الفصل الأول: عِبء النحاس والصدأ
كانت المدينة في الخارج تموج بالسرعة والتكنولوجيا، ناطحات سحاب من الزجاج الشفاف، وسيارات كهربائية صامتة، وشاشات هولوغرافية تملأ الميادين بأضواء ساطعة وصاخبة. لكن خلف تلك الواجهات الحديثة الباردة، في زقاق ضيق منسي التوت جدرانه الحجرية القديمة لتصنع واحة من الظلام الدامس، كان يقع متجر "الزمن الغابر". متجر للأنتيكات العتيقة، تفوح منه رائحة الورق العفن، زيت الخشب القديم، والمعادن المصقولة التي استقرت عليها عقود من النسيان.
هناك، وسط الساعات الجدارية التي تدق عقاربها بإيقاعات متضاربة كأنها تتصارع على الوقت، كان يتجول مروان. شاب في أواخر العشرينيات، بعينين حادتين خلف نظارته الطبية، يحمل هوساً غريباً بكل ما هو قديم ومات أصحابه. بالنسبة لمروان، الأشياء القديمة ليست مجرد قطع من الديكور، بل هي مخازن للأرواح، أوعية مادية تحتفظ ببقايا أنفاس، وضحكات، ودموع الأشخاص الذين امتلكوها ذات يوم قبل أن يرحلوا إلى القبور.
في ذلك المساء الخريفي، عندما كانت الرياح تعصف بأوراق الشجر الجافة خارج المتجر مصدرة صوتاً يشبه عويل النساء، وقعت عيناء مروان على قطعة استقرت في زاوية معتمة على رف خشبي يعلوه الغبار. كان هاتفاً قديماً يعود لثلاثينيات القرن الماضي، مصنوعاً من مادة الباكيليت السوداء الثقيلة، بقاعدة مربعة سميكة، وسماعة ضخمة تستقر فوق شوكتين نحاسيتين، وقرص دوار أبيض تآكلت أرقامه بفعل الزمن.
تقدم مروان ببطء، وشعر بوخزة غريبة من الفضول تسري في أطراف أصابعه. سحب الهاتف، كان ثقيلاً على نحو غير طبيعي، وكأنه محشو بالرصاص أو بطين القبور. قلب الهاتف ليرى أسفله، فلاحظ أن السلك القطني السميك المخصص لتوصيله بالمنفذ الجداري مقطوع بعنف من جذوره، ولم يتبقَ منه سوى بضعة سنتيمترات من الأسلاك النحاسية العارية المتآكلة. الهاتف كان معزولاً تماماً عن أي شبكة، أو تيار كهربائي، أو خطوط اتصال منذ عقود.
"هذا الهاتف له تاريخ حزين يا بني"، جاء صوت صاحب المتجر العجوز، الذي ظهر من بين الظلال مثل شبح مستيقظ. كانت ملامحه مجعدة وعيناه باهتتين مغطاة بطبقة من المياه الزرقاء.
"ما قصته؟" سأل مروان، وهو يمسح الغبار عن القرص الدوار، الذي أصدر صوتاً معدنياً رتيباً "تيك... تيك... تيك" أثناء عودته لمكانه.
تنحنح العجوز وأشاح بنظره نحو الأرض: "تم العثور عليه في شقة امرأة عاشت وحيدة وماتت خلف بابها المغلق. قيل إنها قضت أشهرها الأخيرة تجلس بجانبه، تنتظر مكالمة من خطيبها الذي مات في الحرب، ولم تكن تسمح لأحد بلمسه. عندما وجدوها، كانت جثتها متصلبة تماماً وهي تقبض على السماعة السوداء بقوة. أنصحك بألا تشتريه، هناك أشياء تحتفظ بالانتظار وتتغذى على الأرواح حتى بعد رحيل أصحابها."
