التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

سر زقاق المصابيح الصفراء: قصة من عمق المدينة القديمة

  الفصل الأول: النقطة العميقة في الخريطة كان سامر يعتقد أن العالم قد تم مسحه بالكامل. بالنسبة لمهندس برمجيات ونظم معلومات جغرافية (GIS) يعمل منذ ست سنوات في شركة "أطلس مابز" الملاحية، لم تكن الأرض سوى مجموعة من الإحداثيات، وخطوط الطول والعرض، والبكسلات الملونة التي تتصل عبر خوادم عملاقة في سياتل وفرانكفورت. كان عمله اليومي يتلخص في تدقيق البيانات الميدانية التي تجمعها سيارات المسح الجغرافي: تلك السيارات البيضاء الصغيرة المزودة بأعمدة معدنية مرتفعة، تحمل في قمتها كاميرات ثمانية العدسات تدور بزاوية 360 درجة، لتمسح الشوارع، والمباني، ورصيف المشاة، وحتى وجه القطة التي تعبر الطريق. كان سامر يرى العالم من خلال شاشة المراقبة الثلاثية الممتدة أمامه. يجلس في مكتبه المنزلي في الساعة الواحدة صباحاً، والهدوء يلف شقته، بينما تحتسي يده كوباً من القهوة التي فقدت حرارتها منذ ساعة. في تلك الليلة، كان مكلفاً بإنهاء مراجعة الخرائط التفصيلية لحي "السبيل"، وهو أحد أقدم الأحياء الشعبية في أطراف المدينة. حي تتداخل فيه الأزقة الحجرية الضيقة، وتلتف فيه المباني القديمة المبنية من الحجر ...

قصة إعادة ضبط المصنع | عندما تتحول ذكرياتك إلى شفرة برمجية يُمكن مسحها!

 

غلاف رواية إثارة وغموض نفسي تظهر مهندس برمجيات أمام شاشات تحليل الدماغ ويده ملفوفة بضمادة كتب عليها لا تثق

الفصل الأول: الشاشة الرمادية

كان الصوت الصادر من جهاز تكييف الهواء المركزي في الطابق السابع من مجمع "سينابس" للتقنيات العصبية يشبه طنيناً متواصلاً ينبض في قاع الجمجمة. طنين لا تشعر به بأذنيك بقدر ما تحس به كاهتزاز خفيف في عظام الفك.

جلس عمر أمام شاشته العريضة المنحنية. كان الضوء الأزرق الصادر من الأكواد المنسابة يتنعكس على عدسات نظارته الطبية. في هذا العالم الذي يُدار بالبيانات، كانت مهمته ككبير مهندسي معالجة النماذج العصبية تبدو للغرباء نبلًا محضاً، فهو أحد الحراس الذين يضمنون ألا تؤذي التكنولوجيا العقول البصرية.

مشروع "الصفحة البيضاء" لم يكن مجرد برنامج كمبيوتر، بل كان إنجازاً طبياً وهندساً فارقاً. خوارزمية معقدة تتغلغل في الشبكات العصبية للمرضى الذين تعرضوا لصدمات حادة - مثل ضحايا الحوادث المروعة أو الحروب - لتقوم بفك الروابط الانفعالية حول الذكرى المؤلمة. لا تمحو الأحداث كلياً، بل تجردها من شحنتها العاطفية، وتحول المشهد المرعب إلى مجرد مجلد رمادي باهت في ذاكرة الإنسان، لا يثير الخوف ولا يعصر القلب.

"عمر.. الأرق يبدو جلياً في تحليل حركة عينيك."

جاء الصوت أنثوياً، هادئاً، وينضح بدفء مدروس بعناية. كانت الدكتورة نادية، رئيسة قسم المتابعة النفسية في الشركة، تقف عند حافة مكتبه المفتوح، ممسكة بكوب من القهوة الزجاجية.

التفت إليها عمر، مصلحاً وضع نظارته على أرنبة أنفه: "مجرد مراجعات متأخرة لسجلات النظام يا دكتورة. النماذج الجديدة تتطلب تدقيقاً يدوياً قبل اعتماد التحديث الأسبوعي."

