الفصل الأول: عتبة المجهول
وقفت السيارة الرمادية أمام البوابة الحديدية الضخمة، مصدرة صريراً خفيفاً امتصه هدوء الضاحية المعزولة. ترجل باسل أولاً، ووقف لعدة ثوانٍ يعدل نظارته، متأملاً واجهة المنزل الحجري القديم الممتد على طابقين. كان الطقس خريفياً، ونسمات الهواء الباردة تداعب أوراق الشجر الجافة المتناثرة في الفناء.
فتحت ريناد باب السيارة الخلفي ببطء، وتأكدت من إمساك يد ابنها كرم الذي كان يضغط على دميتين قماشيتين صغيرتين بقوة. نظرت ريناد إلى الجدران المتآكلة قليلاً، وشعرت بوخزة قلق مألوفة في صدرها، لكنها ابتلعت ريقها ورسمت ابتسامة باهتة التفتت بها نحو كرم: "هذا هو بيتنا الجديد يا حبيبي.. سيكون لك غرفتك الخاصة والأوسع هنا".
لم يجب كرم، بل اكتفى بنظرته الصامتة المعتادة نحو النافذة العلوية الكبيرة للطابق الثاني، نافذة كانت تبدو سوداء تماماً، وكأنها تمتص الضوء من حولها.
تقدم باسل نحو الباب الخشبي الرئيسي، وأدخل المفتاح النحاسي الثقيل في القفل. دار المفتاح دورتين بصوت ميكانيكي حاد تردد صداه في أرجاء المكان. دفع الباب بكتفه ليفتح، لينبعث من الداخل هواء دافئ، جاف، ومحمل برائحة غريبة تشبه رائحة الورق القديم أو الرماد الخامد.
خطا باسل خطوته الأولى داخل الردهة، وتبعه كرم وريناد. في تلك اللحظة بالذات، ودون أي مبرر، شعرت ريناد ببرودة مفاجئة تسري في أطراف أصابعها، وكأن شخصاً ما همس باسمها في عمق عقلها. التفتت بسرعة نحو الخلف، لكن الباب كان قد أُغلق خلفهم تماماً بفعل الهواء.. أو هكذا خُيل إليها.
الفصل الثاني: ظلال مستيقظة
حلّ المساء سريعاً، وتحول المنزل الحجري إلى كتلة مظلمة وسط الضاحية المعزولة، باستثناء أضواء خافتة تنبعث من بعض النوافذ. في الطابق العلوي، كان باسل يجلس خلف مكتبه الخشبي المؤقت، غارقاً بين مخططات هندسية وأوراق كثيرة، يحاول جاحداً التركيز ليهرب من صوت الصمت الذي يلف المكان. لكنه في كل مرة يلتفت فيها نحو زاوية الغرفة، يخيل إليه أن ظله على الجدار يتحرك بشكل أبطأ من حركته الفعلية، كأنه يراقبه.
في نهاية الممر، كانت ريناد تقف في غرفتها الجديدة التي خصصتها لتكون مرسماً لها. أشعلت مصباحاً أرضياً صغيراً، ووقفت أمام لوحة قماشية بيضاء فارغة، ممسكة بفرشاة التلوين. غمست الفرشاة في اللون الأزرق الداكن ومررتها على القماش. فجأة، اهتزت يدها دون إرادتها، شعرت وكأن برودة غريبة سرت في أصابعها لتتحكم في مسار الخطوط. تراجعت خطوتين للخلف لتنظر إلى ما رسمته: لم تكن خطوطاً عشوائية، بل كانت ملامح وجه مشوش، عينان واسعتان مليئتان بالفزع.. وجه يشبه تماماً ملامح والدتها الراحلة في أيامها الأخيرة. انقبض قلب ريناد وسقطت الفرشاة من يدها لتقع على الأرضية الخشبية.
في تلك اللحظة، قطع السكون صوت صراخ مكتوم قادم من غرفة الأطفال.
