التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

سر زقاق المصابيح الصفراء: قصة من عمق المدينة القديمة

  الفصل الأول: النقطة العميقة في الخريطة كان سامر يعتقد أن العالم قد تم مسحه بالكامل. بالنسبة لمهندس برمجيات ونظم معلومات جغرافية (GIS) يعمل منذ ست سنوات في شركة "أطلس مابز" الملاحية، لم تكن الأرض سوى مجموعة من الإحداثيات، وخطوط الطول والعرض، والبكسلات الملونة التي تتصل عبر خوادم عملاقة في سياتل وفرانكفورت. كان عمله اليومي يتلخص في تدقيق البيانات الميدانية التي تجمعها سيارات المسح الجغرافي: تلك السيارات البيضاء الصغيرة المزودة بأعمدة معدنية مرتفعة، تحمل في قمتها كاميرات ثمانية العدسات تدور بزاوية 360 درجة، لتمسح الشوارع، والمباني، ورصيف المشاة، وحتى وجه القطة التي تعبر الطريق. كان سامر يرى العالم من خلال شاشة المراقبة الثلاثية الممتدة أمامه. يجلس في مكتبه المنزلي في الساعة الواحدة صباحاً، والهدوء يلف شقته، بينما تحتسي يده كوباً من القهوة التي فقدت حرارتها منذ ساعة. في تلك الليلة، كان مكلفاً بإنهاء مراجعة الخرائط التفصيلية لحي "السبيل"، وهو أحد أقدم الأحياء الشعبية في أطراف المدينة. حي تتداخل فيه الأزقة الحجرية الضيقة، وتلتف فيه المباني القديمة المبنية من الحجر ...

جريمة بلا جثة: لغز الوشاح الأزرق

قصة غموض مراد، قصص غموض، روايات نفسية، قصص قصيرة، إثارة وتشويق

 المشهد الأول: استيقاظ في الضباب

استيقظ مراد على صوت المطر الغزير وهو يضرب زجاج النافذة بعنف. كان جسده يرتجف، وجبينه يتصبب عرقاً بارداً رغم برودة الغرفة. الغثيان المألوف يمزق أحشاءه، والأرق الذي يلازمه منذ ثلاث سنوات ترك سواداً قاتماً تحت عينيه الحادتين.
حاول النهوض، لكن قدمه ارتطمت بشيء معدني على الأرض. نظر إلى الأسفل، كان خنجره التذكاري القديم، ذاك الذي يحتفظ به على مكتبه عادة، ملقىً هناك. انحنى ليرفعه، وتجمّدت الدماء في عروقه.
لم يكن الخنجر نظيفاً. كانت هناك بقعة جافة داكنة تغطي نصل الفولاذ.
تجاوز مراد الصدمة سريعاً بحكم طبيعته كمحقق جنائي، وظن في البداية أنه جرح نفسه أثناء نومه المتقطع. تقدم نحو باب الغرفة وفتحه ليتجه إلى الحمام، لكن خطوة واحدة فقط لعتبة الغرفة جعلته يتسمر في مكانه.
الممر المؤدي إلى صالة الاستقبال لم يكن كعادته.
على الأرضية الخشبية البيضاء، امتد خط طويل وعريض من السائل الأحمر القاني. لم يكن مجرد بقعة صغيرة، كانت دماءً غزيرة كأنها ناتجة عن طعنة نافذة، وتظهر عليها آثار سحب واضحة، تبدأ من منتصف الصالة وتتجه مباشرة نحو باب القبو الحديدي في نهاية الممر.
تقدم مراد بخطوات ثقيلة، وقلبه يقرع في صدره كطبل حرب. جثا على ركبتيه ولمس السائل بأصابعه، كان لزجاً، ولم يجف تماماً بعد. التفت حوله باحثاً عن أي أثر لاقتحام، لكن النوافذ كلها مغلقة من الداخل، وباب المنزل الرئيسي موصد بقفلين متينين.
تراجع خطوتين إلى الخلف، والأنفاس بدأت تضيق في صدره. في تلك اللحظة، لاحظ شيئاً لم يره من قبل: على الجدار المقابل للبقعة، كُتبت كلمة واحدة بقطرات الدم المتناثرة، وبخط يد بدا له مألوفاً بشكل مرعب:
"تولين".
سقط الخنجر من يده ليرتطم بالأرض محدثاً رنيناً حاداً، بينما امتدت يده المرتجفة نحو جيبه ليسحب هاتفه، ويتصل بشريكه رائف.