لم تزيد كلمات العجوز مروان إلا شغفاً وهوساً. دفع ثمن الهاتف دون تردد، وحمله برعاية بين يديه كأنه يحمل طفلاً رضيعاً، وتوجه بسرعة إلى شقته الواقعة في الطابق الرابع من بناية قديمة ذات جدران سميكة وسقوف شاهقة الارتفاع.
الفصل الثاني: سكون يرتجف
وضع مروان الهاتف الأسود في منتصف طاولة القراءة الخشبية بغرفة مكتبه، تحت الضوء الأصفر الخافت لمصباحه المكتبي. كان الهاتف يبدو كقطعة فنية غريبة وسط كتبه ومخطوطاته. جلس يتأمله، ومسح جسده المصنوع من الباكيليت بقطعة قماش ناعمة، متجاهلاً السلك المقطوع الذي يتدلى من خلفه كذيل أفعى ميتة.
عندما انتصف الليل، بدأت الأجواء في الشقة تتغير بشكل دقيق، تفاصيل صغيرة لم ينتبه إليها مروان في البداية لكنها بدأت تزارع في صدره انقباضاً مجهولاً ورعباً دفيناً.
رائحة الهواء أصبحت ثقيلة ورطبة، تشبه رائحة الغرف المغلقة تحت الأرض التي لم تطأها قدم بشرية منذ سنوات طويلة. الرطوبة بدأت تتكثف على زجاج النوافذ من الداخل، لتصنع قطرات ماء تنحدر ببطء كدموع باردة. الصمت في الشقة لم يعد صمتاً طبيعياً، بل صار صمتاً "نشطاً"، صمتاً تسمع فيه أذنك طنيناً خافتاً كأنه ترددات لشبكة غير مرئية تعمل في الفراغ المحيط بك.
تجاهل مروان الأمر وقرر الذهاب إلى سريره. أغلق ضوء المكتب، لكنه قبل أن يغلق الباب، التفت لينظر إلى الهاتف تحت ضوء القمر الشاحب المتسلل من النافذة. كان القرص الدوار الأبيض يلمع وسط السواد كعين مفتوحة يراقب حركاته.
في الساعة الثانية صباحاً، استيقظ مروان فجأة.
لم يستيقظ بسبب كابوس، بل لأن البرد في غرفته صار قارصاً لدرجة أنه كان يرى بخار أنفاسه يتصاعد في ظلام الغرفة كدخان خفيف. الغطاء الصوفي الثقيل لم يكن كافياً لحمايته من برودة بدت وكأنها تنبع من داخل عظام نفسه. ساد سكون مرعب، سكون انقطع فجأة بصوت ميكانيكي حاد وحاد جداً صدم جدران الشقة وجعل قلبه يقفز من صدره.
"رننننننننننننننننننن!"
كان صوتاً معدنياً قديماً، رنين جرس نحاسي داخلي يضرب بقوة وعنف. رنين الهواتف العتيقة التي لا يمكن تزييف صوتها.
تجمد مروان في سريره، وشعر بشلل كامل يصيب أطرافه. عقله الرافض للتصديق بدأ يحلل الموقف بحمى: الهاتف لا يحتوي على أسلاك. ليس متصلاً بالكهرباء. ليس متصلاً بحرارة الهاتف. السلك مقطوع من جذوره! فكيف يرن؟ كيف يمكن للجرس النحاسي الداخلي أن يتحرك بآلية ميكانيكية دون تيار يدير التروس؟
"رننننننننننننننننننن!"
تكرر الرنين، وكان الصوت في هذه المرة يبدو أعلى، وأكثر إلحاحاً، وكأن الجدران الخرسانية نفسها تهتز مع كل ضربة جرس. نهض مروان من سريره ببطء، وجسده يرتجف بعنف. دفع باب غرفته وتوجه نحو الممر المظلم المؤدي إلى المكتب. كانت الأرضية الخشبية باردة كالجليد تحت قدميه العاريتين.
