بدأت الأمواج تتراجع عن الشاطئ ببطء مريب، مسافة أمتار طويلة كأنما الأرض في الأعماق تبتلع المحيط. ومع تراجع الماء، فاحت رائحة حادة ومفاجئة، رائحة ملح تعفن منذ قرون ومياه راكدة سحيقة. وفي غضون دقائق، تحول لون مياه الساحل القريبة من الشاطئ من الأزرق الداكن إلى لون أسود حبر لزج، لا يعكس أضواء المدينة، بل يبتلعها.
على الرصيف البحري الممتد، كان يقف نديم، المصور التوثيقي الشاب الذي يقضي لياليه في اقتناص الصور النادرة. شعر ببرودة مفاجئة وقارصة اجتاحت جسده، برودة غير طبيعية في ليلة صيفية، جعلت يده ترتجف وهي تقبض على كاميرته الرقمية. نظر عبر عدسته المقربة نحو الأفق، ليرى ضباباً رمادياً لزجاً يتشكل فجأة فوق الماء الأسود، ومن بين هذا الضباب... بدأت تظهر معالم سفينة.
لم تكن سفينة شحن حديثة، بل كانت سفينة خشبية عتيقة ضخمة ثلاثية الصواري، من تلك السفن التي كانت تجوب البحار قبل أربعة قرون. هيكلها الخشبي الداكن كان يلمع بوميض فسفوري أخضر بارد، وأشرعتها الممزقة كانت تتدلى كأكفان قديمة، وتتحرك برغم عدم وجود رياح في تلك اللحظة. رست السفينة بنعومة مريبة على بعد أمتار قليلة من الرصيف الصخري، دون أن تصدر صوتاً واحداً، كأنها كتلة من الدخان تجسدت مادياً.
تجمع العشرات من المارة مذهولين، يصورون المشهد بهواتفهم. فجأة، انبعث من أعماق السفينة، من تحت سطح الماء الأسود، صوت ضربات طبل دافئة وعميقة: "دوم... دوم... دوم". صوت لم تسمعه الأذن فحسب، بل شعر به الحاضرون كاهتزاز عنيف في أقفاصهم الصدرية، اهتزاز يزرع رعباً غريزياً مجهولاً في الروح.
الفصل الثاني: سجلات النقيب المتقاعد
انقطع حبل ذهول نديم ببروز يد قوية ومجعدة قبضت على كتفه بعنف. التفت ليرى النقيب مالك، بحار متقاعد في الستينيات من عمره، ذو وجه حفرت فيه رياح البحر أخاديد عميقة وعينين حادتين يملؤهما الفزع. كان مالك يحمل تحت ذراعه دفتراً عتيقاً مجلداً بجلد الحوت.
"لا تنظر إلى أشرعتها كثيراً يا بني"، قال مالك بصوت أجش يشبه حفيف الرمال. "إنها 'ليفياتان'... السفينة التي لم تعد ملكاً للبشر."
"ما هذه السفينة يا سيدي؟" سأل نديم وهو يحاول التقاط أنفاسه. "كيف ظهرت هنا وكأنها خرجت من العدم؟"
سحبه مالك بعيداً عن حافة الرصيف، وفتح دفتره القديم تحت ضوء المصباح: "هذه السفينة اختفت في شتاء عام 1642 بعد أن قام قبطانها وطاقمها بعقد صفقة مظلمة، طقس قربان قدموا فيه أرواحهم لعشائر من جن البحر (الغواصون) مقابل النجاة من عاصفة مميتة. الجن لم يغرقوا السفينة، بل استوطنوها وحولوها إلى بناء ماورائي عابر للأبعاد."
أشار مالك بأصبعه المرتجف نحو خريطة قديمة في الدفتر: "إنها لا تبحر فوق الماء يا نديم. إنها تظهر وتختفي في أماكن عشوائية حول العالم، ظهرت قبل قرن وسط حقول قمح جافة في كندا، وقبل خمسين عاماً في بحيرة جبلية معزولة في التبت، واليوم... اختارت ساحل هذه المدينة."
"ولماذا تظهر؟ هل تريد مهاجمتنا؟"
"الجن الغواصون لا يهاجمون المدن عشوائياً"، قال مالك وهو ينظر بنظرة تحليلية نحو السفينة الراسية التي بدأت ضربات طبولها تتسارع. "هناك سر مدفون في أحشائها، والقرين للطاقم الغريق محبوس في الأسفل. يجب أن نجد طريقة لصعودها الليلة قبل أن تبتلع المدينة بالكامل."
الفصل الثالث: اختراق العتمة الفسفورية
في الساعة الثالثة صباحاً، عندما غرق الكورنيش في حالة من الذعر وشل الحظر الأمني حركة المرور، تسلل مالك ونديم مستغلين قارب صيد خشبي صغير. تقدموا بحذر وسط المياه التي تحولت إلى ما يشبه الحبر اللزج البارد، حتى وصلوا إلى حافة هيكل "ليفياتان" الضخم.
كان ملمس الخشب العتيق بارداً كالجليد، وتفوح منه رائحة الموت والملح المتعفن. تسلقا الحبال المتدلية بجهد جهيد حتى وطأت أقدامهما السطح الخشبي للسفينة.
ساد سكون مرعب على السطح، ضوء الفسفور الأخضر البارد ينبعث من الأخشاب ليرسم ظلالاً مشوهة ومتحركة على الأشرعة الممزقة. لم يكن هناك بحارة، لكن نديم كان يرى عبر عدسة كاميرته الرقمية أطيافاً باهتة ومتحركة من الدخان الرمادي، كيانات بلا وجوه تتحرك بصمت وتمسك بالحبال، وتلتفت نحوهما بعيون تشع بنور فضي بارد... عيون الجن الغواصين.
