مميزة

العميل رقم 7: عندما يتلاعب العقل الباطن بالواقع

 

هناك دهاليز في العقل الباطن لم تطأها أقدام العلم بعد، مساحات رمادية نلجأ إليها عندما يصبح الواقع أكبر من قدرتنا على التحمل. في تلك الزوايا المظلمة، يمكن للعقل أن يبني مدناً، وعيادات، وحياة كاملة، فقط ليحمينا من حقيقة واحدة قاسية قد تدمر كل ما تبقى منا.

الفصل الأول: زائر الفراغ الرمادي

كانت الساعة تقترب من السادسة مساءً عندما جلست نادين خلف مكتبها الأنيق ترتب ملفات مراجعيها. بصفتها أخصائية نفسية متفوقة في علاج صدمات الحوادث وفقدان الذاكرة، مرت عليها عشرات الحالات المعقدة، لكنها لم تكن تعلم أن خلف الباب يقف العميل الذي سيقلب عالمها رأساً على عقب.

دق الباب بضربات خفيفة ومترددة. أذنت نادين بالدخول، ليتقدم رجل في أواخر الثلاثينيات، شاحب الوجه كأن الشمس لم تلامس جلده منذ دهور، وعيناه تحملان إرهاقاً يمتد لأميال.

"مرحباً بك، تفضل بالجلوس"، قالت نادين بنبرتها الهادئة المعتادة وهي تشير إلى المقعد الجلدي المريح أمامها، "أنا الدكتورة نادين (آل سلطان). كيف يمكنني مساعدتك؟"

جلس الرجل ببطء، ونظر حول الغرفة بتوجس قبل أن ينطق بصوت خافت يحمل صدى غريباً: "اسمي طارق.. وأنا هنا لأنني أعيش في حلقة مفرغة لا أستطيع كسرها. أنا لست مجنوناً يا دكتورة، لكنني لم أعد أعرف أين ينتهي الوهم وأين يبدأ الواقع."

أمسكت نادين بقلمها ودونت اسمه في دفترها: "خذ نفساً عميقاً يا طارق، وأخبرني بما يحدث معك."

أغمض طارق عينيه وقال بصوت يرتجف: "كل يوم يستمر نفس الكابوس. أستيقظ فجأة لأجد نفسي في مكان أبيض تماماً، ضيق وموحش. لا أستطيع تحريك أطرافي، وفي أذني يتردد صوت منتظم ومستمر.. صوت نبضات إلكترونية حادة ومتكررة (بيييب.. بيييب.. بيييب) لا تتوقف مطلقاً. أشعر باختناق شديد، لكن عندما أقاوم وأفتح عيني بكل قوتي هرباً من ذلك المكان، أجد نفسي فجأة هنا.. في الشارع، أو في عيادتكِ هذه. الأصوات تطاردني حتى وأنا معكِ الآن، أسمعها في الخلفية."

الفصل الثاني: الخيوط الخفية المتناثرة

بدأت نادين في تحليل حالة طارق. وضعت فرضية مبدئية بأنها حالة "ذهان صدمة" أو هلاوس سمعية ناتجة عن حادث عنيف تعرض له سابقاً ورفض عقله استيعابه.

مرت الجلسات، وفي كل أسبوع كان طارق يأتي في نفس الموعد. لكن نادين بدأت تلاحظ تفاصيل غريبة بدأت تتسلل إلى وعيها، تفاصيل صغيرة لم تجد لها تفسيراً علمياً في البداية.

في إحدى الجلسات، عندما انتابت طارق نوبة بكاء، تقدمت نادين لتقدم له كوباً من الماء. وعندما امتدت يدها لتناوله الكوب، لاحظت شيئاً جعل قلبها ينقبض: لم تلمس أصابعها أصابعه مباشرة، بل شعرت بتأخر زمني غريب، كأن حركته متأخرة عن حركتها ببضع ثوانٍ، أو كأن هناك جداراً شفافاً من الطاقة يفصل بينهما.

بالإضافة إلى ذلك، بدأت نادين تشعر بوحشة غريبة في عيادتها. في المونولوج الداخلي الذي كان يدور في ذهنها كل ليلة، كانت تتساءل: "لماذا أصبحت العيادة هادئة هكذا مؤخراً؟ لا أسمع صوت سيارات في الشارع الخارجي، ولا يدخل علي السكرتير ليخبرني بوجود موعد آخر. طارق هو العميل الوحيد الذي أراه منذ أسابيع".

وفي إحدى المرات، عندما سألته نادين: "طارق، لماذا لا تحاول البقاء في منزلك بدلاً من المجيء إلى هنا في كل مرة تشعر فيها بالخوف؟" نظر إليها طارق بعينين مليئتين بالأسى وقال جملة غامضة: "أنا أحاول الاستيقاظ والعودة للمنزل يا نادين.. لكن الطبيب يقول إن الأمر يتطلب وقتاً، وإن صدمتي كانت أقوى مما أحتمل". تنهدت نادين وظنت أنه يقصد طبيباً نفسياً سابقاً زاره قبلها.