ركض باسل وريناد في الممر المظلم ودفعا باب غرفة كرم. كان الطفل جالساً في سريره، يرتجف بشدة ويشير بيده الصغيرة المرتعشة نحو زاوية الغرفة المعتمة.
"ماذا هناك يا كرم؟ هل هو كابوس؟" سألت ريناد وهي تضمه إلى صدرها المرتجف.
لم يتكلم كرم، بل ظل ينظر برعب نحو الزاوية. عندما وجه باسل ضوء كشافه اليدوي نحو المكان الذي يشير إليه الطفل، لم يجدوا شيئاً سوى خزانة الملابس القديمة. لكن باسل لاحظ شيئاً جعل شعر بدنه يقف، الغبار المتراكم على الأرضية أمام الخزانة كان ممسوحاً، وكأن شخصاً ما كان يقف هناك قبل ثوانٍ معدودة.. شخص حافي القدمين.
الفصل الثالث: الشروخ اللامرئية
جلس باسل وريناد في المطبخ الصغير بعد أن نام كرم أخيراً، مستعينين بضوء مصباح طاولة وحيد. كانت ريناد تحتضن كوب الشاي بيديها المرتعشتين، وعيناها تدوران في زوايا السقف.
"باسل، هذا المكان ليس طبيعياً"، همست ريناد بصوت مخنوق. "اللوحة التي رسمتها في المرسم.. أنا لم أخطط لرسم ذلك الوجه. والآثار التي رأيتها على الغبار في غرفة كرم.. هناك شيء معنا هنا".
تنهد باسل بضيق، وفرك وجهه المتعب ببراح كفيه. "ريناد، أرجوكِ لا تبدئي. نحن هنا منذ بضع ساعات فقط. الغبار قد يكون بسبب العمال الذين نقلوا الأثاث، واللوحة.. أنتِ فقط مرهقة وتفكرين بوالدتكِ كثيراً هذه الأيام. هذا مجرد بيت قديم، والبيوت القديمة لها أصوات وتتحرك جدرانها مع تغير الحرارة".
"ولماذا تنظر إلى ظلك كل دقيقتين منذ أن دخلنا؟" باغتته ريناد بنبرة حادة.
تصلب جسد باسل. لم يكن يعلم أنها لاحظت ذلك. شعر بوخزة في صدره، وتذكر فجأة صوت ارتطام سيارته القديمة قبل سنوات، وصوت الزجاج الذي تهشم في عقله مجدداً. نهض من مقعده بسرعة لينهي الحوار: "أنا مهندس، أتعامل مع الحقائق والخرسانة، لا مع الأوهام. سأذهب لأتفقد أقفال البيت ونوافذ الطابق السفلي لننام".
حمل باسل كشافه اليدوي ونزل درجات السلم الخشبي نحو القبو. كانت الرائحة هناك أكثر ثقلاً. وجه ضوء الكشاف نحو الجدار الخرساني البعيد، فلاحظ وجود شرخ طويل يمتد من الأرض حتى السقف. اقترب ليتفحصه، لكن مع اقترابه، بدأ يسمع صوتاً خافتاً جداً يخرج من عمق الشرخ.. صوت يشبه بكاءً مكتوماً، وصوت فرامل سيارة تنزلق على طريق مبتل.
تراجع باسل خطوة إلى الخلف، وضغط على زر الكشاف بقوة ليتأكد من إضاءته، لكن الضوء بدأ يرمش، ثم انطفأ تماماً، تاركاً إياه في ظلام دامس وسط صوت البكاء الذي بدأ يقترب.
الفصل الرابع: ما تكشفه الخطوط
تسللت خيوط شمس الخريف الباهتة عبر النوافذ الغبارية، لتعكس جزيئات الرمل المتطايرة في الهواء. صعد باسل من القبو متعباً، وعيناه محاطتان بهالات سوداء بعد ليلة لم يذق فيها النوم، مفضلاً إقناع نفسه بأن ما سمعه في الظلام كان مجرد "صدى لضغط الهواء في الأنابيب القديمة".
