بحث هذه المدونة الإلكترونية
مدونة أدبية تأخذكم في رحلة بين تلافيف الذاكرة وعمق المشاعر الإنسانية. نقدم هنا قصصاً ملهمة، وحكايات غموض نفسي تثير الفضول، ومواقف اجتماعية دافئة تلامس قلوبكم وتترك في نفس كل قارئ أثراً وعِبرة.
مميزة
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
ترددات الغد| صوت تحت الصمت
الفصل الأول: همس المعدن القديم
كان ريّان يجلس على الكرسي الخشبي ذي المساند المتآكلة، يُصغي إلى الهمس الذي يخلفه الليل خلف جدران البناء القديم. الشارع في الأسفل خاوٍ، وضوء العمود الكهربائي الوحيد يمر عبر زجاج النافذة ليرسم على الأرضية خطوطاً صفراء شاحبة، تشبه أنياباً ممتدة من الظلام.
على الطاولة أمامه، كانت الأجهزة تعيش حياتها الخاصة. صمامات مفرغة، أسلاك نحاسية عارية تلتف كأمعاء دقيقة، ومكثفات مستعادة من أجهزة إرسال عسكرية قديمة. كان هناك شيء نقي ومخيف في عمل الصوتيات، فالضوء يمكن إغلاقه بضغط زر، أما الصوت فهو موجات تتغلغل في العظم، تجبرك على الاستماع حتى وإن أغلقت أذنيك بيدك.
رفع ريّان سماعات الرأس الجلدية الثقيلة، وضعها على أذنيه، ومرر إبهامه على المبدل الفضي لضخ الترددات المنخفضة.
في البداية، لم يكن هناك سوى الصرير المعتاد: حركة المبنى، تمدد الخرسانة تحت تأثير حرارة النهار، واهتزازات أنبوب المياه الصدئ في الحائط الخلفي. كان هذا هو صوت المادة وهي تموت ببطء.
ولكن في الساعة الثانية والثلث بعد منتصف الليل، تغير كل شيء.
انسحب الصرير الداكن، وجاء مكانه صوت هواء دافئ ينبعث من السماعة. لم يكن هذا ضجيجاً أبيض. كان هناك نفسٌ بشري. نفسٌ متقطع، ثقيل، يخرج من بين أسنان تصطك.
احتدت ملامح ريّان، ومال بجسده إلى الأمام حتى كادت أنفه تلمس السطح النحاسي للمضخم. ضبط عجلة التردد ببطء شديد، أجزاء من المليمتر. ارتفعت طبقة الصوت، واضطرب نسيج الهمس ليصبح أكثر حدة، ثم جاء الصوت.
كان الصراخ مكتوماً، لكن النبرة... النبرة كانت مألوفة لدرجة جعلت الشعر الصغير على ذراعي ريّان يقف دفعة واحدة.
"سارّة! لا تفتحي الباب! سارّة... إنه تحت..."
انقطع الصوت فجأة بصوت فرقعة معدنية حادة، يتبعها صوت ضربة ثقيلة على الخشب، ثم السكون.
سحب ريّان السماعات عن رأسيه بسرعة وكأنها قطعة جمر متقدة. ألقاها على الطاولة، فنجم عن سقوطها طنين خفيف تردد في أرجاء الغرفة. كان يلهث. يده التي كانت تلمس المفاتيح كانت ترتجف بشكل لا يمكن السيطرة عليه.
نظر إلى الساعة الرقمية على الجدار: 2:14 صباحاً، الأربعاء.
ثم نظر إلى شاشة الجهاز التي تسجل المؤشرات الزمنية للموجات. كان هناك شريط رقمي صغير يظهر في الزاوية السفلى، شريط يحدد الفارق الزمني بين التقاط الموجة ومصدرها الهيكلي.
لم يكن الحساب منطقياً. المؤشر كان يقرأ سُمكاً زمنياً معكوساً: +72 ساعة.
الحدث لم يكن قد وقع بعد. الصوت الذي صرخ باسم أخته، بصوته هو، لم يكن سوى صداء من يوم السبت القادم.
الفصل الثاني: حواف الخوف الخشنة
في الصباح التالي، لم تكن الشمس سوى قرص رمادي باهت يقف خلف غشاوة من الغبار.