ابتسمت نادية ابتسامة صغيرة تحمل مزيجاً من العطف والرقابة. كانت ترتدي معطفاً أبيض أنيقاً، وتضع على معصمها سواراً ذكياً يلمض بضوء أخضر خافت - جهاز قياس المؤشرات الحيوية الذي يرتديه جميع موظفي الشركة.

"الذاكرة البشرية ليست شفرة برمجية يمكنك السهر لتعديلها يا عمر," قالت وهي تضع يدها على طرف المكتب الخشبي. "لقد مررت بكثير منذ رحيل والدك. الفقدان يحتاج إلى وقت ليُهضم، وليس إلى مزيد من ساعات العمل أمام الشاشات."

انقبضت عضلة صغيرة بجانب فك عمر عند ذكر والده. تذكر المشهد المألوف الذي استقر في عقله خلال الأشهر الستة الماضية: المكالمة الهاتفية المتأخرة، وصوت ضابط الشرطة الهادئ وهو يبلغه بوقوع الحادث على الطريق السريع، ثم مراسم العزاء الهادئة. كانت الذكرى واضحة، لكنها خالية من أي ألم حقيقي، وكأنها مشهد من فيلم سينمائي شاهده قديماً ولم يعد يذكره بدقة.

"أنا بخير، حقاً" رد عمر بنبرة جافة وهو يعود بعينيه إلى الشاشة. "مجرد بضع مئات من السجلات وسأنهي عمل اليوم."

تابعت نادية نظراتها نحوه لثوانٍ معدودة قبل أن تنسحب عبر الممر الرخامي النظيف.

عندما ابتعدت خطواتها، تنفس عمر بصوت مسموع. أخرج من جيب بنطاله حبة دواء صغيرة، بلعها بجرعة ماء دافئة. كانت هذه هي المهدئات التي تمنحها له الشركة بناءً على توصية نادية.

أعاد نظره إلى الشاشة. كانت البيانات تتطابق وتتراكب: خطوط من الأرقام الهيدروديناميكية التي تمثل المسارات العصبية. روتين يومي مكرر. لكنه، وبشكل آلي غير مقصود، فتح أداة المقارنة المتقدمة لمراجعة السجلات التراكمية الخاصة بالأجهزة العصبية المحمولة لموظفي الطابق السابع - وهو إجراء أمني روتيني التأكد من عدم وجود تضارب في الإشارات.

وهناك، وسط أسطر متراصفة من الأرقام، لاحظ شيئاً جعل أطراف أصابعه تتجمد فوق لوحة المفاتيح.

الفصل الثاني: ثغرة الـ 180 دقيقة

لم يكن الخطأ في الشفرة، بل في التسلسل الزمني.

لكل موظف في "سينابس" ملف عصبي يُسجل استجاباته ومستويات الإجهاد عبر السوار الذكي لتعديل بيئة العمل تلقائياً. وفي الملف الخاص به - الرقم التسلسلي ENG-8841كان هناك انقطاع كامل في نقل البيانات البيومترية والعصبية.

اليوم: 14 نوفمبر الماضي. الزمن: من الساعة 09:12 صباحاً حتى 12:12 ظهراً. ثلاث ساعات كاملة. 180 دقيقة.

فتح عمر المخطط الزمني الشخصي المخزن في مفكرته الرقمية لذلك اليوم. كانت المفكرة تدون بوضوح: "إجازة مرضية - أعراض إنفلونزا حادة - طريح الفراش في المنزل". كان يذكر ذلك اليوم بوضوح، يذكر طعم شاي الليمون، والستائر المغلقة في شقته، وشعوره بالثقل في رأسه.

لكن سجلات الخادم المباشر للشركة في ذلك اليوم أظهرت شيئاً يناقض ذاكرته كلياً: بطاقته الأمنية تم استخدامها للدخول من البوابة الشرقية للشركة في تمام الساعة 08:55 صباحاً. وتم تسجيل خروجها في الساعة 12:30 ظهراً.

"كيف؟" قال عمر بصوت خفيض لم يتجاوز شفتيه.

