التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

سر زقاق المصابيح الصفراء: قصة من عمق المدينة القديمة

  الفصل الأول: النقطة العميقة في الخريطة كان سامر يعتقد أن العالم قد تم مسحه بالكامل. بالنسبة لمهندس برمجيات ونظم معلومات جغرافية (GIS) يعمل منذ ست سنوات في شركة "أطلس مابز" الملاحية، لم تكن الأرض سوى مجموعة من الإحداثيات، وخطوط الطول والعرض، والبكسلات الملونة التي تتصل عبر خوادم عملاقة في سياتل وفرانكفورت. كان عمله اليومي يتلخص في تدقيق البيانات الميدانية التي تجمعها سيارات المسح الجغرافي: تلك السيارات البيضاء الصغيرة المزودة بأعمدة معدنية مرتفعة، تحمل في قمتها كاميرات ثمانية العدسات تدور بزاوية 360 درجة، لتمسح الشوارع، والمباني، ورصيف المشاة، وحتى وجه القطة التي تعبر الطريق. كان سامر يرى العالم من خلال شاشة المراقبة الثلاثية الممتدة أمامه. يجلس في مكتبه المنزلي في الساعة الواحدة صباحاً، والهدوء يلف شقته، بينما تحتسي يده كوباً من القهوة التي فقدت حرارتها منذ ساعة. في تلك الليلة، كان مكلفاً بإنهاء مراجعة الخرائط التفصيلية لحي "السبيل"، وهو أحد أقدم الأحياء الشعبية في أطراف المدينة. حي تتداخل فيه الأزقة الحجرية الضيقة، وتلتف فيه المباني القديمة المبنية من الحجر ...

الرائحة الخفية وخبايا السجل الأسود (قصة إثارة نفسية مترابطة)

 

غلاف قصة إثارة نفسية ومكتبة غامضة

الفصل الأول: الفراغات البيضاء التي لا تنتمي لأحد

لم تكن الكتب في ذلك المكان تُقاس بعدد صفحاتها، بل بثقل الفراغات التي تتركها في رأس من يلمسها.

جلس مارك خلف الطاولة الخشبية العتيقة، ينظر إلى أصابعه وكأنها لم تعد تخصه. المصباح الصغير ذو النور الأصفر الخافت كان يصدر طنيناً متقطعاً، يشبه نبضات قلب مريض على حافة الهاوية. المكان لا عنوان له، ولا خارطة تدل عليه. مجرد بناء حجري رمادي رمى به النسيان في زاوية من العالم، جدرانه تحتفظ برائحة الحبر القديم ورطوبة الأسرار التي رفض أصحابها أن يأخذوها معهم إلى القبور.

مارك لم يكن يذكر متى وصل إلى هنا تحديداً. الذاكرة لديه لم تكن سوى غرفة مظلمة تتطاير فيها الأوراق كلما هبت ريح مفاجئة. كان يعلم أنه أمين لهذا الأرشيف المنسي، أو هكذا أُخبر يوم وُضعت المفاتيح الحديدية الثقيلة في كفه الباردة.

"الأشياء التي لا يقولها الناس، تستقر هنا يا مارك"، هكذا اعتاد الصوت القديم أن يهمس له في العتمة، قبل أن يختفي الصوت تماماً ويترك البطل وحيداً وسط آلاف المجلدات التي بلا عناوين.

فتح مارك الدفتر أمامه، وبدأ بتفقد السجلات. كانت الأغلفة الجلودية للسجلات متآكلة، وكأنها تعاني من أمراض جلدية. لاحظ شيئاً غريباً، الصفحات لم تكن مطبوعة، بل كانت مليئة بنقوش دقيقة تشبه الخطوط العصبية في الدماغ البشري. عندما مرر إبهامه على السطر الأول، شعر بوخز خفيف في مؤخرة رأسه، وكأن إبرة رفيعة عبرت جمجمته لتلامس فكرة لم يولدها هو.

فجأة، انبعثت رائحة غريبة من المجلد الأوسط. لم تكن رائحة ورقة قديمة، بل رائحة مطر خفيف يسقط على تراب ساخن، ممتزجة بعطر نسائي نادر لم يشمّه مارك طوال سنوات عزلته. ارتجفت يده وهو يرفع الغلاف.

على الصفحة البيضاء الناصعة، لم يكن هناك حبر، بل كانت الكلمات تتشكل ببطء شديد، وكأن شخصاً ما يكتبها الآن، في هذه اللحظة بالذات، من خلف الجدار.

الفصل الثاني: الوجه الذي يرفض الظلال

في الصباح التالي، أو ما كان يُفترض أن يكون صباحاً في عالم بلا نوافذ، جاءت إيلينا.

