كان الضوء الأزرق البارد المنبعث من الشاشات الثلاث الضخمة يشق عتمة شقة خالد العلوية، ليحيل ملامحه المرهقة إلى ما يشبه ملامح تماثيل الرخام المنسية في المتاحف. كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً، والهدوء في شقته الواقعة في الطابق العاشر من بناية حديثة كان مطلقاً، لا يكسره سوى الأزيز الرتيب والخافت لمبردات المعالجات الإلكترونية، وصوت نقراته المتقطعة على لوحة المفاتيح.
خالد، الشاب ذو الثمانية وعشرين عاماً، كان يعمل كـ "مدير محتوى ومشرف تعليقات" لصالح واحدة من أكبر المنصات الإخبارية على الإنترنت. عمله الذي يبدو بسيطاً في الظاهر، كان في الحقيقة عبارة عن رحلة يومية غامرة في أحشاء الصرف الصحي الفكري للبشرية. كان يقضي ثماني ساعات كل ليلة في قراءة وفحص آلاف التعليقات المودعة تحت الأخبار، وحذف خطابات الكراهية، الروابط الخبيثة، والتهديدات. كان عقله قد تخدر تماماً بفعل التكرار، وأصبحت الألفاظ النابية والشتائم تمر أمامه كبيانات صماء لا تحرك فيه ساكناً.
لكن، منذ ثلاثة أيام، بدأت واجهة لوحة التحكم تتصرف بغرابة بدأت تزرع في صدره انقباضاً مجهولاً.
في المعتاد، عندما يترك أي مستخدم تعليقاً، يسجل النظام بياناته: اسمه المستعار، صورته، وبروتوكول الإنترنت الخاص به (IP Address). ولكن، في زاوية "التعليقات قيد المراجعة"، بدأ يظهر حساب مجهول. الحساب لم يكن يحتوي على اسم، كان الفراغ مكانه صريحاً، ولا وجود لصورة شخصية، مجرد مربع رمادي ميت. والتعليق كان دائماً واحداً، يوضع بدقة مريبة تحت المقالات والتقارير التي تتحدث عن الوفيات، الحوادث الجنائية، أو الكوارث الطبيعية.
كان النص المكتوب باللون الأسود الداكن يقول: "أنا أرى حركتك الآن عبر الشاشة.. التفت خلفك".
في المرة الأولى التي رأى فيها خالد التعليق، ضغط على زر "حذف وحظر المستخدم" دون تفكير، معتبراً إياه مجرد مزحة سمجة من متسلل إلكتروني أو ما يُعرف بـ "ترول" إنترنت يحاول إثارة الذعر. لكن التعليق عاد ليتكرر تحت خبر آخر بعد ساعة. وعندما حاول خالد تتبع الرمز البرمجي للحساب المجهول عبر أنظمة الحماية، تجمدت أصابعه فوق لوحة المفاتيح.
خانة الـ IP Address لم تكن تحتوي على أرقام لشبكة خارجية أو دولة أخرى. كانت الأرقام تشير بدقة إلى الخادم الداخلي لشقته هو: 192.168.1.105.
شعر خالد بوخزة برودة مفاجئة تسري في عصب عموده الفقري. هذا الرمز يعني أن التعليق يخرج من داخل جهاز متصل بنفس شبكة الواي فاي (Wi-Fi) الخاصة بشقته. وبما أنه يعيش بمفرده تماماً، والباب المصفح لشقته مقفل بسلاسل حديدية من الداخل، والاتصال مشفر بالكامل، فإن هذا يعني تكنولوجياً أن هناك شخصاً يجلس معه في نفس الغرفة المظلمة، يتصل بشبكته، ويرسل التعليقات لتعرض أمامه على الشاشة.
التفت خالد ببطء شديد، ونبضات قلبه تتسارع بعنف. وجه كشافه اليدوي نحو زوايا الصالة المظلمة وخلف الأريكة المخملية. لم يكن هناك أحد. الصمت كان كافياً لِسماع طنين برودة الجدران الخرسانية. عاد ونظر إلى الشاشة، ليجد أن التعليق رقم صفر قد ظهر مجدداً تحت مقال تم نشره قبل ثوانٍ، ولكن النص تغير هذه المرة ليقول: "أنفاسك باردة جداً الليلة يا خالد.. ورائحة خوفك تعجبني".