حاول فتح الملف المصدري المقترن بتلك الساعات الثلاث من خادم النسخ الاحتياطي. ظهرت له رسالة نظام حمراء جافة: 

[خطأ 404: السجل غير موجود - تم تطبيق بروتوكول الضغط العصبي الذاتي].

بروتوكول الضغط العصبي لا يُطبق إلا في حالات علاج المرضى الذين يتعرضون لصدمات حادة أثناء الجلسات المباشرة. لم يكن يُفترض أن يُطبق على مهندس بيانات مطلقاً.

سرى خاطر بارد في جسده. بدأ قلبه يدق بإيقاع متسارع كبندول ساعة مجنونة. حاول أن يتذكر أي تفصيلة إضافية عن يوم 14 نوفمبر. حاول أن يعصر عقله: هل خرج من المنزل لمراجعة الطبيب؟ هل زار الشركة لجلب شيء ما ثم عاد؟ لكن عقله لم يقدم له سوى نفس الصورة الثابتة المحفورة بوضوح: الغرفة المظلمة، الشاي الساخن، وصوت المطر على الزجاج.

صورة بدت فجأة... أقرب إلى رسم زيتي مثالي من كونها ذكرى حقيقية.

شعر بالدوار. ألقى بنظره بعيداً عن الشاشة لتهدئة عينيه المتعبتين، وسقطت نظرته على زاوية مكتبه المكتبي المصنوع من خشب الجوز الثقيل - وهو قطع أثاث قديمة طلب عمر استبقاءها في مكتبه لأنه يكره المكاتب الزجاجية الحديثة.

هناك، قرب الحافة السفلية للمكتب حيث يتصل الخشب بالمعدن، لاحظ شيئاً لم يلاحظه من قبل.

خدش عميق في الخشب. لم يكن جرحاً عشوائياً نتيجة احتكاك كرسي، بل كان محفوراً بعناية وبأداة حادة ذات رأس مدبب. خدش صغير على شكل سهم متجه إلى الأسفل.

الفصل الثالث: لغة الخشب والورق

كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساءً عندما غادر عمر مقر الشركة. كان الشارع تحت المطر الخفيف يتلألأ بأضواء الإعلانات التفاعلية التي تحاول قراءة مشاعر المارين لتوجيه الإعلانات المناسبة لهم.

ركب قطار الأنفاق الذكي، وجلس في الزاوية، واضعاً يديه في جيوب معطفه الداكن. كان يشعر بأن النظارات والكاميرات المثبتة في سقف العربة ترقبه. هل كان يتوهم؟ أم أن البارانويا بدأت تلتف حوله كما تلتف الأغصان حول الشجر؟

عندما وصل إلى شقته في الطابق الرابع من مبنى قديم نسبيًا، لم يشرك الأضواء الذكية كعادته. ترك الشقة في ظلام شبه كامل، مكتفياً بالضوء القادم من نافذة الشارع.

اتجه مباشرة إلى الزاوية الغربية من غرفة المعيشة، حيث يضع كرسياً خشبياً قديماً ورثه عن والده. جثا على ركبتيه فوق السجادة، وتحسس أسفل مقعد الكرسي الخشبي بجميع أصابعه.

كان السطح السفلي للكرسي الخشبي خشناً وغير مصقول. تنقلت أنامله بين الخشبات حتى لامست قطعة بلاستيكية صغيرة ملتصقة بشريط لاصق شفاف.

توقف تنفسه لثانية.

سحب القطعة بحذر. كانت مطوية عدة طيات لتصبح بحجم العقلة. فتحها على ضوء هاتفه المحمول المتخافت.

كانت ورقة اقتُطعت من مفكرة حرارية قديمة، مكتوبة بخط يده - خط يد يعرفه جيداً، بتلك الميلان الخفيف في حرف الكاف والضغط الزائد سن القلم:

"عمر.. إن كنت تقرأ هذا، فهذا يعني أنهم قاموا بإعادة ضبطك للمرة الثانية. لا تصدق أي ملف تجده في السحابة. أنت لم تكن مريضاً يوم 14 نوفمبر، لقد كنت في الطابق -3. ابحث عن الطابعة القديمة في مستودع الورق. لا تحدث نادية بأي شيء. لا تأخذ المهدئ الأصفر."