كلما اقترب من غرفة المكتب، كان يشعر بضغط الهواء يزداد في أذنيه، كما يحدث عندما تنحدر في بئر سحيق. دخل المكتب، ليرى الهاتف الأسود يستقر فوق الطاولة تحت ضوء القمر. الصدمة البصرية التي شلت تفكيره هي أن شوكتي النحاس اللتين تستقر فوقهما السماعة كانتا تتحركان ببطء لأعلى ولأسفل مع كل رنة، والقرص الدوار يدور تلقائياً نحو الرقم "صفر" ثم يعود مصدرًا صوته الرتيب: "تيك... تيك... تيك".
تقدم مروان، ويده تمتد نحو السماعة الثقيلة برعب تملكه بالكامل ولكن يدفعه فضول جنوني قاتل. وضع أصابعه على السماعة الباكيليت الباردة، ورفعها عن الشوكة.
توقف الرنين فوراً. ساد صمت مطبق، صمت مخيف كصمت المقابر في ليلة عاصفة. رفع مروان السماعة ووضعها على أذنه.
في الثواني الأولى، لم يسمع شيئاً سوى صوت تشويش بعيد وعميق، تشويش يشبه صوت الرياح وهي تعبر ممرات كهف مهجور، أو صوت أمواج بحر يقع في بعد آخر مظلم. ثم، بدأ التشويش يتركز، وتحول إلى طنين منتظم، وفجأة... سمع صوت أنفاس.
لم يكن نَفساً واحداً. كان نَفساً بطيئاً، لزجاً، ومحشوراً برطوبة قادمة من أعماق الأرض. أنفاس امرأة عجوز تلهث بجهد فائق، يتبعها صوت حفيف أوراق جافة أو قماش خشن يتجرجر في الظلام.
"مرحباً؟" خرجت الكلمة من فم مروان كهمس خائف ومتقطع.
توقفت الأنفاس فوراً عند سماع صوته. ساد سكون تام لثانيتين، ثم جاء الصوت من الجانب الآخر. لم يكن صوتاً يمر عبر أسلاك أو ترددات، كان صوتاً يبدو وكأنه ينبعث من داخل جمجمة مروان، صوت امرأة أجش، بارد، ومليء بحزن مرعب:
"أنت لست هو... لماذا جلست في مقعدي؟ لماذا رفعت سماعتي؟"
ألقى مروان السماعة برعب شديد فوق الطاولة. سقطت السماعة الثقيلة لتحدث خطاً أسود على الخشب، وتدحرجت لتستقر على حافة الطاولة. تراجع مروان إلى زاوية الغرفة وهو يتنفس بسرعة، وعيناه مثبتتان على الهاتف الذي سكن تماماً، بينما صوت المرأة لا يزال يتردد صداه داخل عقله كأنه وُشم في ذاكرته بكيّ النار.
الفصل الثالث: تسرب الظلال
عندما أشرقت شمس الصباح الباكر، بدت أشعتها باهتة وصفراء، لا تملك القوة لتبديد الظلام القابع في زوايا الشقة. حاول مروان إقناع نفسه بأن ما حدث ليلًا كان مجرد هلاوس ناتجة عن الإرهاق وأرق القراءة، أو حلم يقظة شديد الواقعية بسبب هوسه بالقصة التي رواها له صاحب المتجر.
لكن عندما اقترب من طاولة المكتب، وجد الأدلة المادية التي لا يمكن إنكارها أو الهروب منها.
السماعة كانت لا تزال ملقاة على جانب الطاولة بعيداً عن الشوكة النحاسية. والأخطر من ذلك، هو أن بقعة صغيرة من الماء العفن والرطب كانت تحيط بقاعدة الهاتف السوداء، بقعة تفوح منها رائحة التراب المبلل بماء المطر العتيق... أو ماء القبور المنسية.
قرر مروان التخلص من الهاتف نهائياً. حمله وضعه داخل كيس قماشي سميك، ونزل به إلى الشارع بخطوات متسارعة. سار حتى وصل إلى حاوية النفايات الكبيرة في نهاية الزقاق المظلم، وألقى بالكيس في الداخل، واستمع بصوت الارتطام الثقيل بقاع الحاوية بارتياح كبير. تنفس الصعداء وعاد إلى شقته، ظاناً أن الكابوس قد انتهى بتخليه عن القطعة الملعونة.