الفصل الثاني: تسرب الترددات والبرودة الفسفورية
لم يستطع خالد النوم في تلك الليلة. تحول منسوب الخوف في صدره من مجرد توجس تقني إلى رعب غريزي دافق. في اليوم التالي، قرر عدم الذهاب إلى مكتب الشركة والبقاء في الشقة لفحص النظام بالكامل. قام بفصل شبكة الإنترنت، وأغلق جهاز الراوتر تماماً، وسحب الأسلاك الكهربائية من الحائط للتأكد من انقطاع أي اتصال خارجي أو داخلي بالموجات اللاسلكية.
جلس في الصالة يحاول الحفاظ على هدوئه، مستمعاً إلى عاصفة الخريف التي بدأت تضرب المدينة بالخارج، وتعزف بصفيرها الحاد عبر مناور البناية الحديثة. أصبحت الشقة مظلمة مع غياب الشمس واقتراب المساء، وتكثفت الرطوبة على زجاج النوافذ من الداخل لتصنع قطرات ماء تنحدر ببطء كدموع باردة.
في تمام الساعة العاشرة مساءً، وبينما كانت الأجهزة الكهربائية كلها مطفأة ومفصولة، حدث ما جعل دقات قلبه تتوقف.
شاشة الحاسوب الضخمة المطمئنة في زاوية المكتب اشتعلت فجأة تلقائياً. لم تكن هناك كهرباء تدير التروس، لكن الزجاج الشفاف للشاشة بدأ يلمع بوميض رمادي فسفوري بارد، ومستمر، يشبه الضوء الباهت الذي تفرزه الكائنات البحرية الميتة في قاع المحيط السحيق. بدأت الشاشة تهتز باهتزازات خفيفة أصدرت طنيناً حاداً في أذنيه، طنيناً يملأ الرأس ويسبب دواراً مجنوناً.
اقترب خالد بخطوات ترتعد كأوراق الشجر في العاصفة. ونظر إلى الشاشة المظلمة التي لم تكن تعرض واجهة الويندوز المعتادة، بل كانت تعرض صفحة بيضاء فارغة، وفي المنتصف، بدأت أحرف سوداء تتشكل ببطء وتكتب تلقائياً، كأن هناك أصابع غير مرئية تنقر فوق لوحة مفاتيح خفية: "تيك... تيك... تيك".
انكتب السطر بوضوح: "الأسلاك مقطوعة.. لكن الترددات لا تحتاج لنحاس لتصل إليك. نحن نعيش في الجانب الآخر للزجاج الأسود".
شعر خالد ببرودة لافحة تجتاح الغرفة، برودة لم تكن برودة طقس، بل كانت برودة "موت"، جعلت بخار أنفاسه يتصاعد في الظلام كدخان كثيف. نظر إلى زجاج الشاشة المصقول، لم يعد يعكس أثاث غرفته أو وجهه الشاحب بنظارته الطبية. الانعكاس بالداخل كان غريباً ومخيفاً.
كان يعكس شقته، ولكن بشكل مقلوب ومشوه. الأثاث كان يبدو مهجوراً ومتآكلاً ومغطى بالطحالب السوداء الجافة، وفي زاوية الغرفة المعكوسة بالداخل، كان يجلس كائن مصنوع بالكامل من دخان رمادي كثيف ولزج، كائن بلا ملامح واضحة لوجهه، باستثناء بؤرتين من الظلام المطلق في مكان العينين، وبؤرة ثالثة تمثل فماً مفتوحاً على وسعه في ابتسامة حقد أزلية.
رأى خالد في الانعكاس أن الكائن الدخاني يقف ببطء، ويتقدم نحو زجاج الشاشة من الداخل، ماداً يديه المظلمتين اللتين تنتهيان بأصابع دقيقة مدببة نحو سطح الزجاج البارد، وكأنه يحاول دفعه للخروج إلى العالم الحقيقي!
صرخ خالد وتراجع بعنف للوراء، ليرتطم بكرسيه الجلدي ويسقط أرضاً. سحب كشافه اليدوي ووجهه نحو الشاشة، عندما سقط الضوء القوي على الزجاج، ارتد الانعكاس الطبيعي لغرفته فوراً واختفى الكائن، لكن الطنين الحاد في أذنيه لم يتوقف، والرسالة السوداء ظلت مكتوبة على الشاشة كوشم لا يمحى.
الفصل الثالث: شريعة الترددات الرقمية
لم يعد خالد يثق بشيء من حوله. شاشات هاتفه الذكي، التلفاز، وحتى شاشة ساعته الرقمية أصبحت كلها تلمع بنفس الوميض الفسفوري البارد عندما يبتعد عنها الضوء. شعر أنه محاصر داخل قفص من المرايا السوداء التكنولوجية التي تراقب أنفاسه وتتغذى على خوفه المتصاعد.