اتسعت حدقتا عينيه، وسقطت الورقة من يده فوق السجادة.

جثا في مكانه، وأصابعه ترتجف.

"إعادة ضبطك للمرة الثانية؟" تكررت الكلمة في ذهنه كصدى في بئر فارغة.

هل كتب هذه الورقة بنفسه؟ متى؟ ولماذا لا يتذكر إطلاقاً أنه جثا هنا ولصق هذه الورقة؟ هل يُعقل أن عقله الذي يعتمد عليه كمهندس بيانات لم يعد ملكاً له؟ أم أن هذه المزحة الكابوسية هي بداية انهيار عقلي كامل ومرض نفسي يجعله يكتب رسائل لنفسه ثم ينساها؟

تذكر حبة المهدئ الصفراء التي بلعها قبل ساعات في المكتب بتوصية من نادية. شعر ببرودة تجري في معدته.

استقام واقفاً، وذهب إلى الحمام. أضاء النور المباشر ونظر إلى وجهه في المرآة. كان الشحوب يكسو ملامحه، والهالات السوداء تحت عينيه تبدو كظلال ثابتة.

فتح الخزانة الطبية وأخرج عبوة المهدئات. كانت الحبوب صفراء صغيرة، خالية من أي كتابة برمجية أو علامة تجارية. ألقى بالعبوة كاملة في القمامة، ثم سحب الورقة من الغرفة، وخبأها داخل حذائه الرياضي تحت النعل الداخلي.

إذا كانت التكنولوجيا تسجل وتحذف كل شيء، فإن الورق الملتصق بالخشب هو الحصن الأخير.

الفصل الرابع: ملفات طارق المفقودة

في الصباح التالي، دخل عمر الشركة وهو يرتدي قناع الهدوء التام.

بدل أن يتجه إلى مكتبه في الطابق السابع، استغل الساعة المبكرة التي يكون فيها الطابق السفلي خالياً من عمال الصيانة والمهندسين.

الطابق -3 لم يكن مدرجاً في مصاعد الموظفين العادية. كان الوصول إليه يتطلب استخدام مصعد الخدمة الخلفي المخصص لنقل المعدات الثقيلة وأجهزة مُكهنة. استخدم عمر بطاقته الأمنية في لوحة التحكم التناظرية المخبأة خلف لوح ألومنيوم. المصعد هبط ببطء، يصدر صفيراً معدنياً حاداً يؤكد قدم هذا الجزء من المبنى.

عندما فتحت الأبواب الحديدية، استقبله هواء رطب يفوح برائحة الغبار والأوراق العفنة. كان الطابق عبارة عن مستودع ضخم للأرشيف الورقي والأجهزة القديمة التي سبقت عصر التخزين السحابي العصبي.

سار عمر بين الرفوف المعدنية العالية، وهو يلتفت حوله مع كل صوت يصدره أنبوب ماء أو سلك كهربائي.

في أقصى الزاوية الجنوبية، تحت ضوء خافت ينبعث من مصباح فوسفوري يرفرف، وجد الطابعة النقطية الضخمة التي أشارت إليها الورقة - طابعة قديمة من طراز التسعينات، يعلوها غبار كثيف.

جثا عمر أمامها، وفتح درج إدخال الورق السفلي.

كان هناك مغلف أصفر كبير، مختوم بشريط لاصق أحمر يُكتب عليه عادة: [أرشيف ملغى].

مزق المغلف بأصابعه المرتجفة. أخرج منه عدة أوراق مطبوعة بالحبر الأسود التقليدي، وبضع صور فوتوغرافية حرارية قديمة لا يمكن تعديل بياناتها عبر أي خوارزمية رقمية.

تسمر عمر في مكانه عندما رأى الصور.

القصة لم تكن تخصه وحده. الصور كانت تُظهره هو وصديقه وجاره في المكتب مجاور، المهندس طارق - الذي قيل لموظفي الشركة قبل أربعة أشهر إنه استقال وانتقل للعمل في فرع الشركة خارج البلاد.

في الصور، كان عمر وطارق يقفان داخل مختبر شديد الحراسة، وأمامهما شفرة متقدمة معروضة على شاشات ضخمة يحمل عنوانها التوضيحي: "مشروع التوجيه السلوكي التراكمي".

