بحث هذه المدونة الإلكترونية
مدونة أدبية تأخذكم في رحلة بين تلافيف الذاكرة وعمق المشاعر الإنسانية. نقدم هنا قصصاً ملهمة، وحكايات غموض نفسي تثير الفضول، ومواقف اجتماعية دافئة تلامس قلوبكم وتترك في نفس كل قارئ أثراً وعِبرة.
مميزة
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
بئر الجبرة المهجورة: كابوس القرية الملعونة والنداء الخفي
الفصل الأول: العودة إلى القرية التي تنسى الشمس
هناك قرى في هذا العالم لا تظهر على الخرائط الرسمية، وكأن الأرض نفسها تحاول إخفاءها عن أعين العابرين. قرية "أم الرماد" كانت واحدة من تلك الأماكن، بيوتها القديمة المكونة من الطين والحجارة السوداء تبدو وكأنها تآكلت بفعل الزمن والنسيان. أزقتها ضيقة وموحشة، وتفوح منها دائماً رائحة التراب الرطب والأعشاب الميتة.
بعد سنوات طويلة قضاه بعيداً عن أصوله العائلية، وسط صخب المدن الكبرى وضوضائها، قرر "سالم" العودة إلى القرية ليرث منزل جده الراوي القديم، ويقوم بترميمه ليكون هادئاً وبعيداً عن ضغوط العمل. وصل سالم إلى القرية مع غروب الشمس، حيث كانت السماء تكتسي بلون أحمر داكن كأنه لون الدم، بينما كانت الرياح تصدر أحياناً أصواتاً تشبه الأنين بين الجدران المتهالكة.
استقبله الفرد الوحيد الباقي من كبار السن في القرية، العم "مبارك"، وهو رجل عجوز تجاوز التسعين، تجعد وجهه كأنه ورقة قديمة، وتتدلى حواجب كثيفة فوق عينين حادتين لا تفارقهما نظرة الريبة. حين رأى سالم يفرغ حقائبه أمام باب منزل جده، اقترب منه ببطء، مستنداً على عصاه الخشبية، ووضع يده الباردة والمجعدة على ساعد سالم قائلاً بصوت خافت ومتحشرج:
"أهلاً بك يا بني في دار جدك.. لكن اسمع مني نصيحة لا تبادلها بالاستهزاء: ابق في بيتك حين تغيب الشمس. وإياك.. إياك أن تقترب من أطراف الوادي، أو تتلفت نحو بئر الجبرة المهجورة."
ابتسم سالم بتهذيب، وظن أن العجوز يكرر الأساطير القديمة التي تُقال عادة لتخويف الصغار، فهز رأسه موافقاً ليرتاح العجوز، ودخل منزله متجاهلاً تلك التحذيرات التي ستتحول لاحقاً إلى كابوس.
الفصل الثاني: أشجار السدر الملتفة
في اليوم الثالث لاستقراره في المنزل القديم، وبينما كان سالم يفكك بعض الصناديق القديمة في غرفة الجد، عثر على خريطة جلدية قديمة مرسومة بخط اليد، توضح معالم القرية ومحيطها الجبلي. لفت انتباهه وجود رسم دائري صغير في أقصى الطرف الشمالي للوادي، ومكتوب تحته بخط بارز: "بئر الجبرة.. باب الاسفل".
أثار الفضول الشاب في نفس سالم، فمنذ صغره كان يحب المغامرات والألغاز، ولم يكن يصدق تلك الخرافات الشعبية عن الأرواح والجن التي تتناقلها ألسنة العجائز. قرر أن يذهب بنفسه ليرى هذا المكان الملعون، ويوثق كونه مجرد بئر مياه قديمة جفت منذ عقود.
في منتصف بعد الظهر، حمل كشافاً يدوياً وهاتفه المحمول، وانطلق نحو الوادي الشمالي. كلما ابتعد عن البيوت المأهولة، كلما ازدادت الوحشة كثافة، انقطعت أصوات الحياة، واختفت الطيور تماماً من السماء. أصبحت الأشجار الجافة تحيط بالطريق، وتتحول تدريجياً إلى أشجار سدر عملاقة وقديمة جداً، جذوعها سوداء ومتشابكة بشكل غريب كأنها أذرع بشرية ملتوية تحاول الإمساك بالمارة.
أرض الوادي كانت مغطاة بطبقة سميكة من الأوراق الميتة التي تصدر صريراً جافاً تحت خطواته، ورائحة غريبة تفوح في الجو، تشبه رائحة الكبريت. بعد مسيرة نصف ساعة بين الصخور الملساء، ظهرت أمامه البئر.