امضى الساعات التالية في البحث المحموم عبر المخطوطات القديمة والكتب النادرة التي تتحدث عن علم الشياطين والماورائيات، والتي كان قد حمل نسخاً رقمية منها سابقاً بحكم فضوله الأدبي. كان يبحث عن أي تفسير يربط التكنولوجيا الحديثة بالعوالم السفلية القديمة، حتى عثر في كتاب عتيق مترجم عن المخطوطات السريانية على فصل يحمل عنواناً قاطعاً: "عُمّار المرايا السوداء وشريعة الترددات".
قرأ الكلمات المكتوبة بلغة قديمة، وشعر بروحه تتشقق من شدة الفزع:
"اعلم أن الكيانات لا يسكنون القفار والبيوت المهجورة فحسب، بل يعشقون الأسطح المصقولة والمرايا التي تعكس الوجود البشري. وفي العصور المتأخرة، عندما يصنع البشر مرايا سوداء جديدة من الزجاج والمعادن (الشاشات)، تفتح بوابات أثيرية لم تكن موجودة من قبل. التيار الكهربائي والترددات الرقمية العالية التردد تصبح الغذاء المثالي لتلك الكيانات، حيث تستخدم شاشات العرض كمكثفات سحرية لتجميع طاقتها وتشكيل 'القرين السفلي' للإنسان رغماً عنه".
واسترسل الكتاب في شرح تفاصيل اللعنة:
"الكيان لا يريد قتل الجسد، بل يريد ما هو أبشع. يريد 'المبادلة'. يستخدم الشاشة ليعكس فيها الجانب المظلم للروح، ويتغذى على طاقة الترقب والخوف الدائم لدى البشر عبر رسائله وتهديداته. وعندما تبلغ طاقة الخوف ذروتها في الساعة الثالثة صباحاً (ساعة الكسوف الداخلي)، يكتسب الكيان الكثافة المادية الكاملة ليسحب الإنسان الحقيقي إلى داخل العالم الرقمي المعكوس كبيانات ميتة ومحبوسة في عتمة الزجاج، ويخرج الكيان إلى العالم الحقيقي ليرتدي جسده اللحمي ويعيش مكانه وسط البشر دون أن ينتبه أحد للزيف".
انقبضت قبضة خالد على هاتفه، لتنطلق في تلك اللحظة رسالة إشعار جديدة على الشاشة الملموسة. لم يكن إشعاراً من صديق، كان تعليقاً جديداً من الحساب رقم صفر على لوحة تحكم المنصة، والرسالة تقول بدقة: "لقد قرأت كتابك القديم يا خالد.. والشريعة صحيحة تماماً. الساعة تقترب من الثالثة.. استعد لمبادلة الأماكن".
الفصل الرابع: الساعة الثالثة والكسوف الداخلي
الآن، تجمعت كل قطع لوحة الفسيفساء المرعبة في عقل خالد. التعليقات التي كانت تظهر تحت أخبار الوفيات والحوادث لم تكن عشوائية، الكيان كان يتغذى على طاقة الموت والخوف المحيطة بتلك التقارير، واستخدم حساب "التعليق رقم صفر" كحبل مغناطيسي يربط وعي خالد بالشاشة ويسحب إرادته بالتدريج.
نظرت عيناه المذعورتان إلى الساعة الجدارية، كانت تشير إلى الثانية وخمس وخمسين دقيقة صباحاً. خمس دقائق تفصله عن الكسوف الكامل لروحه.
شعر بجسده يبدأ في التصلب، برودة لافحة بدأت من أطراف أصابع قدميه وتصاعدت نحو ركبتيه وصدره، كأن دمه البشري يتحول ببطء إلى تيار كهربائي بارد وميت. حاول التحرك للوصول إلى باب الشقة لفتحه والهروب للشارع، لكنه اكتشف برعب شل تفكيره أن حركة عضلاته لم تعد ملكه. يده اليمنى ارتفعت بالفعل في الهواء، ولكن ليس بإرادته، بل لأن الكيان الدخاني الظاهر في زجاج الشاشة رفع يده أولاً وسحب يده الحقيقية عبر خيوط ترددية غير مرئية!
انفجر صوت الرنين والتشويش الحاد في جميع أجهزة الشقة. شاشة التلفاز الكبيرة في الصالون، شاشة الهاتف على الطاولة، وشاشات الحاسوب الثلاث... اشتعلت كلها في نفس الوقت بالوميض الفسفوري البارد، لتصنع حلقة دائرية من المرايا المقلوبة المحيطة بجسده المشلول وسط الغرفة.