قضى بقية يومه يحاول القراءة والعمل، لكن أجواء الشقة لم تعد كما كانت.
البرودة لم تغادر الغرف، بل كانت تزداد كثافة كلما غابت الشمس واقترب الليل. في الساعة التاسعة مساءً، عندما كان يجلس في الصالون، لاحظ تفصيلاً جعل الدماء تتجمد في عروقه. جميع الساعات العقاربية في المنزل (ساعة الحائط، ساعة المكتب، وحتى ساعته اليدوية) توقفت تماماً عن الحركة عند نفس التوقيت بدقة: الثانية صباحاً. حاول تدوير تروسها، لكن العقارب كانت متصلبة كأنها ملحومة بحديد مصهور.
فجأة، انقطع التيار الكهربائي عن البناية بأكملها. انطفأت أضواء الشقة، وغرقت الغرف في ظلام دامس لا ينيره سوى ضوء الشوارع الشاحب الذي يعبر النوافذ المتسخة بالرطوبة.
وفي وسط هذا الظلام، من نهاية الممر المعتم المؤدي إلى غرفة المكتب... انطلق الصوت المدوي مجدداً.
"رننننننننننننننننننن!"
شعر مروان بركبتيه ترتطمان بالأرض من شدة الرعب. الهاتف في الحاوية بنهاية الشارع، لقد ألقاه بيده وتأكد من سقوطه وتخلصه منه! فكيف يرن الآن من داخل مكتبه المقفل؟
تحرك كالمسجون الذي يساق إلى مقصلته، يسير في الممر المظلم مستنداً على الجدران الباردة اللزجة التي بدأت تفرز ماءً رطباً. دخل المكتب، وتحت ضوء القمر، رأى الهاتف الأسود يستقر في مكانه الأصلي تماماً فوق الطاولة الخشبية، وكأنه لم يغادرها قط. السماعة كانت تستقر فوق الشوكة النحاسية التي كانت ترتجف مع كل رنة بعنف يصدر صوتاً معدنياً مفزعاً.
"رننننننننننننننننننن!"
الرنين هذه المرة كان يصاحبه صوت آخر، صوت خطوات بطيئة وخفيفة تأتي من الغرفة... ولكن ليس من خلفه، بل خطوات تصدر من داخل جدران الغرفة نفسها، كأن هناك أشخاصاً غير مرئيين يسيرون محاصرين بين الطوب والخرسانة ويحاولون الخروج.
تقدم مروان بيد ترتعد كأوراق الشجر في مهب العاصفة. رفع السماعة، ووضعها على أذنه دون أن ينطق بكلمة، والدموع تنهمر من عينيه.
لم يكن هناك تشويش هذه المرة. الصوت كان واضحاً، قريباً جداً، كأن فم المتحدث يلامس أذن مروان مباشرة. لم يكن صوت امرأة عجوز واحدة، كان صوتاً متعدداً، مزيجاً من أصوات مختلفة تتحدث في نفس الوقت بكلمات متداخلة، أصوات رجال، نساء، وأطفال، يصرخون ويبكون ويهمسون بنبرات تقطر رعباً:
"لماذا تركتنا في الظلام؟... الجانب الآخر بارد جداً... الأسلاك مقطوعة لكن الدماء تجري في النحاس... افتح لنا الباب... افتح لنا الباب!"
"من أنتم؟ ماذا تريدون مني؟" صرخ مروان وهو يبكي من شدة الرعب، وحاول سحب السماعة عن أذنه بكل قوته، لكنه اكتشف بذهول قاتل أن السماعة الباكيليت السوداء كانت ملتصقة بجلد أذنه وجانب وجهه كأنها نمت منه!