الفصل الثالث: حافة البئر المظلمة
كانت بئر الجبرة عبارة عن فتحة دائرية محاطة بأحجار سوداء ضخمة ومصفوفة بعناية فائقة، لكنها بدت مروعة، لم يكن لها جدار علوي تحصيني، وكانت فتحتها واسعة ومظلمة بشكل مخيف. اقترب سالم بحذر شديد، ووقف على الحافة الحجرية، ثم سلط ضوء كشافه القوي إلى الأسفل.
لكن الضوء.. لم يصل إلى القاع!
امتصت العتمة الكثيفة شعاع الكشاف كلياً، وبدا العمق وكأنه فجوة لا قرار لها، تؤدي إلى قلب الأرض المظلم. هبت فجأة ريح باردة وقوية من داخل البئر، محملة بصوت صرير معدني خافت، وكأن أحداً ما يجر قطعة حديدية ثقيلة في الأسفل.
تراجع سالم خطوة إلى الوراء، وشعر برجفة خفيفة تسري في أطرافه. همّ بالاستدارة والمغادرة فوراً، مقتنعاً بأن هذا المكان ينضح بالوحشة، وحينها تردد صدى صوت بشري ناعم وواضح يخرج من أمعاء البئر:
"سالم.. لماذا تأخرت؟ لقد انتظرت طويلاً في الظلام."
تجمّد في مكانه. اتسعت عيناه هلعاً. كيف عرف هذا الصوت اسمه وهو لم يحدث أحداً بمجيئه؟!
اقترب مرة أخرى من الحافة مذهولاً، ونادى بصوت مرتجف: "من.. من هناك؟ هل يوجد أحد ساقط في البئر؟"
جاء الرد سريعاً من القاع، لكن هذه المرة بصوت امرأة يبدو عليها التعب والألم:
"أنا هنا.. وقعت في الأسفل ولا أستطيع الصعود.. رجاءً، امدد لي يدك، أو ألقِ بحبل.. البرد يقتلني."
شعر سالم بحيرة شديدة،
هل هي امرأة حقيقية سقطت في البئر عن طريق الخطأ؟ لكن كيف بقيت حية في هذا القاع العميق؟ وقبل أن يمعن التفكير، نظر إلى الأسفل مرة أخرى، فرأى وميضاً خفيفاً لحركة بقعة بيضاء تشبه ثوب امرأة يتحرك في العمق المظلم.
الفصل الرابع: بداية المطاردة المنزلية
رغم الخوف الذي كان يعتصر قلبه، قرر سالم العودة سريعاً إلى القرية ليحضر حبلاً طويلاً ومساعدة لإنقاذ من في البئر. ركض في طريق العودة بين أشجار السدر المتشابكة، وكان شعور الالتفاف للخلف يطارده في كل خطوة، كأن مئات العيون تراقب ظهره وتتحرك بين الأشجار بصمت مميت.
وصل إلى منزل جده وهو يلهث بعنف، وعرق بارد يتصبب من جبينه. أغلق الباب الخشبي الثقيل بإحكام، ووضع المزلاج الحديدي، واستند على الجدار يحاول استعادة أنفاسه.
لكن.. الهلع الحقيقي لم ينتهِ عند هذا الحد.
بينما كان واقفاً في صالة المنزل المظلمة، سمع صوت خطوات خفيفة وبطيئة تطأ فوق سطح المنزل!
طك.. طك.. طك..
تسمّر سالم في مكانه. لم يكن هناك أحد فوق السطح، فالمنزل مكون من طابق واحد ولا يوجد سلم خارجي يوصل إليه. وفجأة، تردد صوت خدش أظافر على الباب الخشبي من الخارج، تلاه صوت امرأة تهمس من خلف الخشب ببرود تام:
"لماذا أغلقت الباب يا سالم؟ أنا لم أصل إلى بيتك بعد.. افتح لي."
فقد سالم صوابه من شدة الرعب. تراجع إلى زاوية الصالة، ورفع بصره نحو النافذة الزجاجية الصغيرة المطلة على الفناء. وفي ضوء القمر الشاحب الذي كان يتسلل عبر الزجاج، لم يرَ فناء المنزل الخارجي، بل رأى وجوهاً غريبة ومشوّهة تلتصق بالزجاج من الخارج، وتنظر إليه بعيون خالية من الحدقة وبفم مفتوح على مصراعيه، وكأنها تبتسم له بشر.