في تمام الساعة الثالثة صباحاً بالضبط.
تحول الانعكاس داخل شاشة الحاسوب الرئيسية إلى كثافة مادية مرعبة. تقعر زجاج الشاشة المصقول للخارج، وتمدد كأنه غشاء مطاطي لزج، ومن بين هذا الغشاء، بدأت يدا الكيان الدخاني السوداء تخرج حقيقة إلى هواء الغرفة! خرجت الأصابع الدقيقة المدببة، يتبعها الذراعان، ثم الرأس الضخم ذو البؤرتين المظلمتين والابتسامة الأزلية الحاقدة.
شعر خالد بروحه وعقله يُعصران ويُسحبان بعنف خارق نحو الشاشة. كانت طاقة الخوف لديه قد بلغت ذروتها، وهي الشحنة الكهرومغناطيسية النهائية التي احتاجتها البوابة لتبادل الأماكن. رأى طيفاً باهتًا بلون رمادي يبدأ بالخروج من صدره وينجذب ببطء نحو مركز الزجاج الفسفوري.
"لا... أرجوك..." حاول خالد الصراخ، لكن صوته لم يخرج سوى كهمس خافت وميكانيكي، صوت يشبه صوت التشويش الرقمي للشبكات الميتة.
لامس الكيان الدخاني وجه خالد الحقيقي بأصابعه الباردة كالجليد. في تلك اللحظة، شعر خالد بانقلاب كامل للوجود. الرؤية من حوله تحولت إلى اللون الرمادي والمعتم، والجاذبية بدأت تسحبه لأسفل بعنف خارق. شعر بنفسه يسقط عبر زجاج الشاشة، يخترق طبقات من الرموز البرمجية والأرقام المتداخلة، ليجد نفسه فجأة واقفاً في قلب البعد المعكوس بالداخل.
نظر حوله بذعر، كان يقف داخل شقته المعكوسة، لكن الأثاث كان مهجوراً، يغطيه العفن وطحالب السواد، والهواء تفوح منه رائحة تراب مبلل بماء الموت. نظر إلى يديه، كانت عبارة عن مساحات باهتة من الدخان الرمادي، لقد تحول هو إلى "الظل" المحبوس داخل عتمة الزجاج!
الفصل الخامس: الكيان المرتدي للحم
نظر خالد (الآن من داخل الشاشة) نحو العالم الحقيقي في الخارج عبر زجاج الشاشة الذي تحول إلى لوح شفاف يفصله عن حياته السابقة.
رأى جسده البشري الحقيقي يقف وسط الغرفة المضاءة بالأنوار التي عادت فجأة بعد اكتمال المبادلة. لكن الجسد لم يعد جسده، كان الكيان التكنولوجي قد استوطنه بالكامل. رأى نفسه يصلح نظارته الطبية بابتسامة خبيثة، ويمسح الغبار عن سترته، ثم يتنفس بعمق كأنه يستمتع بنسمات الهواء البشري لأول مرة منذ قرون.
تقدم الكيان نحو مكتب الحاسوب، وجلس على الكرسي الجلدي الفخم بكل ثقة وأريحية. أمسك بالفأرة ولوحة المفاتيح، وفتح واجهة لوحة التحكم الخاصة بالمنصة الإخبارية.
بدأ الكيان بكتابة تعليقات وردود جديدة تحت مقالات الوفيات، ولكن بخط طبيعي وبأسماء مستعارة تبدو بشرية تماماً، لينشر من خلالها رموزاً وترددات خفية تزرع الخوف والترقب في قلوب آلاف المتابعين الآخرين الذين يقرؤون خلف شاشات هواتفهم الآن، مستعداً لفتح بوابات جديدة ومبادلة أماكن بشر آخرين في قادم الليالي.
التفت الكيان بجسد خالد نحو زجاج الشاشة، ونظر مباشرة إلى طيف خالد المحبوس في الداخل. ابتسم ابتسامة حقد باردة، وضغط على زر إيقاف تشغيل الشاشة.
انطفأ الوميض الفسفوري فوراً، وتحول زجاج الشاشة إلى لوح أسود ميت ومظلم، ليغرق خالد في عتمة مطلقة وسكون أبدي داخل أحشاء الآلة، محواً من سجلات الأحياء ومحبوساً كبيانات ميتة، بينما الكيان يعيش مكانه في الخارج بملامحه وثيابه، يدير المحتوى ويتنفس الهواء، بانتظار الضحية القادمة التي سترفع هاتفها في الساعة الثالثة صباحاً وتفتح الباب لـ "التعليق رقم صفر".
تعليقات
إرسال تعليق