مادة الباكيليت بدأت تذوب ببطء وتتداخل مع خلايا بشرته اللحمية، والأسلاك النحاسية العارية المقطوعة الممتدة من خلف الهاتف بدأت تتحرك وتتلوى في الهواء كأطراف حشرة عملاقة، وتمتد ببطء على طول الطاولة الخشبية نحو ساقيه العاريتين!
الفصل الرابع: الكيانات العابرة للترددات
حاول مروان الصراخ، لكن صوته كان يُمتص بالكامل داخل سماعة الهاتف الملتصقة بوجهه لتتحول صرخاته إلى طنين أصم في الجانب الآخر. الأسلاك النحاسية العارية وصلت إلى قدميه، وبدأت تخترق جلده ببطء وبألم حاد يشبه غرز مئات الإبر الساخنة في العصب المكشوف. كانت الأسلاك تسير تحت بشرته، يراها بعينيه المذعورتين تحت ضوء القمر كخطوط سوداء متعرجة تتحرك بسرعة نحو الأعلى، نحو صدره وقلبه النابض برعب.
مع دخول الأسلاك النحاسية إلى داخل جسده، بدأت ذكريات غريبة ومظلمة تتدفق إلى عقله بجنون، ذكريات لم تكن تخصه ولا تنتمي لزمنه.
رأى شقة مظلمة في الأربعينيات، وامرأة عجوز تجلس في سكون مميت بجانب الهاتف حتى تعفن جسدها، ورأى ليلة الانفجار في الحرب وجثثاً ممزقة تحت الأنقاض، ورأى وجوهاً لأشخاص ماتوا غرقاً في البحار، وأشخاصاً انتحروا في غرف مغلقة وهم يقبضون على هواتفهم... كل طاقات الألم، الانتظار، الحزن، والمنية الفجائية التي مرت عبر هذا الهاتف طوال قرن من الزمان كانت تتدفق الآن داخل جسده وعقله، محولة إياه إلى محطة استقبال حية.
التفت مروان بوجهه الملتصق بالهاتف نحو النافذة الزجاجية الكبيرة. عبر قطرات الرطوبة المكثفة المتجمدة، لم يعد يرى شوارع المدينة الحديثة، ولا ناطحات السحاب، ولا أضوائها الهولوغرافية.
كان يرى وادياً شاسعاً ومظلمًا تحت سماء رمادية معدومة النجوم والضياء. وادياً يمتلئ بملايين الأعمدة الخشبية القديمة للهواتف، وتتدلى منها ملايين الأسلاك المقطوعة والممزقة التي تتلوى كالأفاعي وسط برك من الطين الأسود العفن. وآلاف البشر المصنوعين من الدخان والرماد كانوا يسيرون في ذلك الوادي، وأقدامهم مرتبطة بتلك الأسلاك، ورؤوسهم مائلة لأعلى وعيونهم بيضاء تماماً خالية من النن، يصدرون همساً واحداً يملأ الأثير: "الخطوط مفتوحة الآن... الخطوط مفتوحة...".
أدرك مروان الحقيقة المرعبة التي أخفاها عنه صاحب المتجر: الهاتف لم يكن مجرد أنتيكة قديمة، بل كان "مكثفاً روحياً"، بوابة مادية تم صنعها عبر عقود من طاقة الانتظار والموت المأساوي لتربط عالمنا المادي بالهاوية السحيقة للأرواح المنسية. وبمحاولة مروان التخلص منه وقطعه للأسلاك، تم تفعيل البوابة بشكل دائم لتبحث عن جسد بشري يغذيها بالطاقة.
الأسلاك النحاسية وصلت الآن إلى عنقه، وبدأت تخترق فكه وتتجه نحو لسانه وحباله الصوتية لتخنقها. شعر بجسده يتصلب ويتحول ببطء، من أطراف أصابعه صعوداً، إلى نفس المادة السوداء الثقيلة والباردة... مادة الباكيليت. أصبح عاجزاً عن التراجع أو الصراخ، تحول إلى قطعة أثاث أخرى قاطنة في غرفة المكتب المظلمة، عبارة عن تمثال من الباكيليت الأسود يمسك بسماعة ملتحمة بوجهه.