في المطبخ، كانت ريناد تجهز إفطاراً صامتاً. لم تتحدث مع باسل، والتوتر بينهما كان ملموساً كجدار خرساني. أما كرم، فقد كان يجلس على طاولة الطعام، ممسكاً بقلم تلوين أسود، ويرسم خطوطاً لولبية عنيفة على ورقة بيضاء، رافضاً تناول طعامه أو النطق بكلمة واحدة منذ استيقاظه.
حاولت ريناد الهروب من هذا الثقل، فتوجهت نحو مرسمها في الطابق العلوي لترتيب أدواتها. لكن بمجرد أن فتحت الباب، تجمدت الدماء في عروقها.
اللوحة التي تركتها بالأمس بقعة زرقاء مشوشة، كانت الآن مكتملة تماماً، وكأن فناناً محترفاً أمضى الليل كله يخط تفاصيلها. لم يكن الوجه لوالدتها الراحلة كما ظنت.. بل كان وجه ريناد نفسها، وهي تصرخ وعيناها غائرتان في محجريهما، وخلفها في خلفية اللوحة، كان هناك رسم دقيق جداً لشرخ جداري يخرج منه ظل أسود يمتد ليمسك بكتفها.
صوت خطوات باسل القادمة من الممر جعلها تلتفت بفزع. "باسل! تعال وانظر إلى هذا!" صرخت بنبرة هلع.
ركض باسل إلى الغرفة، وعندما وقعت عيناه على اللوحة، تراجع خطوة إلى الخلف. لم ترعبه صورة ريناد، بل ما رآه في زاوية اللوحة السفلى، كان هناك رسم صغير لسيارة مهشمة باللون الأحمر، تشبه تماماً السيارة التي تسبب بها في حادثه القديم الذي لم يخبر عنه أحداً قط.. حتى ريناد.
في تلك اللحظة، سمعا صوت تمزيق ورق قادم من غرفة المعيشة، يليه صوت كرم وهو يهمس لأول مرة بصوت هادئ ومخيف: "البيت يقول إننا لن نغادر.. لأننا جلبنا ضيوفنا معنا".
الفصل الخامس: مواجهة الظلال
لم يعد هناك مجال للإنكار. انطفأت أنوار المنزل دفعة واحدة رغم أن الوقت كان ظهراً، وتحولت الجدران الحجرية إلى ما يشبه اللون الرمادي الداكن. بدأ الشرخ الذي رآه باسل في القبو يمتد بسرعة مرعبة، صاعداً عبر السلالم، ومتفرعاً على جدران الممر كأنه عروق سوداء نابضة بالخوف.
أموج الرعب اجتاحت المكان. التفت باسل نحو ريناد التي كانت تحمي كرم بذراعيها، ورأى ظلها على الجدار يتضخم وينفصل عنها، متخذاً شكل والدتها الراحلة وهي تمد يدها لتلوم ريناد على تقصيرها وغيابها في أيامها الأخيرة. صرخت ريناد وسقطت على ركبتيها وهي تغلق عينيها بإحكام: "أنا آسفة.. لم أكن أقصد ترككِ وحيدة!".
في تلك اللحظة، شعر باسل ببرودة شديدة تحيط بقدميه. نظر للأسفل ليرى أرضية الممر الخشبية تتحول إلى إسفلت مبتل، يتدفق منه زجاج سيارة مهشم. ومن عمق الظلام، برزت ملامح السيارة الحمراء القديمة، وصوت صرير الفرامل يملأ أذنيه ليعيد إليه ذنب الحادث الذي هرب منه لسنوات. تراجع باسل، وأنفاسه تتلاحق: "أنا.. أنا من كان يقود.. كان خطئي أنا!".