جلست سارّة على الطرف المتهالك من الكنبة، تحمل كوب الشاي الذي تركه ريّان أمامه دون أن يلمسه. كانت تنظر إليه بعينين تجتمع فيهما القسوة مع الشفقة.
"أنت لم تنم منذ أسبوع، ريّان. انظر إلى وجهك في المرآة... أنت متعب."
قال ريّان دون أن يلتفت إليها، بينما كان يواصل تتبع الأسلاك الممتدة على طول حافة الجدار: "سارّة، أنا لم أفقد عقلي. الجهاز يلقط الترددات الميكانيكية التي تختزنها الخرسانة. الجدران ليست صماء كما نظن... إنها تسجل، وإذا كانت المسامية متناسبة مع الحقل المغناطيسي للمكان، فالـ..."
قطعت كلامه بحدة: "توقف عن هذا الهراء التقني! لقد استمعت إلى التسجيل الذي أسمعتني إياه قبل قليل. لم يكن سوى تشويش وضوء أبيض وصوت رياح! أنت تُسقط خوفك الداخلي على الضجيج، هذا ما يفعله عقلك بك!"
اقترب منها ريّان، وجثى على ركبتيه أمامها حتى أصبحت عيناه المحاطتان بالسواد في مستوى عينيها تماماً. كانت رائحة قهوته الباردة وأنفاسه المضطربة تملأ المسافة بينهما.
"سارّة... الصوت قال: «إنه تحت». وفي نهايته كان هناك صوت زفير يعاني من حساسية طفيفة في القصبة الهوائية... هذا زفيري أنا عندما أستنشق غبار الصوف. كان هناك صوت ضربة على الخشب الداكن... نفس خشب هذا الباب!"
هزت سارّة رأسها بأسف، ووقفت لتضع الكوب على الطاولة. "أنا قادمة يوم السبت كما اتفقنا لنقل الأوراق القديمة. ولن يمنعني كابوس تسجله أجهزتك الصدئة."
عندما أغلقت سارّة الباب خلفها، بقي ريّان واقفاً في منتصف الغرفة. سمع صوت خطواتها وهي تهبط السلالم الرخامية الداكنة. خطوة... خطوتان... ثماني خطوات. ثم توقفت الخطوات تماماً في المنتصف.
استغرق الأمر خمس ثوانٍ كاملة قبل أن يسمع صوت باب الطابق العلوي يفتح ببطء.
كان الدكتور كمال يقف هناك. ريّان لم يره، لكنه عرفه من صوت عكازه الخشبي الذي ينتهي بقطعة مطاطية متهالكة تصدر صفيراً خفيفاً عند احتكاكه للبلاط.
لم يتحدث كمال مع سارّة، لكن السكون الذي أعقب توقف الخطوات كان أثقل من أي كلام. ثم عادت الخطوات لتهبط، وأُغلق باب الطابق العلوي ببطء شديد، دون أن يُسمع صوت القفل.
الفصل الثالث: الشقة التي تتنفس
بحلول ليلة الجمعة، كانت شقة ريّان قد تحولت إلى شبكة من الأسلاك.
وضع ميكروفونات الاتجاهية في كل زاوية: عند مقبض الباب، خلف مكتبة الكتب الحجرية، وتحت بلاطة العتبة الفاصلة بين المطبخ والممر. كان يريد أن يسمع البناء وهو يفكر.
الساعة تشير إلى 11:40 مساءً.
جلس ريّان وضغط زر التسجيل الحي. وضع السماعات.
في البداية، جاء صوت الدكتور كمال من الطابق الأعلى. كان الصمت هناك مغايراً. لم يكن هناك تلفاز يعمل، ولا أوانٍ تتحرك. فقط صوت سحب منتظم لشيء ثقيل على الأرضية الخشبية. سحب... ثم توقف... ثم سحب.
ثم ارتفع صوت آخر عبر القناة المخصصة لميكروفون الممر الخارجي.
صوت رجلين يتحدثان بنبرة منخفة جداً، نبرة تنتمي لأشخاص يعلمون أن الهواء يحمل أسرارهم.
"هل تأكدت من أن الفتاة ستأتي بمفردها؟"
"ستأتي. الأخ لا يغادر الغرفة... عقله انتهى بالفعل. لن يشعر بشيء حتى ننهي السحب."
