الفصل الأول: النول الذي لا يرحم
كان الصمت في هذا البيت يشبه سجادة عتيقة تراكم عليها الغبار حتى كتمت أنفاس الغرف. في الطابق العلوي من منزل ريفي قديم، تقع جدرانه خلف حقول القمح الممتدة التي لا تنتهي، كانت تجلس إيلين. فتاة في أوائل العشرينيات، بعينين واسعتين بلون العسل المصفى، لكنهما تحملان نظرة تائهة، نظرة شخص يرى العالم من خلف لوح زجاجي سميك.
منذ ستة أشهر، انطفأ صوت إيلين. لم يكن هناك أي سبب عضوي، الأطباء فحصوا حبالها الصوتية مراراً، وتأملوا أشعة دماغها المغناطيسية، ثم هزوا رؤوسهم بقلة حيلة قائلين إنها "صدمة نفسية حادة أغلقت قفل الكلام". الصدمة كانت ليلة اختفاء شقيقها الأصغر، ليو، الذي خرج إلى الحقول ولم يعد قط. منذ تلك الليلة، لم تنطق إيلين بحرف واحد، ولم تبكِ حتى. دخلت في صمت اختياري مطبق، وكأنها قررت أن الكلام لم يعد مجدياً في عالم يبتلع البشر.
لكي لا تفقد عقلها، سحبت إيلين نولاً خشبياً ضخماً كان يخص جدتها الراحلة، ووضعته في زاوية غرفتها أمام النافذة الكبيرة المطلة على الحقول. بدأت تحيك. لم تكن مجرد حياكة عادية، كانت يداها تتحركان بسرعة مذهلة، وأصابعها النحيلة تغزل خيوط الصوف الملونة بكفاءة آلة صماء. كانت الخيوط تصدر صوتاً رتيباً خافتاً، "تشيك... تشيك... تشيك"، وهو الصوت الوحيد الذي كان يكسر سكون الطابق العلوي.
في الطابق السفلي، كان يجلس والدها، ريتشارد، رجل خمسيني ذو ملامح قاسية حفرت فيها الحياة أخاديد عميقة. كان يعمل في تجارة الأراضي، ودائم الانشغال بحساباته وأوراقه، ونادراً ما ينظر في عيني ابنتها الصامتة. أما زوجة أبيها، كلارا، فكانت امرأة باردة الأعصاب، تتحرك في المنزل بخطوات خفيفة كالأفعى، وتراقب إيلين بنظرات تحمل مزيجاً من الضيق والريبة.
في أحد أيام الخريف الباردة، عندما كانت الشمس تغيب خجولة خلف التلال، انتهت إيلين من حياكة لوحتها الصوفية الأولى. كانت السجادة الصغيرة معلقة على النول، مزيجاً من الخيوط الرمادية والسوداء والبيضاء. عندما دخلت كلارا الغرفة لتضع طبق العشاء، وقعت عيناها على اللوحة.
تجمدت كلارا في مكانها. سقطت الصينية المعدنية من يدها ليصطدم طبق الحساء بالأرض ويتحطم محدثاً جلبة شديدة.
لم تكن اللوحة مجرد أشكال هندسية عشوائية. كانت تفاصيل الخيوط المشدودة تُشكل بوضوح واجهة خلفية المنزل الريفي في الليل، وتحت شجرة الصفصاف العتيقة، كانت هناك خيوط حمراء داكنة تتشابك لتصنع شكل "حقيبة جلدية سوداء" مدفونة تحت التراب، وفوقها خيوط بيضاء تشبه أصابع يد صغيرة تحاول الخروج.
"ما هذا... ما هذا الذي حكتِهِ يا إيلين؟" سألت كلارا بصوت متقطع، وشحب وجهها حتى صار بلون الجدار.
لم تجب إيلين. نظرت إلى زوجة أبيها بهدوء، ثم عادت وأمسكت بمكوك النول، وبدأت تسحب خيطاً أزرق داكناً جديداً، لتستأنف الحياكة بإيقاعها الرتيب: "تشيك... تشيك... تشيك".
الفصل الثاني: لغة الألوان الممنوعة
نزلت كلارا إلى الطابق السفلي مفرعنة، وأخبرت ريتشارد بما رأته. صعد الأب بغضب إلى غرفة ابنته، ودفع الباب بعنف. نظر إلى السجادة المعلقة، ورغم أنه حاول الحفاظ على قناع الجمود، إلا أن عضلات فكه تشنجت. الحقيبة الجلدية السوداء المرسومة بالخيوط كانت مطابقة تماماً للحقيبة التي كان يحفظ فيها عقود الأراضي والملفات السرية، والتي اختفت في نفس ليلة اختفاء ليو.