وسط هذا الانهيار، تقدم كرم الصغير بخطوات ثابتة وغريبة. لم يكن خائفاً الآن، بل كان ينظر إلى والديه بنظرة مليئة بالحزن. قال كرم بصوت طفولي نقي تردد صداه فوق أصوات الكوابيس: "البيت لا يريد إيذائنا.. هو فقط يرينا ما نخبئه في قلوبنا. إذا لم تتوقفوا عن الهرب، ستصبحون جزءاً من جدرانه".
توقف باسل عن الصراخ، ونظر إلى ريناد. التقت عيناهما وسط الفوضى، وأدركا أخيراً اللغز. زحف باسل نحو ريناد وأمسك بيدها المرتعشة بقوة. قال بصوت مرتفع وعالٍ: "ريناد.. أنا تسببت في ذلك الحادث بسبب إهمالي، وعشت سنوات أخفي هذا الذنب خوفاً من فقدانكِ!".
بكت ريناد ونظرت إليه: "وأنا عشت في رعب من أن يتركني الجميع كما تركتني أمي.. أنا خائفة من الفقد يا باسل!".
بمجرد أن نطق كلاهما بالحقيقة المكبوتة وبأعمق مخاوفهما بصوت علني، حدث شيء مفاجئ. ساد صمت مطبق. بدأت الأصوات تتلاشى، وتراجعت الظلال السوداء عائدة إلى الجدران، واختفى الزجاج المهشم من على الأرضية. تفتتت خيوط الظلام ببطء، وتسللت أشعة الشمس الدافئة مجدداً عبر النوافذ لتضيء ردهة المنزل.
تنفس باسل وريناد الصعداء، واحتضنا كرم بقوة وسط هدوء حقيقي سكن زوايا البيت لأول مرة. لقد تخلصا من أشباحهما الداخلية، وفقد المنزل سلاحه ضدهما.
الفصل الأخير: هدوء بعد العاصفة
بعد مرور ثلاثة أسابيع، بدا المنزل الحجري القديم وكأنه مكان مختلف تماماً. النوافذ التي كانت تبدو سوداء ومظلمة أصبحت الآن تلمع تحت أشعة الشمس، ومفتوحة لتسمح للهواء الخريفي المتجدد بالدخول. لم تعد هناك روائح رماد أو غبار، بل رائحة طلاء جديد وزهور برية قطفتها ريناد من الفناء.
في غرفتها، كانت ريناد تقف أمام لوحتها الجديدة. لم تعد الألوان داكنة أو مشوشة، بل كانت ترسم لوحة طبيعية دافئة لعائلتها وهم يجلسون معاً في الحديقة. تخلصت ريناد من خوفها من الفقد بعد أن واجهت ذكريات والدتها، وعلمت أن الحب لا يختفي برحيل الأشخاص.
في الطابق السفلي، كان باسل يجلس مع كرم، يساعده في بناء مجسم خشبي صغير لمنزل أحلامهما. ملامح باسل أصبحت أكثر ارتخاءً، واختفت الهالات السوداء من تحت عينيه. الاعتراف بالحادث القديم ومشاركته مع ريناد نزع عن عاتقه ثقلاً كاد أن يحطم حياته.
نظر كرم إلى والده، وابتسم للمرة الأولى منذ أشهر، ثم التفت نحو الجدار الذي كان يحتوي على الشرخ الكبير في السابق. الجدار الآن كان أملساً تماماً ومطلياً باللون الأبيض الناصع.
لم يعد المنزل يقرأ أفكارهم ليرعبهم، لأنهم ببساطة لم يعد لديهم ما يخفونه. لقد تحول البيت من سجن للمخاوف إلى حصن للأمان، بعد أن أدركوا أن الأشباح الحقيقية لم تكن تسكن الجدران.. بل كانت تسكن قلوبهم.
تعليقات
إرسال تعليق