المشهد الثاني: الوشاح الأزرق

لم تمر سوى عشرين دقيقة حتى انشقت عتمة الفجر عن أضواء سيارات الشرطة الزرقاء والحمراء وهي تعكس ظلالاً راقصة على جدران المنزل المعزول. كان المطر لا يزال ينهال بغزارة وكأنه يحاول غسل سر خطير.
دخل المحقق رائف إلى الصالة بخطوات سريعة، يتبعه خبير الأدلة الجنائية. وقف رائف صامتاً لثوانٍ، يتأمل بقع الدم الممتدة على الأرضية والكلمة المكتوبة على الجدار، ثم التفت إلى مراد الذي كان يجلس على مقعد جانبي، واضعاً رأسه بين يديه وجسده يرتجف ببطء.
وضع رائف يده على كتف صديقه وقال بنبرة هادئة لكنها قلقة:
"مراد... ماذا حدث هنا؟ من فعل هذا؟"
رفع مراد عينيه المتعبتين، ونظر إلى رائف بضياع تام:
"لا أعلم يا رائف. استيقظت ووجدت هذا الخراب. الأبواب والنوافذ كلها مغلقة من الداخل. لم يدخل أحد... ولم يخرج أحد."
في هذه الأثناء، جثا خبير الأدلة الجنائية قرب بداية خط الدم. استخدم قطنة طبية لأخذ عينة، ثم التقط شيئاً صغيراً كان عالقاً بين شقوق الأرضية الخشبية باستخدام ملقط معدني. التفت الخبير نحو رائف ومراد، ممسكاً بكيس بلاستيكي شفاف.
"أيها المحققان، وجدنا هذا تحت منضدة الصالة."
اتسعت عينا مراد ونهض واقفاً دون وعي. داخل الكيس البلاستيكي، كان هناك جزء ممزق من وشاح حريري أزرق اللون. لم يكن هذا أي وشاح، لقد كان الوشاح المفضل لزوجته تولين، وهو نفس الوشاح الذي كانت ترتديه في آخر صورة التقطت لها قبل اختفائها المفاجئ قبل ثلاث سنوات.
ساد صمت ثقيل ومخيف في أرجاء الغرفة، قطعته نبضات قلب مراد المتسارعة. نظر رائف إلى مراد بنظرة تملأها الصدمة والشك، وتراجع خطوة إلى الخلف. الوشاح يعني شيئاً واحداً فقط: تولين، أو ما تبقى منها، كانت هنا الليلة.
تحدث خبير الأدلة الجنائية مجدداً وهو ينظر إلى جدار الصالة:
"سأقوم بنقل العينات فوراً إلى المختبر لإجراء فحص الحمض النووي (DNA). لكن بناءً على حجم بقع الدم وآثار السحب المؤدية إلى ذلك الباب الحديدي... الضحية نزفت حتى الموت هنا."
اتجهت أنظار الجميع ببطء نحو باب القبو الحديدي في نهاية الممر. كان الباب مغلقاً بقفل رقمي سري، لا يعرف رمزه أحد في هذا العالم سوى مراد نفسه.