الفصل الخامس: خطوط ميتة
بعد عدة أسابيع، لاحظ جيران البناية تصاعد رائحة رطوبة وعفن شديدة من شقة مروان، وتراكم فواتير البريد خلف الباب دون أن يفتحها أحد أو يصدر من الداخل أي صوت. تم استدعاء الشرطة لفتح الشقة والتحقق من الوضع.
عندما كسر رجال الأمن الباب الخشبي الثقيل، تراجعت خطواتهم بسبب الهواء البارد والرطب الذي اندفع نحو الممر، هواء كان يحمل رائحة تراب المقابر القديمة المبلل بماء الموت. كانت الشقة مظلمة تماماً، والنوافذ مغطاة بطبقة سميكة من الرطوبة المتجمدة السوداء التي تمنع دخول أي ضوء للشمس.
دخل المحققون إلى غرفة المكتب، ليعثروا على مشهد تم تقييده في السجلات السرية للمديرية كواحد من أكثر الحوادث غموضاً ورعباً في تاريخ المدينة الحديث الكاشف للموارئيات.
مروان كان جالساً على كرسيه الخشبي أمام طاولة القراءة. جسده كان متصلباً تماماً، وبشرته تحولت إلى اللون الرمادي الداكن والجاف كأنه تم تحنيطه ودفنه منذ قرون مضت. والمفاجأة التي شلت تفكير رجال الأدلة الجنائية وجعلت الدماء تتجمد في عروقهم هي أن يده اليمنى وجانب وجهه الأيمن كانا مدمجين وملتحمين بالكامل على المستوى الخلوي مع هاتف أسود قديم مصنوع من الباكيليت.
لم تكن هناك أي أسلاك ممتدة من الهاتف إلى الجدار، بل كانت الأسلاك النحاسية العارية للهاتف تخرج من قاعدة الجهاز وتخترق معصم مروان وجلده مباشرة، وتسير كخطوط سوداء بارزة وسميكة تحت بشرة ذراعه وعنقه حتى تختفي داخل فمه المفتوح على وسعه في صرخة صامتة متجمدة للأبد.
أحد المسعفين تقدم بحذر شديد وحاول رفع السماعة عن أذن مروان المتوفى، لكنه بمجرد أن لمس مادة الباكيليت السوداء الباردة، اشتعلت الساعات العقاربية المتوقفة في الغرفة فجأة بالعمل لثانية واحدة، وانطلق صوت جرس معدني حاد ومرعب من داخل قفص صدر مروان الميت نفسه!
"رننننننننننننننننننن!"
تراجع الجميع بذعر شديد وصراخ، وأمر المحقق بإغلاق الشقة بالشمع الأحمر بالكامل ونقل الجثة مع الهاتف كقطعة واحدة غير قابلة للفصل إلى مختبرات الأبحاث السرية التابعة للمديرية.
بعد أشهر، تم بيع محتويات الشقة المتبقية في مزاد علني لتغطية الديون المتراكمة. ومن بين القطع التي عادت بطريقة ما إلى رفوف متجر "الزمن الغابر" في ذلك الزقاق المظلم، كان هناك سجل نزلاء قديم، وساعة جدارية متوقفة عقاربها عند الساعة الثانية صباحاً، وهاتف أسود جديد معروض في الزاوية المعتمة... هاتف ثقيل كالرصاص، بقاعدة مربعة سميكة، وسلك قطني مقطوع من جذوره، وقرص دوار أبيض يحمل أرقاماً تآكلت بفعل الزمن، ينتظر بشغف مستكشفاً وجامع أنتيكات جديد يعشق القديم، ليرفع السماعة ويستمع إلى الصدى القادم من الجانب الآخر للهاوية.
تعليقات
إرسال تعليق