لكن المفاجأة الأكبر كانت الملاحظة المرفقة خلف إحدى الصور، والمكتوبة بخط يد عمر أيضاً، ولكن بتاريخ أحدث بأسابيع من الورقة الأولى!

تقول الملاحظة:

"عمر.. إن وجدت هذه الصور، فاعلم أن الورقة التي تحت الكرسي كانت فخاً كتبته أنت نفسك عندما كنت تقع تحت تأثير البارانويا الناجمة عن تجارب طارق! طارق لم يستقل.. طارق حاول تدمير النظام بعد أن أصابه المرض. الشركة لم تمسح ذكرياتك لتؤذيك، بل لإنقاذك من الانهيار العصبية بعد أن حاولت الانتحار يوم 14 نوفمبر. لا تصدق أوهام المؤامرة.. عد إلى نادية فوراً وخذ علاجك!"

وقف عمر بين الرفوف المظلمة، والأوراق ترتجف بين يديه.

سقطت المتاهة فوق رأسه بكامل ثقلها.

ورقة تحت الكرسي تحذره من نادية والشركة وتقول إنهم يمسحون عقله... وورقة في الطابق السفلي تحذره من الورقة الأولى، وتقول إن الشركة أنقذته وإن عقله هو الذي ينسج المؤامرات بسبب مرض نفسي خطير!

أي الرسالتين كتبت وهو في كامل وعيه؟ وأيهما كتبت وهو تحت تأثير غسيل الدماغ أو الانهيار النفسي؟

وفجأة، قبل أن يستوعب أي شيء، سمع صوت صرير الباب الحديدي للمستودع وهو يفتح ببطء في أقصى الممر.

وصوت خطوات منتظمة تقترب بخفة فوق الأرضية الخرسانية...

الفصل الخامس: الدليل المضاد

تجمّد عمر في مكانه. كانت أنفاسه تتصاعد حارّة في ثنايا هواء المستودع الرطب.

كانت الخطوات تقترب بثبات هادئ. سحب المغلف الأصفر وألصق جسده بزاوية الرف المعدني الأخير، متوارياً خلف طابعة مُكهنة. امتدت الظلال فوق الأرضية الخرسانية قبل أن تظهر صاحبتها.

كانت الدكتورة نادية.

لم تكن ترتدي المعطف الأبيض هذه المرة، بل معطفاً مطرياً داكناً. كانت تمسك بهاتفها الذكي، وضوء الشاشة يضيء ملامح وجهها الدقيقة التي خلت من أي تعبير إنساني. توقفت على بُعد خطوات من الطابعة القديمة، ونظرت إلى درج الأوراق المفتوح.

"أعلم أنك هنا يا عمر," قالت بصوت رزين لم يتغير، صوت يشبه صوت آلة استجابة آلية ناعمة. "الاستمرار في البحث عن هذه الأوراق لن يساعدك. أنت تضر مساراتك العصبية المجهزة للتعافي."

خرج عمر من خلف الرف، ممسكاً بالأوراق في قبضة يده المرتجفة: "ما هذا يا نادية؟ أي الورقتين صحيحة؟ هل أنا مريض نفسي كما تقول هذه الملاحظة، أم أنكم تقتحمون عقلي وتمسحون ذكرياتي كما تقول الورقة الأولى؟"

رفعت نادية عينيها إليه، واقتربت منه ببطء، دون أي خوف.

"عمر.. الذاكرة البشرية ليست كتاباً مطبوعاً غلافه قوي" قالت وهي ترفع يدها بإشارة مطمئنة. "الذاكرة شلال من الإشارات الكهربائية. عندما يتعرض الإنسان لصدمة كبرى - كفقدان والدك أو محاولة طارق إحراق المجمع - يحاول العقل الدفاع عن نفسه عبر خلق ميكانزمات إنكار معقدة. أنت من كتب هاتين الورقتين في مرحلتين مختلفين من حالتك النفسية. الأولى كتبتها في قمة نوبة البارانويا، والثانية كتبتها بعد جلسة التعافي الأولى عندما استرددت وعيك جزئياً."