الفصل الثالث: تلاشي الجدران والصدمة الكبرى

جاءت الجلسة السابعة والأخيرة. كان طارق يبدو أكثر تماسكاً، لكن ملامحه كانت شبه شفافة تحت ضوء المصباح.

"نادين.. لقد تذكرت كل شيء اليوم"، قال طارق وعيناه تغرقان بالدموع، "لقد انقشع الضباب عن عقلي وتذكرت تفاصيل ذلك الليل الطويل."

ابتسمت نادين مشجعة: "هذا رائع يا طارق! أخبرني، ما الذي تذكرته؟ مواجهة الصدمة هي الخطوة الأولى للشفاء."

أخذ طارق شهيقاً عميقاً وقال وهو يرتجف: "كانت ليلة ممطرة بغزارة.. كنت أقود السيارة على الطريق السريع بسرعة زائدة للوصول إلى المنزل. فجأة، انحرفت شاحنة ضخمة أمامنا عند المنعطف الحاد. حاولت كبح الإطارات بكل قوتي، لكن السيارة انزلقت.. تفتت الزجاج الأمامي، وسمعت صرخة مكتومة بجانبي.. ثم حل الظلام المطلق."

تجمدت نادين في مكانها. سقط القلم من يدها ليرتطم بالأرض، لكنه لم يصدر أي صوت!

بدأت أنفاسها تتسارع، وشعرت ببرودة تجتاح أطرافها. هذه التفاصيل.. المطر، السرعة، الشاحنة، الزجاج المتفتت.. ليست تفاصيل حادث طارق. هذه تفاصيل الحادث الأليم الذي تعرضت له نادين نفسها مع عائلتها قبل عدة أشهر!

"كيف.. كيف تعرف تفاصيل حادثي؟" سألت نادين بصوت مرعوب وهي تتراجع بكرسيها للخلف.

نظر إليها طارق، ولم تعد عيناه شاحبتين، بل امتلأتا بحنان هائل وأسى لا ينتهي. مد يده الشفافة ووضعها فوق يدها، ولم تشعر نادين ببرودة هذه المرة، بل شعرت بدفء مألوف للغاية.. دفء كانت تفتقده طوال حياتها.

"نادين.. يا حبيبتي"، قال طارق بصوت هادئ ومبكي، "أنا لست عميلاً غامضاً جاء للعلاج لديكِ.. أنا طارق، زوجكِ."

الفصل الرابع: داخل العناية المركزة

في تلك اللحظة، بدأت جدران العيادة الأنيقة تتشقق وتتلاشى كدخان باهت في الهواء. اختفت الكتب، واختفى المكتب الخشبي، ليحل محلها فضاء أبيض ناصع، وجدران زجاجية، ورائحة معقمات طبية نفاذة.

لم تكن نادين في عيادتها طوال الأسابيع الماضية. كانت ترقد على سرير أبيض في غرفة العناية المركزة، وجسدها موصول بعشرات الأنابيب والأجهزة الطبية، غارقة في غيبوبة عميقة منذ ليلة الحادث.

والصوت المنتظم الذي كان يشكو منه طارق (بيييب.. بيييب).. لم يكن هلاوس سمعية خاصة به، بل كان صوت جهاز إنعاش نبضات قلب نادين الذي كان يتردد في غرفتها بالمستشفى!

العقل الباطن لنادين رفض تقبل فكرة الفقد وفقدان السيطرة، فبنى لها هذا "الخيال النفسي":عيادة وهمية تمارس فيها دورها كمعالِجة قوية ومسيطرة، وتحول فيه زوجها، الذي كان يقود السيارة ويرقد الآن في الغيبوبة بجانبها، إلى مجرد "عميل مريض" يحتاج مساعدتها، فقط لكي لا تواجه الحقيقة المفجعة.

طارق لم يكن يتخيل، بل كان عقله الباطن يزورها في غيبوبتها، يحاول التحدث إليها وسحبها نحو الاستيقاظ.

نظر إليها طارق للمرة الأخيرة وقال: "الأطباء يحاولون إنعاشكِ يا نادين، لكن عقلكِ متمسك بهذا المكان الوهمي ويرفض العودة. يجب أن تسمحي لي بالرحيل، ويجب أن تتقبلي ما حدث لتستيقظي.. أنا بانتظاركِ في العالم الحقيقي."

دمعت عينا نادين وهي تنظر إلى زوجها، وتذكرت كل شيء. تخلت عن كبريائها المهني وسيطرتها الوهمية، وأمسكت بيده وقالت: "أنا آسفة يا طارق.. لقد فهمت الآن."

بدأ جسد طارق يتلاشى ببطء وهو يبتسم لها، ومع اختفائه، بدأ صوت النبضات الإلكترونية الحادة (بيييب) يهدأ تدريجياً في خلفية عقل نادين، لتنفتح أمامها طاقة من الضوء الحقيقي، معلنةً نهاية الوهم وبداية الاستيقاظ الطويل.

تعليقات

المشاركات الشائعة