المشهد الثالث: محاصرة الشكوك

مرت ست ساعات كأنها دهور. كان مراد يجلس في مكتب التحقيق التابع للمديرية، الغرفة بيضاء باردة والإضاءة النيون تسلط أشعتها مباشرة فوق رأسه. لم يعد محققاً يدير القضية، بل أصبح المشتبه به الرئيسي فيها.
انفتح الباب ببطء ودخل رائف. لم تكن ملامحه تبشر بخير، كان يحمل في يده ملفاً كرتونياً أصفر اللون، وعيناه تتجنبان النظر مباشرة إلى عيني مراد. وضع الملف على الطاولة الحديدية وجلس في الجانب المقابل.
أخذ رائف نفساً عميقاً ثم قال بنبرة متحشرجة:
"ظهرت نتائج فحص الحمض النووي (DNA) للدم المكتشف في الصالة يا مراد... إنها مطابقة بنسبة مائة بالمائة لـ تولين."
لم يتكلم مراد. تيبست أطرافه وشعر ببرودة تسري في جسده كأنه هو الجثة. همس بصوت مبحوح:
"هذا مستحيل... تولين اختفت قبل ثلاث سنوات. كيف تنزف دماً طازجاً في صالتي البارحة؟"
فتح رائف الملف ودفع ببضع صور نحو مراد. كانت صوراً مكبرة لمقبض باب القبو الحديدي، وصوراً للخنجر التذكاري.
تابع رائف وهو يضغط على الكلمات بأسى:
"الأمر يزداد سوءاً. البصمات الموجودة على الخنجر وعلى مقبض الباب الحديدي، وحتى على قطرات الدم المتناثرة التي كتبت الاسم على الجدار... كلها بصماتك أنت وحدك يا مراد. لا توجد بصمة واحدة لشخص غريب في المنزل."
استقام مراد في جلسته، وضرب الطاولة بيده صائحاً:
"أنت تعرفني يا رائف! أنا محقق، لو أردت قتل شخص ما أو إخفاء جثة، هل سأترك بصماتي في كل مكان كالهواة؟ هل سأكتب اسمها بدمها على جدار منزلي؟ شخص ما يتلاعب بي! شخص ما دخل منزلي وفعل هذا ليدمرني!"
نظر إليه رائف بنظرة يمتزج فيها الشك بالشفقة، ثم انحنى للأمام وقال بصوت خفيض:
"ومن يمكنه فتح قفل القبو الرقمي غيرك؟ مراد... طبيبك النفسي اتصل بنا قبل قليل بعد أن علم بالحادثة. لقد قدم تقريراً طبياً رسمياً يفيد بأنك تعاني من نوبات ذهان حادة وفقدان جزئي للذاكرة بسبب الصدمة... وأنك توقفت عن تناول أدويتك منذ شهرين."
اتسعت عينا مراد، وشعر فجأة وكأن الأرض تهتز تحت قدميه. هل يعقل أن يكون قد فعلها دون أن يدري؟ هل عقله ينقسم إلى شخصين؟

المشهد الرابع: سر القبو والمذكرات

استغل مراد لحظة خروج رائف من الغرفة لإجراء مكالمة عاجلة. تحركت غريزته كمحقق بسرعة، غافل الحارس الواقف عند الباب، وتسلل عبر المخرج الخلفي للمديرية مستغلاً معرفته الدقيقة بمداخل ومخارج المبنى. كان يعلم أن أمامه وقتاً قصيراً جداً قبل أن يصدر رائف أمراً رسمياً باحتجازه.
انطلق بسيارته تحت المطر الذي لم يتوقف، عائداً إلى منزله المعزول. كان هناك مكان واحد يحمل الإجابة، مكان لم يجرؤ على فتحه أمام رجال الأدلة الجنائية: القبو.
وصل إلى المنزل، ودخل الصالة التي لا تزال أشرطة التحقيق الصفراء تحيط ببقع دمائها. تقدم نحو الباب الحديدي في نهاية الممر. وضع يده المرتجفة على اللوحة الرقمية، وضغط الرمز السري المكون من ستة أرقام: تاريخ زواجه من تولين.
انفتح القفل بصوت ميكانيكي حاد، ودفع الباب الذي أصدر صريراً موحشاً.
كان القبو مظلماً، تفوح منه رائحة الرطوبة والأوراق القديمة. أشعل كشّاف هاتفه وبدأ يتجول بين الصناديق المغلقة. في الزاوية البعيدة، وجد مكتباً خشبياً قديماً مغطى بالغبار. فتح الدرج السفلي، ليعثر على دفتر جلدي أسود اللون.
لم يكن هذا الدفتر غريباً عنه، لقد كان خطه هو. فتح الصفحة الأولى، وكانت الصدمة مروعة. لم تكن هذه مذكرات عادية، بل كانت يوميات كتبها خلال الأشهر الماضية، في فترات لا يتذكرها أبداً.
قرأ مراد السطور الأولى بصوت مرتجف:
"اليوم، استيقظت مجدداً والدماء على يدي. عقلي يحاول حمايتي بكذبة الاختفاء، لكنني أعلم الحقيقة الآن. أنا لم أفقد تولين... أنا من أنهى حياتها في تلك الليلة الماطرة قبل ثلاث سنوات. عقلي يمسح ذكرياتي كل صباح، لكن الضمير لا ينام. سأصنع الجريمة مجدداً بالدماء التي احتفظت بها في الثلاجة الطبية، سأجبر نفسي على فتح هذا القبو ليرى العالم ما فعلت".
تراجع مراد إلى الوراء، وسقطت المذكرات من يده. شعر وكأن جدران القبو تضيق عليه، وصوت ضحكات وبكاء تولين يتردد في أذنيه. في تلك اللحظة، سمع صوت خطوات ثقيلة تنزل درج القبو، وضوء كشاف قوي يسلط على وجهه.
كان رائف، ومعه مسدسه الموجه نحو مراد.