الفصل الخامس: الانعکاسات التي تتحدث
هرب سالم إلى غرفة النوم، وأغلق الباب خلفه بإحكام، وأشعل المصباح الصغير على الطاولة. كان يرتجف بعنف كمن يصيبه حمى شديدة. جلس على السرير، وحاول إقناع نفسه بأنه يعاني من هلوسة بصرية وسمعية نتيجة التعب ومجهود المشي الطويل.
نظر أمامه نحو المرآة القديمة المعلقة على جدار الغرفة.
وهنا.. كاد قلبه ان يتوقف عن النبض تماماً.
انعكاسه في المرآة.. لم يكن هو!
كانت الصورة في الزجاج تقف بملابسه نفسها، لكن رأسها كان مائلاً إلى الأمام بزاوية غريبة، وبدأت الابتسامة الشيطانية تتسع على وجه الانعكاس حتى وصلت إلى أذنيْه.
فتح الانعكاس فمه داخل الزجاج، وخرج صوته الصاخب والمجلجل داخل الغرفة مباشرة دون أن يحرك سالم شفتيه:
"لقد أجبت النداء يا سالم.. ومن يجيب نداء بئر الجبرة، يصبح جزءاً من سفلها الأبدي. أنت لست في بيتك.. أنت الآن تحت الأرض معنا."
بدأت جدران الغرفة تتمايل وتتغير ألوانها من الأبيض القديم إلى لون أسود داكن ورطب، وبدأت رائحة التراب والكبريت تملأ المكان لدرجة الاختناق. حاول سالم الصراخ بأقصى طاقته، لكن صوته حبس في حلقه ولم يخرج سوى أنين ضعيف.
الفصل السادس: الظلال المنفصلة
في تلك اللحظة، انطفأ المصباح الكهربائي فجأة، وغرقت الغرفة في ظلام دامس. لكن الظلام لم يكن فارغاً، بدأت ظلال أثاث الغرفة والسرير والدولاب تنفصل عن الجدران والأرضيات، وتتحرك ببطء على شكل كائنات طويلة وداكنة تتسلق نحوه من كل اتجاه.
كانت الأيدي الباردة وغير المرئية تمتد من العتمة لتلمس كتفيه ورجليه، وتجرّه ببطء نحو الأرض. حاول مقاومتها بكل ما أوتي من قوة، لكن جسده كان مشلولاً تماماً وكأن سحراً ثقيلاً يقيده إلى الفراش.
وفي ضوء البرق الخاطف الذي ضرب خارج النافذة، رأى وجه العجوز "مبارك" يقف في زاوية الغرفة المظلمة، ينظر إليه بملامح باردة وصامتة، ويهز رأسه ببطء كأنه يقول: "لقد حذرتك.. لكن الفضول قتل صاحبه."
الفصل السابع والأخير: بئر بلا نهاية
في صباح اليوم التالي، كانت شمس القرية ساطعة كالعادة، وكانت الحياة تسير بروتينها البطيء والصامت.
مر العم مبارك أمام منزل جد سالم القديم، فوجد الباب الخشبي مفتوحاً على مصراعيه. اقترب بحذر، ونظر إلى الداخل، فلم يجد أحداً في الصالة. لم تكن هناك سوى حقيبة سالم الملقاة على الأرض، وهاتفه المحمول المفتوح على مقطع فيديو قصير التقطه بنفسه قبل اختفائه.
أخذ العجوز الهاتف بيده المرتجفة، وشغل الفيديو. ظهر سالم في التسجيل وهو يقف ليلاً على حافة بئر الجبرة المظلمة، ينظر إلى الأسفل ويسأله بصوت مرجف: "من هناك؟"
ثم انقطع التسجيل بصوت صرخة حادة ومرعبة.
أغلق العجوز الهاتف، وألقى نظرة أخيرة نحو أفق الوادي الشمالي حيث تلتف أشجار السدر القديمة، ثم تنفس بعمق وقال بصوت خافت لنفسه:
"عادت روح جديدة إلى البئر.. ولن ترى القرية وجهاً لهذا الشاب مرة أخرى للأبد."
وفي أعماق بئر الجبرة السحيقة، في الظلام المطلق والبرد القارص، كان سالم يتمدد على قاع رطب، يفتح عينيه المليئتين بالذعر، بينما كان ألف صوت يهمس حوله في العتمة: "أهلاً بك في بيتك الجديد.. لا داعي للخروج بعد الآن."
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
المشاركات الشائعة
أسرار الغرفة المغلقة.. حين تقودنا خريطة قديمة إلى كنز من الذكريات
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
متجر الساعات التي لا تقيس الوقت
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى

تعليقات
إرسال تعليق