تراجع عمر خطوة إلى الخلف، وظهره يلامس الرف المعدني. "وطارق؟ أين طارق الآن؟"

سكنت نادية لبرهة. ثم أخرجت من حقيبتها جهازاً استشعارياً عصبيًا صغيراً، واعتلت وجهها نظرة أسف عميقة: "طارق لم يتحمل التعديل العصبي يا عمر. عقله رفض التوافق مع التحديثات وسقط في كومة عميقة.. ونحن نحاول حمايتك من المصير نفسه. لهذا السبب نتابعك."

نظرت إلى يديه المتيبستين على الأوراق، وتابعت بنبرة حنونة كادت تجعله يبكي: "سلّمني هذه الأوراق، وتعال معي إلى العيادة. سأريك الملف الكامل الصادق دون تشفير.. أنت لا تريد أن تؤذي نفسك مجدداً، أليس كذلك؟"

طالعها عمر. كان صوتها مقنعاً إلى حد كاسر. هل فعلاً عقله هو الخائن؟ هل هو من يخلق هذه المؤامرات ليغطي على ضعفه وانكساره النفسي؟

اقترب منها خطوة، ومد يده بالأوراق نحوها كالمستسلم... لكن عينيه سقطتا في هذه اللحظة بالذات على السوار الذكي في معصمها.

السوار لم يكن يومض بالضوء الأخضر المخصص للتفاعل الطبي الطبيعي... بل كان يومض بنمط برتقالي متقطع متسارع: نمط البث واختراق النطاق القريب.

لم تكن نادية تقنعه بالكلام... كانت شريحتها تبث إشارات دقيقة لإثارة مركز الاسترخاء في دماغه لإضعاف مقاومته!

الفصل السادس: تشريح الذاكرة

في كسر من الثانية، انكسر السحر.

دفع عمر الأوراق في وجه نادية، وركض بكامل قوته نحو ممر الخدمة الجانبي. سمع صيحتها الآمرة خلفه، ثم صوت أجهزة الإنذار التي بدأت تدوي في الطوابق السفلى بأصوات متقطعة.

لم يتجه إلى المصعد. صعد أدراج الطوارئ ثلاث درجات في كل قفزة، وقلبه يخفق في أذنيه كطبل حرب. كان يعلم أنه إذا غادر المبنى الآن، فسيتم تعقبه عبر بطاقته وسواره وضبطه في الشارع.

كان هناك مكان واحد فقط يمكنه فيه معرفة الحقيقة الرقمية المجردة: غرفة سيرفرات المراقبة المركزية في الطابق الرابع.

اقتحم الطابق الرابع. كانت الممرات خالية تقريباً، والموظفون يتهامسون بفضول بسبب صوت الإنذار. استخدم بطاقة صيانته المتقدمة وتسلل إلى غرفة المحركات حيث السيرفرات الضخمة التي تصدر هديراً ثقيلاً وتشيع برودة كالمقابر.

وصل إلى وحدة التحكم بالأنماط العصبية للشركة.

أدخل شفرة الطوارئ الخاصة به ككبير مهندسين. فتح الواجهة المباشرة، وتجاوز ملفات الذاكرة البصرية التجميلية. كمهندس، كان يعلم أن العقل يمكن خداعه بالصور والأصوات المزيفة، والبرامج يمكنها محو السجلات... ولكن هناك شيء واحد لا يمكن للأنظمة التكنولوجية إخفاءه مطلقاً: سجلات استهلاك الطاقة والحرارة الصادرة عن معالجات العقل البشري أثناء إعادة الكتابة.

طلب مصفوفة البيانات الضخمة لليوم المعلوم: 14 نوفمبر.

ثم طلب مقارنة الطاقة العصبية المنبعثة من شريحة عقله هو، بشريحة عقل طارق، بشريحتي 50 مهندساً آخرين في الطابق السابع.

وعلى الشاشة السوداء ذات النصوص الخضراء، ظهرت الحقيقة العارية الباردة التي جعلت دمائه تتجمد في عروقه.

لم تكن هناك عملية علاج نفسية... ولم تكن هناك نوبة بارانويا فردية...