"والصندوق؟"
"الصندوق تحت أرضية المطبخ منذ الأربعينيات. لا أحد يعلم بوجوده غير كمال، وكمال لن يعيش للأسبوع القادم."
تسمر ريّان في مكانه. كان لسان حنجرته يتنقل بجهد. الميكروفون الموجه نحو جدار المطبخ كان يلتقط أصواتاً تأتي من خلف الأغطية الخشبية المتهالكة، من المكان الذي طالما ظنه مجرد تجويف لخطوط الصرف الصحي.
قام ببطء شديد. تحرك نحو المطبخ بخطوات لا صوت لها، حافياً، يمسك بيده كشافاً كهربائياً ضخماً وسكيناً عريضاً لمسح الخشب.
عندما سلط الضوء على الجزء السفلي من الجدار خلف الثلاجة القديمة، لاحظ شيئاً لم يلاحظه طوال خمس سنوات من سكنه هنا: الشق الفاصل بين الخشب والأرضية لم يكن مغطى بالدهان. كانت هناك مسامير جديدة نُزعت وأُعيد تركيبها حديثاً.
وضع أذنه على الخشب المباشر.
لم يستمع إلى صوت حركة، بل إلى شيء أفضل وأسوأ في آن واحد: استمع إلى تردد الهواء وهو يمر عبر أنبوب ضيق، كأن هناك غرفة كاملة تنفس تحت أرضية مطبخه، غرفة لا توجد في مخططات البناء.
الفصل الرابع: تقاطع الأوقات
السبت. الساعة 1:50 صباحاً.
الباقي على موعد التسجيل الأول أربع وعشرون دقيقة فقط.
كان ريّان يقف في منتصف الغرفة، والعرق يبلل قميصه الرمادي بالكامل. الشاشة أمامه تعرض خطين بيانيين: الخط الأولي (التسجيل القديم المسبق)، والخط الحي (ما يلتقطه الهواء الآن).
بدأت الخطوط تقترب من المماثلة والتشابه.
في الساعة 2:05 صباحاً، سمع صوت خطوات تسير في الشارع الخارجي. خطوات سريعة، كعب عريض يضرب الأسفلت بالمطر الخفيف.
سارّة.
ركض ريّان نحو النافذة، فتح الجزء المتحرك منها وصراخ: "سارّة! لا تدخلي! ارجعي!"
لكن المطر والريح كانا أشد. رفعت سارّة رأسها، ودخلت البوابة الحديدية الرئيسية للمبنى. سمع صوت انغلاق الباب السفلي بالثقل المعتاد: طرق... ثم صدى.
خرج ريّان إلى الممر. كان الظلام في السلم كئيباً. المصباح المركزي كان ينبض بشكل متقطع ثم انطفأ تماماً.
"سارّة!" صرخ وهو يطل من على درابزين السلم الصدئ.
من الأعلى، من الطابق الثالث، سمع صوت عكاز الدكتور كمال وهو ينزل الدرج ببطء شديد. صغير... صفير المطاط... ثم ضربة الخشب.
وفي الوقت نفسه، من أسفل السلم، كانت سارّة تصعد وهي تحمل حقيبة أوراقها، والهاتف في يدها يضيء وجهها بنور أزرق بارد.
"ريّان؟ لماذا تصرخ؟ المطر بالخارج كاد يبلل الأوراق و..."
توقفت سارّة في منتصف الدرج.
من خلفها، من القبو المظلم الذي لم يكن يُفتح أبداً، خرج رجلان يرتديان معاطف داكنة، أحدهما يحمل قطعة قماش عريضة، والآخر يحمل عتلة حديدية قصيرة.
صرخ ريّان وهو يقفز ثلاث درجات دفعة واحدة: "سارّة! لا تفتحي الباب! سارّة... إنه تحت..."
توقف ريّان في مكانه تماماً.
الكلمات خرجت من حنجرته بنفس النبرة، بنفس الانكسار، وبنفس درجة الجفاف التي استمع إليها في التسجيل قبل ثلاثة أيام!
الواقع لم يكن يتبع التسجيل... التسجيل كان يجبره على أداء دوره في النص!
الفصل الخامس: حقيقة الصمت الداكن
تراجعت سارّة إلى الخلف، لكن الرجل الذي كان يحمل القماش كان أسرع. أطبقت يده على وجهها، وسحبتها القوة نحو الأسفل.