"مالك... إنهم يراقبوننا"، همس نديم وجسده يرتجف بعنف.
"طالما أننا لا نحاول كسر الأقفال، فلن يؤذوننا"، قال مالك وهو يتقدم نحو مقصورة القيادة مستعيناً بدفتر جده. "الجن هنا ليسوا الغزاة، إنهم الحراس."
دخلا المقصورة، ليروا على الطاولة النحاسية بوصلة ضخمة يدور مؤشرها المصنوع من عظم الحوت بجنون. وفجأة، تكثف الضباب الرمادي في زاوية المقصورة، ليتشكل منه كيان ضخم يرتدي بزة قبطان بحري قديم، لكن وجهه كان مغطى بقشور سمكية تلمع باللون الأسود، وعيناه كانتا بؤرتين من الظلام المطلق.
"لقد تأخرتم يا بشر"، قال الكيان، وصوته حمل هدير الأمواج العاتية وصوت تكسر العظام تحت الضغط السحيق للمحيط.
الفصل الرابع: شريعة الخوف والقفص السفلي
تراجع نديم وسقط أرضاً من شدة الرعب، بينما ثبت مالك ورفع دفتره القديم: "أنا النقيب مالك، سليل من وثقوا عهدكم. لماذا اخترتم ساحل هذه المدينة اليوم؟ وماذا تريدون من الأحياء؟"
تحرك الكيان المظلم (عاصف، قائد الجن الغواصون) ببطء، وأشار بيده ذات الأصابع القشرية نحو أرضية السفينة: "أنتم البشر تظنون أنكم مركز الكون، وتظنون أن هذه السفينة الملعونة تظهر لتنشر الموت. الحقيقة أن هذه السفينة هي 'سجن متنقل'."
انحنى مالك ونظر عبر فتحة شبكية حديدية في أرضية المقصورة نحو الأحشاء السفلية للسفينة. شعر برأسه يدور، في الأسفل، في ظلام سحيق تحت مستوى الماء، كان هناك كائن ضخم ومروع مصنوع من أمواج سوداء متلاطمة ودماء جافة... كان القرين لطاقم السفينة الغريق. كائن تولد من الغدر والخيانة، ويمتلك طاقة تدميرية قادرة على إغراق قارات بأكملها إذا تحرر.
"نحن حبسناه هنا بقوانين وشريعة سحرية منذ قرون"، قال عاصف وصوته يحمل حزناً غيبياً عميقاً. "لكن الأقفال السحرية التي تحبسه بحاجة إلى وقود دائم لتبقى مغلقة. والوقود الوحيد الذي يغذي هذه الأقفال في البعد الماورائي هو 'طاقة الخوف البشري النقي'."
اتسعت عينا نديم بذهول وهو يستمع للكاميرا التي تسجل الكلمات: "طاقة الخوف؟"
"نعم"، رد الجن. "السفينة لا تبحر، بل تقفز عبر الأبعاد وتظهر فجأة في الأماكن المكتظة بالأحياء (وسط الحقول، في البحيرات، والآن في السواحل) ليرانا الناس ويخافون منا. ذعركم، وخوفكم، والهلع الذي ينتاب سكان هذه المدينة الآن عند رؤية 'ليفياتان' وسماع طبولها... هو الشحنة الكهرومغناطيسية التي تمتصها جدران السفينة لتبقي الكائن المدمّر محبوساً في قفصه السفلي! إذا توقف الناس عن الخوف منا، وإذا ساد الاطمئنان، ستضعف الأقفال، وينفتح القفص، وتخرج الهاوية السوداء لتبتلع مدينتكم بالكامل تحت أمواج المحيط."
الفصل الخامس: النوتة الأخيرة للرعب الآمن
كانت الخيوط الأولى للفجر تبدأ بالتشكل في الأفق، معلنة عن قرب اختفاء السفينة. أدرك مالك المعادلة المرعبة، الخوف هنا ليس اللعنة، بل هو درع الحماية الأخير للمدينة.
"يجب أن ندعهم يخافون..." تمتم مالك وهو ينظر إلى نديم. "الصور التي التقطتها الليلة... يجب أن تنشرها فوراً. العالم يجب أن يرى 'ليفياتان' ويشعر بوجودها، فالخوف منها هو حبل النجاة لنا جميعاً."
أومأ نديم برأسه، وفهم لأول مرة معنى "الرعب الآمن". تراجعا نحو قارب الصيد ونزلا من السفينة ببطء بينما كانت الكيانات الدخانية تلوح لهما بسلام صامت ومخيف.
مع بزوغ الشمس بالكامل في الساعة الخامسة صباحاً، أصدرت السفينة صوتاً يشبه زفير الرياح، وتلاشت تدريجياً كالدخان المنقشع، وعادت مياه الساحل إلى لونها الأزرق الطبيعي وحركتها المألوفة، تاركة وراءها رصيفاً صخرياً ممتلئاً بآلاف البشر الذين يتحدثون برعب وذهول عما شهدوه.
في المساء، جلس نديم في شقته ونشر الملفات والصور عبر مدونته ومواقع التواصل الاجتماعي، واصفاً تفاصيل الليلة المرعبة وظهور سفينة الجن "ليفياتان". ارتفعت نسب المشاهدة والزيارات بملايين النقرات، وغلف الخوف الممزوج بالفضول قلوب المتابعين عالمياً.
نظر نديم من نافذته نحو البحر الهادئ، كان يعلم أن كل نقرة وكل شعور بالخوف ينتاب قارئاً الآن، يرسل شحنة خفية عبر الأثير لتغلق قفلاً حديدياً في أحشاء سفينة تبحر الآن في بعد آخر، حامية العالم من هاوية سحيقة تنتظر في الظلام.
تعليقات
إرسال تعليق