"من أين جئتِ بهذه الفكرة؟" صاح ريتشارد وهو يمسك بكتفي إيلين ويهزها. "هل رأيتِ شيئاً تلك الليلة؟ تكلمي! أم أنكِ تحاولين اللعب بأعصابنا؟"
ظلت إيلين صامتة كالصخرة. لم يرمش لها جفن، ولم تظهر أي علامة خوف. نظر ريتشارد إلى عينيها، فشعر ببرودة غريبة تجتاحه، كأن ابنتها لم تعد موجودة في هذا الجسد، بل تركت خلفها كائناً آخراً يحيك الأسرار. بغضب، سحب ريتشارد السجادة من النول ومزقها بعنف، ثم أخذ القطع ورماها في مدفأة الصالون لتلتهمها النيران.
لكن حياكة إيلين لم تتوقف. في اليوم التالي، اشترت خيوطاً جديدة باللون الأصفر الفاقع والبرتقالي الناري. جلست أمام نولها، وبدأت أصابعها تتحرك من الفجر حتى مغيب الشمس. هذه المرة، لم تكن اللوحة عن الماضي، بل كانت عن الحاضر.
حاكت إيلين مشهداً لرجل يرتدي معطف ريتشارد نفسه، وهو يقف في ممر مظلم ويلتقي بشخص بلا ملامح، ويمد له مغلفاً أبيض كبيراً. المفاجأة الكبرى كانت في التفاصيل الدقيقة: الساعة المرسومة على معصم الرجل بالخيوط الصفراء كانت تشير بدقة إلى الحادية عشرة والربع.
في تلك الليلة، في تمام الحادية عشرة والربع تماماً، سمعت إيلين من نافذتها صوت سيارة تتوقف عند أطراف الشارع المظلم. نظرت لأسفل، لتشهد والدها ريتشارد وهو يخرج بعباءة معطفه ليلتقي برجل غريب في الظلام، ويسلمه مغلفاً أبيض مليئاً بالأموال، تماماً كما رسمت في اللوحة قبل ساعات!
عندما عادت اللوحات تتوقع المستقبل بدقة مذهلة، تحول المنزل إلى سجن من التوتر النفسي. كلارا أصبحت تخاف الدخول إلى الغرفة، وريتشارد بدأ يشعر أن جدران بيته أصبحت مصنوعة من زجاج مكشوف أمام أصابع ابنته الصامتة. كانت إيلين تحيك الصمت، لكن خيوطها كانت تصرخ بالحقيقة.
الفصل الثالث: نبوءة الحريق والدم المنسوج
مر شهر آخر، واقترب الشتاء ببرده القارس. تحولت خيوط إيلين إلى اللون الأحمر القاني والرمادي الرمادي. كانت تحيك بلوحة ضخمة هذه المرة، سجادة تغطي النول بالكامل. استغرقت منها أسبوعاً كاملاً من العمل المتواصل دون نوم تقريباً. تحولت عيناها إلى بؤرتين محاطتين بهالات سوداء، لكن أصابعها كانت تزداد سرعة وضراوة، كأنها في سباق مع الزمن.
فضول كلارا القاتل دفعها للتسلل إلى الغرفة أثناء استحمام إيلين. اقتربت من النول ونظرت إلى اللوحة الجديدة. شهقت وضعت يدها على فمها لتكتم صرخة رعب.
اللوحة كانت تعرض مشهداً مرعباً: المنزل الريفي نفسه وهو يحترق، وألسنة لهب برتقالية وحمراء تخرج من نوافذ الطابق السفلي. وفي وسط النيران، كانت هناك امرأة (ملامحها وثيابها تطابق كلارا تماماً) مستلقية على الأرض، بينما خيوط سوداء تشبه الدخان تخنق أنفاسها. وفي زاوية اللوحة، كان هناك شكل طفل صغير (ليو) يقف وسط الحقول المظلمة، يشير بسبابتة نحو أرضية المطبخ.
هربت كلارا من الغرفة وهي ترتجف، وتوجهت فوراً إلى ريتشارد في مكتبه.
"ابنتك مجنونة! إنها تخطط لقتلنا! لقد رسمت حريق المنزل ورسمت موتي بالخيوط! يجب أن نرسلها إلى مصحة نفسية فوراً، أو نتخلص من هذا النول الملعون!"
تأثر ريتشارد بكلام زوجته، وقرر إنهاء هذا الكابوس. في تلك الليلة، انتظر حتى نامت إيلين من شدة الإرهاق. تسلل إلى غرفتها ومعه فأس حديدي ثقيل. اقترب من النول الخشبي العتيق وبدأ يضربه بعنف. تحطم الخشب وصنع شظايا متناثرة في أرجاء الغرفة. سحب السجادة الحمراء الكبيرة ومزقها بإرباً، ثم جمع الخيوط الممزقة والخشب المحطم، وأخذها إلى باحة المنزل الخلفية، وسكب عليها البنزين وأشعل فيها النيران.
