ العالم الحقيقي في نسيانك تماماً، وتتلاشى صلتك بالزمن الذي كنت تنتمي إليه.
الفصل الخامس: محاولة الهروب المستحيلة
فقدت صوابي بالكامل. أخذت أركض بجنون داخل العربة المظلمة، أضرب بقبضتي على زجاج النوافذ الحديدية بكل قوة، وأحاول فتح باب الفاصل بين العربات بجهد هائل، لكن الأقفال كانت صلبة كأنها ملحومة بالحديد الصدئ.
على الشاشة، بدأ اسمي يظهر ببطء وهو يختفي حرفاً بحرف من شريط الأخبار العاجلة، وكأن شيئاً ما يمحوه من السجلات الرسمية للعالم الخارجي.
تحرك القطار مجدداً بهدوء، مستأنفاً رحلته في نفق الظلام الدامس. أدركت أنني إذا استمررت في هذا المقعد، فسيأتي اليوم الذي لا تتذكرني فيه حتى والدتي، وسأتحول إلى مجرد تمثال صامت آخر يجلس في هذا القطار.
جمعت آخر ما تبقى في جسدي من شجاعة ويأس، واندفعت نحو باب الطوارئ اليدوي الموجود في نهاية العربة، والذي كان مغطى بشريط تحذيري قديم. أمسكت بالذراع المعدنية الثقيلة، واستخدمت كل وزني وقوتي لدفعها للأسفل.
"طَقْ.. صريييير مدوٍ!"
انفتح الباب جزئياً، وتدفق هواء النفق البارد والعنيف ليلطم وجهي بقوة، محدثاً صجيجاً أصم الآذان. خارج الباب، كانت القضبان تسير بسرعة هائلة في الظلام الحالك. لم يكن هناك سوى الموت المحقق إذا قفزت هنا، لكن الموت أفضل ألف مرة من أن تُحذف من ذاكرة البشر وتصبح شبحاً بلا اسم.
نظرت خلفي للمرة الأخيرة، كان الركاب الصامتون يراقبونني بأعينهم الزجاجية الباهتة، ووجوههم تبدأ في التلاشي ببطء تحت الضوء الأحمر الباهت.
أغمضت عيني، وأخذت نفساً عميقاً، وقبل أن تتغلب عليّ الخسارة النهائية، ألقيت بنفسي خارج القطار المتحرك إلى ظلام النفق العابر.
الفصل السادس: عتمة ما بعد السقوط
شعرت بارطام عنيف بكتفي على الأرضية الخشنة، تلاه دحرجة لا تنتهي وسط الحصى البارد والتراب الرطب. أصوات العجلات الحديدية للقطار ابتعدت تدريجياً في الأعماق، حتى اختفى صوتها تماماً، وحل مكانها صمت مميت ومطبق.
فتحت عيني ببطء شديد. كنت أستلقي على جانب رصيف إسمنتي مظلم ومغبر. لم تكن هناك أنفاق مترو، ولا قضبان حديدية، ولا قطارات. كنت أستلقي تحت جسر قديم مهجور في أطراف المدينة المظلمة، حيث لا يضيء المكان سوى ضوء خافت وقصير لعمود إنارة مكسور في الشارع العلوي.
نهضت من مكاني بصعوبة بالغة، وكان جسدي كله يؤلمني، وآثار الجروح والكدمات تملأ ذراعي وساقي. أخرجت هاتفي المحمول بيدي المرتجفة، وضغطت على زر التشغيل.
ظهرت الشاشة.. وللمرة الأولى منذ ساعات طويلة، ظهرت إشارة الشبكة قوية وواضحة (4G).
تنفس الصعداء بشكل جنوني، وانهمرت دموعي بغزارة على وجهي. لقد عدت.. لقد عدت إلى العالم الحقيقي!
فتحت قائمة المكالمات الفائتة بسرعة، ووجدت عشرات الاتصالات من أمي وأخي. ضغطت فوراً على زر الاتصال برقم والدتي، وقلبي يدق بعنف وكأنه سيخترق صدري.
رن الهاتف مرتين، ثم أجابت أمي بصوت متعب ومتحشرج بالبكاء:
"خالد؟! يا بني.. أين أنت؟ الشرطة تبحث عنك منذ الصباح! لقد أقلقَتَنا كثيراً!"
أجبتها بصوت متهدج ومختنق بالدموع:
"أنا بخير يا أمي.. أنا في طريقي إلى البيت.. أقسم أنني بخير."
أغلقت الخط، وبدأت أمشي بخطوات سريعة نحو الشارع العام المضيء، متطلعاً إلى أضواء السيارات والبيوت العادية، وأنا أشعر بالدفء يسري في عروقي من جديد.
لكن.. وبينما كنت أسير، مررْت أمام واجهة زجاجية لعقار تجاري مظلم ومغلق، فوقع نظري صدفة على انعكاسي في الزجاج.
توقف قلبي عن الخفقان.
لم يكن انعكاسي يعكس وجهي البشري المعتاد، بل كان وجه رجل شاحب بلا ملامح واضحة، عيناه زجاجيتان وباردتان، يبتسم بابتسامة خالية من الحياة، تماماً كأولئك الركاب الذين تركتم خلفي في العربة رقم 107.
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
المشاركات الشائعة
أسرار الغرفة المغلقة.. حين تقودنا خريطة قديمة إلى كنز من الذكريات
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
متجر الساعات التي لا تقيس الوقت
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى

تعليقات
إرسال تعليق