المشهد الخامس والأخير: الاستيقاظ الأخير

وقف رائف عند أسفل الدرج، مسدسه موجه بثبات نحو صدر مراد، لكن عينيه لم تكن تحملان الغضب، بل حزناً عميقاً على صديق عمره. امتزج ضوء كشّاف رائف بضوء هاتف مراد الملقى على الأرض، لينعكس الضوء على الجدران الخرسانية الباردة للقبو.
"انتهى الأمر يا مراد"، قال رائف بصوت متحشرج. "كنا نعلم بوجود المذكرات، الطبيب النفسي أخبرنا أنك كنت تكتب كل شيء خلال نوبات ذهانك. جئت إلى هنا لتواجه حقيقتك، أليس كذلك؟"
نظر مراد إلى المذكرات الملقاة عند قدميه، ثم رفع عيوناً غابت عنها نظرة التحدي الذكية، وحلّ مكانها انكسار كامل. لم يعد هناك هروب، ولا قضايا ليحلها، اللغز الأكبر في حياته كان هو نفسه.
"أنا... أنا من فعلها يا رائف"، همس مراد وهو يشعر بدموعه تختلط بالعرق البارد على وجهه. "قبل ثلاث سنوات... تلك الليلة الماطرة. لم تختفِ تولين. عقلي لفق كذبة الاختفاء لكي لا أجن، فصنع لي واجهة المحقق الحزين الذي يبحث عن زوجته المفقودة".
خطا رائف خطوة إلى الأمام، وخفض مسدسه ببطء بعد أن أدرك أن مراد لا يشكل خطراً على أحد سوى نفسه. "أين هي يا مراد؟"
التفت مراد ببطء نحو الزاوية المعتمة من القبو، حيث كانت تقبع لوحة تولين الأخيرة مغطاة بقطعة قماش مغبرة. سحب القماش ليظهر الرسم: كان جسداً لامرأة مستلقية تحت شجرة الصفصاف الكبيرة في حديقة المنزل الخلفية، وبجانبها رجل يبكي ويرتدي معطف مراد.
"إنها هناك... تحت الشجرة"، قال مراد بصوت هادئ بشكل مرعب، كأن حملاً ثقيلاً قد سقط عن كاهله. "صنعت مسرح الجريمة المزيف البارحة في الصالة مستخدماً عينات دم قديمة احتفظت بها من فحص طبي سابق لها، وضعت وشاحها وبصماتي في كل مكان، لأن عقلي الباطن لم يعد يطيق العيش في كذبة. كان يجب أن أفضح نفسي لأتوقف عن نسيان ما فعلت".
مد مراد يديه ببطء نحو رائف، متقاربتين، في انتظار الأصفاد.
اقترب رائف، وأخرج الأصفاد الحديدية، وأحكمها حول معصمي صديقه. لم يبدِ مراد أي مقاومة، بل التفت للمرة الأخيرة ينظر إلى لوحة تولين، ولأول مرة منذ ثلاث سنوات، اختفت الكوابيس من رأسه، وحلّ مكانها صمت مطبق. قاده رائف نحو السلالم صعوداً إلى الضوء، حيث كانت سيارات الشرطة تنتظر في الخارج تحت المطر الذي بدأ يهدأ أخيراً.

هل توقعت هذه النهاية الصادمة لمراد؟ شاركني رأيك في التعليقات: هل كان ضحية لعقله أم مجرماً يستحق العقاب؟

تعليقات

المشاركات الشائعة