يوم 14 نوفمبر، في تمام الساعة 09:12 صباحاً، تم تشغيل خوارزمية "الصفحة البيضاء" على الطابق السابع بأكمله. تم ضخ شفرة تعديل سلوكي جماعي لغسيل أدمغة كل المهندسين الذين اكتشفوا أن مشروع "الصفحة البيضاء" لم يُصمم لعلاج المرضى... بل كان يُباع لجهات نافذة لإعادة صياغة ذكريات المعارضين وإلغاء قدرتهم على الرفض أو الشك!

وطارق؟ طارق لم يمرض ولم يستقل. طارق أبدى "مقاومة عصبية" لغسيل الدماغ، فتم مسح عقله كلياً وإدخاله في غيبوبة صناعية.

أما الملاحظة الثانية المخبأة في الطابق السفلي التي تحذره من الورقة الأولى؟ لم تكن بخط يده إطلاقاً! كانت نتاج خوارزمية محاكاة خطوط دقيقة أعدتها نادية وزرعتها هناك لتجعله يشك في عقله ويلغي فكرة المؤامرة إذا ما بدأ يستعيد ذكرياته!

"إذن.. عقلي لم يكن مريضاً," زمجر عمر والدموع تحرق عينيه. "لقد أكلوا ذكرياتي وجعلوني أشك في جسدي ووالدي ونفسي!"

وفجأة، انطفأت شاشة التحكم الخضراء.

وتحولت جدران الغرفة الزجاجية الشفافة إلى اللون الأحمر الداكن.

الفصل السابع: الرفض الرقمي والنظائر العصبيّة

[تنبيه أمني أقصى: تم إثبات الوعي المتمرد للمستخدم ENG-8841] `[بدء بروتوكول المحو الكلي للمسارات المتقاطعة...]"

دوى الصوت الآلي الموحد في سماعات الغرفة وفي شريحة رأسه المباشرة في نفس اللحظة.

شعر عمر بضغط هائل يكبس على عينيه، وكأن إبراً ساخنة تغرس في قشرته الدماغية. بدأ بصره يتضبب، والذكريات تبدأ بالاهتزاز: صورة وجه والدته وهو صغير بدأت تتلاشى كدخان.. اسم مدرسته الأولى يمتد ويذوب.. الذكريات تُقتلع من جذورها واحدة تلو الأخرى عبر البث الترددي المباشر!

سقط على ركبتيه فوق الأرضية المعدنية لغرفة السيرفرات، يمسك برأسه ويصرخ بألم لا يطاق.

"لا... لا تمحوها!" صرخ وهو يحاول التشبث بأي ذكرى حقيقية.

كان النظام ينفذ عملية "إعادة ضبط مصنع" كاملة للخلية العصبية، ليحوله إلى وعي فارغ، صفحة بيضاء يمكن للشركة أن تكتب عليها أي هوية جديدة تريدها.

في هذه اللحظة من الألم المطلق، أدرك عمر شيئاً واحداً: في المعركة بين الذاكرة الرقمية والجسد المادي، الجسد دائماً يمتلك الكلمة الأخيرة. التكنولوجيا تعدل الإشارات الكهربائية في الدماغ، لكنها لا تستطيع تعديل الألم المادي المباشر الذي يُسجل في الخلايا الجلدية والعصبية للجسد قبل أن يصل للذاكرة التجميعية!

سحب من جيبه الداخلي القلم المعدني الثقيل ذو السن الحاد الذي كان يستخدمه لرسم المخططات.

وبلا تردد، وبحركة يائسة ومشحونة بالألم، غرس سن القلم الحاد في عمق كف يده اليسرى.

ضغط بقوة، وحرك السن بعنف تحت الجلد واللحم، حافراً جرح غائر وشديد كلمتين، والدم ينزف منه بغزارة على أرضية السيرفر المعدنية:

"لا تـثـق"

كان الألم حاداً، حارقاً، ومفاجئاً لدرجة أنه أحدث "صدمة عصبية حسية" قطعت البث الترددي للشركة فوراً! انقطعت بروتوكولات المحو بسبب التداخل الصدمي الحاد للدم والألم المباشر.