لم تطرق الباب، بل وُجدت واقفة أمام الطاولة تماماً، وكأنها كانت هناك منذ الأزل ومارك هو من كان أعمى عن رؤيتها. كانت ترتدي معطفاً رمادياً طويلاً، وعيناها تحملان زرقة حزينة تشبه مياه بحر مهجور.

"أبحث عن أخي"، قالت بصوت هادئ، هدوء يسبق العاصفة بقليل.

مارك رفع رأسه ببطء، وابتسم بفتور وتعب: "الناس هنا لا يبحثون إلا عن أشياء فقدوها، لكنهم غالباً ينسون ما يبحثون عنه أصلاً. ما اسم أخيك؟"

عقدت إيلينا حاجبيها بتعجب قائلة: "اسمه دانيال. هل يعقل أنك لا تذكره؟ لقد كان هنا، عمل معك لأسابيع... كيف يمكن أن تنسى وجه شخص كان يجلس أمامك كل يوم؟"

ابتسم مارك بمرارة، وشعر بغصة جافة في حلقه. فتح دفتر السجلات وبحث في الأسماء. صفحات تلو الأخرى، أسماء لأشخاص مروا من هنا، وربما ما زالوا يمرون، لكن اسم "دانيال" لم يكن موجوداً. الأسوأ من ذلك، عندما نظرت إيلينا إلى صورة جماعية قديمة معلقة على الجدار لمارك، اتسعت عيناها برعب صامت.

"هذا هو!" أشارت بإصبع يرتجف نحو زاوية الصورة.

نظر مارك إلى حيث تشير. في تلك الزاوية من الصورة، لم يكن هناك سوى بقعة بيضاء ضبابية، تماماً وكأن أحدهم قص الشخص بالمقص من نسيج الواقع ذاته، وترك الفراغ مكانه.

همست إيلينا بصوت خافت يكاد يختفي: "الجميع في المدينة نسوه... وكأنه لم يكن موجوداً أبداً. حتى أمي... عندما سألتها عنه اليوم، نظرت إليّ بعيون فارغة وقالت لي: «ليس لدي سوى ابنة واحدة». مارك، إنهم يسرقون الأشخاص من الذاكرة وكأنهم لم يعيشوا قط!"

شعر مارك بدوخة مفاجئة. تناهى إلى أذنيه صدى صوت غريب، صوت يشبه تقليب صفحات الكتب بسرعة جنونية. نظر إلى يديه، ولاحظ أن أطراف أصابعه أصبحت شاحبة لدرجة الشفافية، وكأن نسيج جسده بدأ يفقد لونه شيئاً فشيئاً.

الفصل الثالث: الكتاب الذي ينزف مستقبلاً

مرت ثلاثة أيام في عزلة مطلقة داخل المكتبة. كانت إيلينا تتردد كل يوم، لا لتسأل، بل لتراقب مارك وهو يفقد تماسكه التدريجي. كانا يبحثان في كل زاوية، يفتحان المجلدات القديمة، ويتحسسان الجدران بحثاً عن ممر خفي أو إجابة تفسر هذا التلاشي التدريجي للبشر.

في الليلة الثالثة، وبينما كان المطر يضرب السقف الحجري بصوت أشبه بوقع خطوات ثقيلة، عثر مارك على صندوق معدني مغلق بإحكام تحت الأرضية الخشبية.

بعد جهد شاق، استطاع كسر القفل الصدئ. داخل الصندوق لم يكن هناك سوى كتاب واحد، جلده أسود داكن، وعليه ختم غريب يشبه دائرة تتآكل من الأطراف.

قال مارك بصوت منخفض ومتقطع، وهو يرفع الكتاب بحذر شديد: "إيلينا... انظري إلى هذا. هذا الكتاب ليس ضمن أرفف المكتبة. إنه مخفي هنا."

اقتربت إيلينا، وسلطت ضوء المصباح الضعيف على الغلاف. على الغلاف كُتب بخط يد واضح ومألوف بشكل مخيف: "مارك".

تجمد الدم في عروق مارك. كيف يمكن لكتاب أن يحمل اسمه؟ هل هو مؤلفه؟ أم هو موضوعه؟

فتح الصفحات بحذر، كانت الصفحة الأولى فارغة تماماً، باستثناء جملة واحدة كُتبت بخط يد متسارع ومضطرب:

"اليوم الأول: بدأت تفقد قدرتك على تذكر وجه أمك. اليوم الثالث: التقيتَ بالفتاة التي تبحث عن أخيها، وأنت لا تدرك أنك السبب في اختفائه. اليوم السابع: سيتم إغلاق الغلاف عليك إلى الأبد."