استيقظت إيلين على ضوء اللهب المنعكس على جدار غرفتها. وقفت عند النافذة، تراقب النول الذي ورثته عن جدتها وهو يتحول إلى رماد. لم تبكِ، ولم تصرخ. فقط نظرت إلى والدها الذي كان يقف وسط النيران ممسكاً بالفأس، ونظرت إلى الأفق بعينين تحملان حزناً عميقاً... حزناً لأن الحقيقة لا يمكن إيقافها بتحطيم الأداة.
الفصل الرابع: رماد الحقيقة
في الليلة التالية، حدث ما كانت تخشاه كلارا.
بسبب خلل في نظام التدفئة القديم في قبو المنزل، وتراكم الغازات دون أن ينتبه أحد، اندلع حريق مفاجئ وضخم في منتصف الليل. بدأت النيران تلتهم الأثاث الخشبي في الطابق السفلي بسرعة هائلة، وتصاعد الدخان الأسود الكثيف ليملأ الممرات، تماماً كما جاء في لوحة إيلين المدمرة.
استيقظ ريتشارد مذعوراً، وحاول إنقاذ كلارا التي كانت محاصرة في غرفة المعيشة بسبب سقوط سقف خشبي مشتعل قطع عليها طريق الخروج. كان الدخان يخنقها، وهي تصرخ مستنجدة، بملامح وثياب تطابق بدقة متناهية تفاصيل السجادة التي مزقها الأب بالأمس.
وسط النيران والدمار، نزلت إيلين من الطابق العلوي بهدوء غريب، وكأنها تسير في حلم. لم تكن خائفة من النار، ولم يمسها السوء. تقدمت نحو المطبخ الذي بدأت النيران تقترب منه. تذكرت تفصيلاً دقيقاً من لوحتها الأخيرة: شكل ليو وهو يشير بسبابتة نحو أرضية المطبخ.
أمسكت إيلين بقضيب حديدي من بقايا حطام المطبخ، وبدأت ترفع البلاط الخشبي اللامع للأرضية في الزاوية التي أشارت إليها اللوحة. بجهد جهيد، رفعت البلاطة الكبيرة، لتجد أسفلها تجويفاً سرياً يحتوي على... الحقيبة الجلدية السوداء المفقودة الخاصة بوالدها!
فتحت الحقيبة بسرعة وسط ألسنة اللهب. لم تكن تحتوي على عقود أراضٍ فحسب، بل كانت تحتوي على بقع دماء جافة، وملابس ليو الصغيرة الملطخة بالدم، ومذكرات ل ريتشارد يعترف فيها بـأنه قتل ابنه ليو بالخطأ أثناء نوبة غضب أعمى بسبب ضياع بعض الأوراق المالية، وأنه دفن جثته تحت شجرة الصفصاف العتيقة، وتواطأ مع كلارا لتلفيق تهمة اختفائه لجهة مجهولة، مستغلين صدمة إيلين التي شهدت الجريمة وفقدت نطقها إثرها!
شعرت إيلين بدموع الحقيقة تنفجر من عينيها لأول مرة منذ أشهر. الصدمة أعادت فتح الأقفال المغلقة في عقلها. نظرت إلى الحقيبة، ثم نظرت نحو والدها الذي كان يحاول الخروج من المنزل وهو يحمل كلارا المغشي عليها.
التقت عيناهما وسط الدخان. رآها وهي تمسك الحقيبة وتنظر إليه بنظرة فهم كاملة. في تلك اللحظة، انهار ريتشارد نفسياً، أدرك أن الحريق لم يكن مجرد حادث، بل كان وسيلة التطهير التي نسجتها الحقيقة لتكشف جرمه.
الفصل الخامس: الصوت الذي عاد ليروي
وصلت سيارات الإسعاف والإطفاء في اللحظات الأخيرة. تم إنقاذ كلارا ونقلها إلى المستشفى بحالة حرجة بسبب استنشاق الدخان، بينما تم القبض على ريتشارد فوراً بعد أن سلمت إيلين الحقيبة الجلدية لرجال الشرطة، وأرشدتهم إلى مكان دفن ليو تحت شجرة الصفصاف العتيقة حيث عثرت الأدلة الجنائية على بقايا الطفل الصغير.
بعد أسبوع من الحادثة، كانت إيلين تجلس في حديقة المصحة النفسية الهادئة التي نُقلت إليها للتعافي من آثار الصدمة والدخان. كانت الشمس دافئة، والرياح تداعب خصلات شعرها بنعومة. لم تعد ممسكة بمكوك أو خيوط، بل كانت يداها ترتاحان على ركبتيها.
اقتربت منها الطبيبة النفسية المشرفة على حالتها، ووضعت يدها على كتفها بحنان. "كيف تشعرين اليوم يا إيلين؟"
التفتت إيلين نحو الطبيبة. فتحت فمها، ولأول مرة منذ ستة أشهر طويلة، خرج صوتها، صوت كان خافتاً كالنسمة، ولكنه واضح وقوي كالحقيقة:
"أشعر بالخفة يا دكتورة... الخيوط انتهت، والسجادة اكتملت، والصمت أخيراً... وجد كلماته."
تعليقات
إرسال تعليق