سقطت الحقيبة، وانتثرت الأوراق البيضاء على الدرج الرخامي مثل طيور مذبوحة.
هجم ريّان نحو الرجلين، لكن ضربة حادة بكتف العتلة الحديدية جاءت من الأعلى - من الدكتور كمال الذي كان يقف خلفه برود تام - لتصيب ريّان في الفك.
سقط ريّان على الأرض، واصطدم رأسه بالحافة الخشبية لباب شقته.
طرق... صدى ثقيل.
استلقى ريّان على جانبه، والدم ينساب حاراً من جبهته ليمتزج بماء المطر المتساقط من معطف سارّة. كان بصره يشوش، لكن أذنيه كانت حادتين لدرجة لا تُطاق.
استمع إلى الرجلين وهما يسحبان سارّة نحو القبو، وإلى الدكتور كمال وهو يتنفس بثقل من أعلى السلم، يستنشق غبار الصوف الصادر من معطفه القديم.
قال كمال بصوت خافت وخالٍ من أي عاطفة: "طوال سنوات وأنت تستمع للجدران يا ريّان... ألم تفهم بعد أن الجدران لا تتنبأ بالمستقبل؟"
جلس كمال على الركبة الواحدة بجانب ريّان الملقى على الأرض، وأمسك بالسماعات التي كانت تتدلى من رقبة ريّان.
"الجهاز الذي صنعته لم يلقط الغد... بل كان يلقط ما فعلناه نحن قبل ثلاث سنوات."
اتسعت عينا ريّان المحاطتان بالدم. حاول الكلام، لكن فكه لم يكن يستجيب.
استطرد كمال وهو يمسح الدم عن عين ريّان بأصبع باردة: "أختك لم تأتِ اليوم لتزورك... أختك اختفت منذ ثلاث سنوات في هذا القبو. وأنت... من كثرة ما أكل الندم عقلك، أنشأت هذا المعمل لتسجل صوتها، وأعدت بناء الحادثة في رأسك وفي شقتك حتى أصبحت تعيش نفس الأيام الثلاثة مراراً وتكراراً."
انقبض صدر ريّان. الأصوات... الرائحة... التسجيلات...
"أنت لا تستمع للمستقبل يا ريّان... أنت فقط ترفض أن تموت الذاكرة."
سحبه كمال من ثيابه ودفعه إلى داخل الشقة، ثم أغلق الباب الخشبي الثقيل.
تلقى الباب ضربة الأخيرة.
الفصل السادس: السجل الذي لا يجف
في منتصف الليل، كانت الشقة باردة كالمقبرة.
كان ريّان يجلس على الأرض، مسنداً ظهره إلى الباب المغلق. رأسه معصوب بقماش أبيض صبغه الدم باللون الوردي.
على الطاولة، كانت أجهزة الصوتيات لا تزال تعمل. الصمامات تطلق ضوءاً برتقالياً ضئيلاً، والمكثفات تصدر طنينها المعتاد.
مد يده المرتجفة، ووضع سماعات الرأس على أذنيه.
مرر إبهامه على عجلة الترددات المخفضة. تحرك السهم على اللوحة الفضية ببطء شديد.
تلاشى ضجيج الشارع، وتلاشى صوت المطر.
وجاء الصوت من جديد.
صوت هواء دافئ ينبعث من السماعة. نفسٌ بشري مجهد... ثم صوت أخته وهي تصرخ باسمه من قاع القبو... ثم صوته هو وهو يحذرها قبل أن تسقط الحقيبة.
ابتسم ريّان ابتسامة باهتة ومكسورة. لم يكن هناك مستقبل ليغيره، ولا ماضٍ ليصححه. كان هناك فقط هذا الشريط من الصوت الذي يجري في الخرسانة، وهو حارس السلك القديم الذي لا يملك إلا أن يستمع.
أغمض عينيه، وضغط زر «إعادة التشغيل»، ليترك الترددات تجرف ما تبقى من عقله في السكون.
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
المشاركات الشائعة
أسرار الغرفة المغلقة.. حين تقودنا خريطة قديمة إلى كنز من الذكريات
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
متجر الساعات التي لا تقيس الوقت
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى

تعليقات
إرسال تعليق