انهار عمر على الأرض، وعيناه تغلقان ببطء وسط بركة من دمه، بينما كانت أضواء الأجهزة تنطفئ في عينيه كلياً...

الفصل الثامن: الجرح الأخير... والنهاية المفتوحة

استيقظ عمر.

كانت رائحة الياسمين الناعمة تملأ الغرفة. كان مستلقياً على سرير مريح في غرفة مضاءة بشمس الصباح الدافئة. كانت الشاشة على الجدار تعرض منظراً طبيعياً لهضاب خضراء وصوت عصافير تتشدو بهدوء.

جلس ببطء. كان يشعر براحة استثنائية، وذهن صافٍ لم يعهده منذ سنوات. لا أرق، لا بارانويا، ولا طنين في الرأس.

دخلت الدكتورة نادية الغرفة، ترتدي معطفها الأبيض الأنيق، وتحمل لوحاً ذكياً. ابتسمت له بصفاء وإنسانية دافئة: "صباح الخير يا عمر. كيف تشعر اليوم؟"

ابتسم عمر ابتسامة خفيفة، وأصلح وضع جلسته: "صباح النور يا دكتورة.. بصراحة، أشعر أنني لم أنم بهذا العمق منذ زمن طويل. كأن أحمالاً ثقيلة أُزيحت عن كتفي."

قربت نادية كرسياً وجلست بجانبه: "هذا طبيعي جداً. الجلسة العلاجية بالأمس كانت ناجحة للغاية. لقد تجاوزنا أخيراً مرحلة الصدمة الحادة المتعلقة بحادث والدك. عقلك الآن في حالة تعافٍ كاملة."

"الحمد لله," قال عمر بنبرة صادقة. ثم نظر إلى يده اليسرى الملفوفة بشاش طبي أنيق ونظيف. "ولكن.. ما هذا الضماد يا دكتورة؟ هل أصبت بأذى؟"

ابتسمت نادية بعطف وهزت رأسها: "آه، حادث بسيط في المطبخ قبل أيام أثناء نوبة الأرق القديمة.. تعثرت بقلم زجاجي وخدشت يدك. لا تقلق، الجرح سطحي تماماً وسيتعافى خلال أيام."

ومضت نادية لمتابعة بعض الفحوصات على الشاشة الذكية.

أومأ عمر بتفهم. قام من السرير متجهاً إلى الحمام الداخلي لغسل وجهه. وقف أمام المرآة النظيفة. كان وجهه مشرقاً، وعيناه خاليين من أي هوامش سوداء.

رفع يده اليسرى، وفك الشاش الطبي ببطء ليتفقد الخدش.

تحت الجلد المحمر، كان هناك جرح قطعي حاد، يلتحم ببطء. لم يكن جرحاً عشوائياً نتيجة زجاج مكسور كما قالت نادية... بل كانت ندبة حادة بائنة تُشكل حروفاً جافة وواضحة تم حفرها بعمق:

لا تـثـق

تسمر عمر في مكانه. غمرت برودة غير مفهومة أطرافه.

نظر إلى يده.. ثم رفع عينيه ببطء ونظر إلى وجهه في المرآة.

لم يتذكر كيف أُصيب بهذا الجرح. ولم يتذكر متى كتبه. كان عقله يصر تماماً على أن نادية صادقة، وأن الحياة جيدة، وأن كل شيء في نصابه الصحيح.

ولكن، عندما أمال رأسه قليلاً ليغسل يديه بالماء، لمح على حافة رف المرآة الخشبي، ورقة صغيرة جداً مطوية بحجم العقلة، جافة ومخبأة تحت علبة الصابون، مكتوباً فيها بخط يده الشخصي بال حبر الأسود:

"إن كنت تقرأ هذا، والجرح ما زال يؤلمك.. فلا تنظر إلى المرآة مطولاً. نادية تقف خلف الباب الآن، وهي تنتظر أن تبتسم لتتأكد من أن التحديث الأخير قد اكتمل."

توقف عمر عن الحركة.

توقف صوت المياه المنسابة من الصنبور.

وفي انعكاس المرآة أمامه... رأى باب الحمام يفتح ببطء شديد وبصمت تام...

تعليقات

المشاركات الشائعة