انتفض مارك وسقط الكتاب من يده على الأرض وكأنه يلسعه. نظر إلى إيلينا التي كانت تقف أمامه، لكن وجهها بدأ يتغير في عينيه. ملامحها تشوشت، وصوتها أصبح وكأنه قادم من قاع بئر عميقة.

سألها مارك بصوت يقطره الخوف: "إيلينا... هل تعرفينني حقاً؟ أم أنني مجرد شخصية في صفحة كُتِبت البارحة؟"

نظرت إليه إيلينا بعينين ممتلئتين بالدموع والارتباك، وقالت بلهجة مكسورة: "لا أعرف يا مارك... لم أعد أثق حتى في انعكاسي على المرآة. طوال الطريق إلى هنا، كنت أتذكر وجه دانيال بوضوح، والآن... كل ما أتذكره هو اسمك أنت."

الفصل الرابع: العداد التنازلي خلف المرآة

في الأيام التالية، تسارعت الأحداث بشكل جنوني يفوق قدرة العقل البشري على الاحتمال. أصبح مارك يرى مشاهد تحدث أمامه، ثم يكتشف أنه قرأها قبل ساعات في ذلك الكتاب الأسود.

الارتباك بلغ مداه، هل هو من يكتب مصيره بنفسه، أم أن هناك كاتباً مجهولاً يجلس في غرفة مظلمة ويحرك خيوطه كدمية بالية؟

في اليوم السادس، دخل مارك إلى الغرفة الخلفية للمكتبة حيث توجد مرآة قديمة ذات إطار نحاسي متقن. وقف أمامها لينظر إلى وجهه، لكنه لم يجد انعكاسه. كانت المرآة تعرض مشهداً لغرفة أخرى، غرفة مظلمة يجلس فيها رجل يرتدي معطفاً يشبه معطفه، ويكتب بقلم فضي في دفتر أسود ضخم.

وعندما نظر الرجل في المرآة، رفع رأسه والتقت عيناه بعيني مارك مباشرة عبر حاجز الزجاج!

شعر مارك بزلزال داخلي. الرجل الذي في المرآة لم يكن شخصاً غريباً، بل كان هو نفسه، لكنه يبدو أكبر سناً، ووجهه محفور بتجاعيد الإرهاق والندم.

صرخ مارك بصوت هز أركان المكان: "من أنت؟! لماذا تفعل هذا بي؟!"

تحرك الرجل داخل المرآة ببطء، وابتسم ابتسامة حزينة، ثم حرك شفتيه بكلمات لم يستطع مارك سماعها عبر الزجاج، لكنه قرأها بوضوح من حركة فمه: "أنا لستُ سواك... وأنت لست سوى الفصل الذي لم أستطيع إنهاء كتابته بعد."

الفصل الخامس: النهاية المعلقة على حافة الحبر

في اليوم السابع، انطفأ المصباح الوحيد في المكتبة تماماً.

لم يتبقَ سوى ضوء خافت ينبعث من صفحات الكتاب الأسود المفتوح على الطاولة. كانت الكلمات الأخيرة تتشكل ببطء شديد، وكأن الحبر يجف في الأقلام الأخيرة:

"اليوم الأخير: أدرك مارك الآن أن المكتبة لم تكن مكاناً لحفظ الكتب، بل كانت سجناً للأرواح التي هربت من رواياتها الخاصة. أغلق الغلاف، وترك المفتاح على الطاولة لمن يأتي بعده..."

وقف مارك في منتصف الغرفة المظلمة. لم تعد إيلينا موجودة، ولم يعد هناك أي صوت سوى صدى تنفسه الثقيل. نظر إلى يديه، كانت قد اختفت تماماً وأصبحت جزءاً من الهواء والظلام المحيط.

مد أصابعه الشفافة نحو الكتاب، ووضع يده على الغلاف الأخير. تردد للحظة واحدة، تساءل فيها عما إذا كان كل ما حدث حقيقة أم كابوساً طويلاً. لكن الأوان لم يعد للاستفهام.

أغلق الكتاب بقوة.

وفي تلك اللحظة بالضبط، ساد السكون المطلق.

على الطاولة الخشبية العتيقة، في غرفة بلا عنوان ولا زمن، بقي دفتر أسود واحد مغلق بإحكام، وبجانبه مفتاح حديدي ثقيل، ينتظران القارئ التالي الذي سيفتح الصفحة الأولى لتبدأ الدورة من جديد.

تعليقات

المشاركات الشائعة