التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

العميل رقم 7: عندما يتلاعب العقل الباطن بالواقع

  هناك دهاليز في العقل الباطن لم تطأها أقدام العلم بعد، مساحات رمادية نلجأ إليها عندما يصبح الواقع أكبر من قدرتنا على التحمل. في تلك الزوايا المظلمة، يمكن للعقل أن يبني مدناً، وعيادات، وحياة كاملة، فقط ليحمينا من حقيقة واحدة قاسية قد تدمر كل ما تبقى منا. الفصل الأول: زائر الفراغ الرمادي كانت الساعة تقترب من السادسة مساءً عندما جلست نادين خلف مكتبها الأنيق ترتب ملفات مراجعيها. بصفتها أخصائية نفسية متفوقة في علاج صدمات الحوادث وفقدان الذاكرة، مرت عليها عشرات الحالات المعقدة، لكنها لم تكن تعلم أن خلف الباب يقف العميل الذي سيقلب عالمها رأساً على عقب. دق الباب بضربات خفيفة ومترددة. أذنت نادين بالدخول، ليتقدم رجل في أواخر الثلاثينيات، شاحب الوجه كأن الشمس لم تلامس جلده منذ دهور، وعيناه تحملان إرهاقاً يمتد لأميال. "مرحباً بك، تفضل بالجلوس"، قالت نادين بنبرتها الهادئة المعتادة وهي تشير إلى المقعد الجلدي المريح أمامها، "أنا الدكتورة نادين (آل سلطان) . كيف يمكنني مساعدتك؟" جلس الرجل ببطء، ونظر حول الغرفة بتوجس قبل أن ينطق بصوت خافت يحمل صدى غريباً: "اسمي طارق .. وأنا هن...

الفرشاة المنسية.. حين تعيدنا الألوان إلى أنفسنا


في زحام المسؤوليات وتفاصيل الحياة اليومية المتسارعة، ننسى أحياناً قطعاً من أرواحنا تركنها على رفوف الزمن. نركض خلف التزاماتنا، والوظائف، والمهام التي لا تنتهي، حتى نظن أننا نسير في الطريق الصحيح، إلى أن تأتي لحظة صمت غير متوقعة، تعيد ترتيب كل شيء في عقولنا وتذكرنا بمن نكون حقاً.

لم تكن سارة تشكو من حياتها؛ فقد كانت موظفة ملتزمة، تقضي يومها بين شاشات الحواسب، ومراجعة الملفات، وتنسيق الجداول الرقمية. تحولت أيامها إلى حلقة مفرغة من الروتين الدقيق: استيقاظ مبكر، عمل مستمر، ثم عودة إلى المنزل محملة بتعب جسدي يمنعها حتى من التفكير. كانت تظن أن هذا هو النجاح، وأن "الكبار" لا يملكون رفاهية الوقت للأحلام القديمة.

وفي مساء أحد الأيام، هطلت الأمطار بغزارة وتأخرت الحافلة التي تقلّها إلى المنزل. اضطرت سارة للاحتماء بواجهة متجر قديم في زاوية الشارع لم تلاحظه من قبل. نظرت خلف الزجاج لتكتشف أنه متجر لبيع أدوات الفنون والرسم.

تسمرت عيناها على لوحة قماشية بيضاء (كانفاس) تحيط بها أنابيب ألوان زيتية زاهية، وفرشاة خشبية رفيعة. في تلك اللحظة بالذات، شعرت بنبضة غريبة في قلبها، واهتز شيء راكد في أعماقها منذ سنوات طويلة.

تذكرت سارة طفولتها ومراهقتها؛ تذكرت كيف كانت غرفتها تمتزج فيها روائح الألوان، وكيف كانت تقضي الساعات تنسج عوالم كاملة بريشتها. كانت الرسم بالنسبة لها ليس مجرد هواية، بل كان متنفسها، وصوتها، والمكان الذي تطير فيه بلا أجنحة. لكن الجامعة، ثم ضغط البحث عن عمل، والاستقرار المالي، كلها أمور تسللت بهدوء وسرقت منها الفرشاة، حتى نسيت تماماً شكل أصابعها وهي ممسكة بها.

دخلت المتجر مدفوعة بحنين جارف. لامست أطراف أصابعها الأوراق الخشنة المخصصة للألوان المائية. اشترت كراسة رسم صغيرة (اسكتش) ومجموعة ألوان مائية بسيطة، وعادت إلى بيتها والبهجة تملأ صدرها لأول مرة منذ سنوات.

في تلك الليلة، أزاحت سارة الحواسب والملفات جانباً، وجلست على الأرض وفي يدها الفرشاة. في البداية، شعرت بتردد وخوف، فالحياة أخذت من مرونة يدها، لكن بمجرد أن لامست أول قطرة ماء ممتزجة باللون الأزرق سطح الورقة، تدفقت الأحلام. لم ترسم لوحة عظيمة في تلك الليلة، بل رسمت مساحة من الحرية؛ رسمت سحابة وخطوطاً متداخلة تعبر عن صخب عقلها.

أدركت سارة أن الهوايات والأحلام لا تموت بمجرد أننا كبرنا أو انشغلنا، بل تظل تنتظرنا في غرف الذاكرة المظلمة، وتحتاج فقط إلى شجاعة منا لنفتح الباب ونعيدها إلى النور. لم تترك سارة وظيفتها، لكنها تصالحت مع نفسها، وخصصت كل مساء نصف ساعة تعود فيها طفلة حرة، ترسم لتعيش، لا لتثبت شيئاً لأحد.

مسؤوليات الحياة واجبة، لكن تغذية أرواحنا بالهوايات التي نحبها هي الأكسجين الذي يجعلنا نتحمل هذا الواجب. لا تسمحوا للروتين بأن يسرق ألوانكم.


وأنتم أصدقائي قراء المدونة.. ما هي الهواية القديمة التي ألهتكم عنها الحياة وتشعرون بالحنين إليها الآن؟ هل تفكرون في العودة إليها قريباً؟ شاركوني قصصكم في التعليقات!


 

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة