مدونة أدبية تأخذكم في رحلة بين تلافيف الذاكرة وعمق المشاعر الإنسانية. نقدم هنا قصصاً ملهمة، وحكايات غموض نفسي تثير الفضول، ومواقف اجتماعية دافئة تلامس قلوبكم وتترك في نفس كل قارئ أثراً وعِبرة.
مميزة
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
فندق الأقواس السبعة | الحبر والضباب
الفصل الأول: الحبر والضباب
كان الضباب يشبه كائنًا حيًا يقتات على تضاريس الجبل. لم يكن مجرد رذاذ ناعم، بل كان كثيفًا، لزجًا، يلتف حول الإطارات المطاطية للسيارة القديمة كأنه يحاول إعاقة تقدمها نحو القمة، في المقعد الخلفي كان آدم يتأمل القفازين المنسوجين من الصوف في يديه، ثم يعود ليتأمل الرسالة الورقية ذات الحواف المذهبة التي استلمها قبل أسبوعين.
كان التناقض صارخًا بين بؤس عالمه المادي - شقة ضيقة في أطراف مدينة لا تنام، وتراكم مستحقات الإيجار، وفواتير العلاج الأسبوعية - وبين هذا الظرف الثقيل المصنوع من الورق الفاخر.
"السيد آدم. نُثمن قدرتك الفذة على فك شفرات اللغات والمخطوطات النادرة التي عجز عنها أكاديميو المتاحف. نعرض عليك إقامة لمدة شهر واحد في 'فندق الأقواس السبعة' لترجمة أوراق مذكرات ووثائق عائلية خاصة. المقابل: نصف مليون وحدة نقدية يُحول نصفها فور وصولك، والنصف الآخر عند تسليم المخطوط المكتمل. الشرط الوحيد: الانضباط التام باللوائح الداخلية للفندق."
نصف مليون. كان الرقم كافيًا لشراء حريته، ولتأمين العلاج المستمر للارتعاش النادر في أطراف يديه، وهو المرض الذي بدأ يهدد مهنته وهي الكتابة والترجمة.
توقفت السيارة فجأة، جعلت عظام آدم تحتك ببعضها. أشار السائق بجبهته دون أن يلتفت: "من هنا تواصل سيرًا على الأقدام. السيارات لا تصعد أكثر من هذا الباب."
نزل آدم، وحمل حقيبته الجلدية المتآكلة. أمامه، ارتفعت هيئة "فندق الأقواس السبعة" كأنه قلعة وسطح من العصور الوسطى، لكن بتصميم معماري يمزج بين الطراز القوطي والهندسة الحديثة ذات الزوايا الحادة. كانت تسود المكان ستارة من الصمت الكئيب، لا صوت للريح، ولا صوت للطيور، فقط صوت خطاه على الحصى المبلل.
عند مدخل الفندق، استقبلته الأقواس الحجرية الضخمة التي أخذ المكان اسمه منها. سبعة أقواس متتالية تتضاءل حجومها كلما تقدمت نحو الداخل، كأنها تحصر الداخل في عمق لا مفر منه.
كان البهو واسعًا، يدق فيه صدى الأقدام بطريقة مرعبة. الرخام الأسود على الأرض يكسره ضوء خافت ينبعث من ثريات كريستالية ضخمة يتراكم عليها غبار خفيف. خلف المنضدة الخشبية، كان يقف رجل طويل القامة، يرتدي بذلة سوداء شديدة النظافة، بشرته شاحبة إلى حد يجعلك تتساءل إن كان قد رأى الشمس يوماً.
قال الرجل بصوت رخيم لا ينتمي لأي لهجة محددة: "مرحبًا بك، سيد آدم. أنا 'خوليان'، مدير الفندق. كنا بانتظارك."
- "أهلاً بك يا سيد خوليان. الطريق كان..."
قاطعه خوليان بابتسامة باردة لم تصل إلى عينيه:
- "الطريق دائمًا هكذا للذين يقصدون الأقواس السبعة. مفتاحك هنا. الجناح 707، في الطابق السابع. الصعود بالمصعد متاح، ولكن ننصح بالهدوء."
سلم خوليان آدم مفتاحًا ثقيلاً من النحاس الأصفر، حُفر عليه الرقم 707. ثم وضع يده الملساء على المنضدة وتابع بعد أن خفض نبرته بنصف درجة:
- "قبل أن تصعد، وجب التذكير بالشرط الأساسي في عقد عملك. صاحب العمل يشدد على الانضباط. من الساعة الثانية عشرة منتصف الليل وحتى الساعة السادسة صباحًا، يجب ألا تغادر الجناح 707 تحت أي ظرف من الظروف. لا تفتح الباب، لا تطل من النافذة، ولا تحاول السير في الممرات. الفندق يخضع لنظام صيانة وتطهير ليلي خاص. أي خرق لهذا الشرط يبطل العقد فورًا، ويُلغي التأمين الصحي والمادي."
هز آدم رأسه. لم يكن يبحث عن المشاكل، كل ما أراده هو مكتسباته المالية وأن ينهي عمله ويرحل. — "مفهوم. أنا هنا للعمل فقط."
صعد آدم في المصعد الذي كان يتحرك ببطء قاتل، مطلعًا على جدرانه المغطاة بالخشب الداكن. وعندما وصل إلى الطابق السابع، وجد الممر مضاءً بمصابيح خافتة تبث ضوءًا أصفر باهتًا. كان الجناح 707 في نهاية الممر.
عندما فتح الباب، وجد الغرفة أوسع مما توقع: سرير ضخم ذو أعمدة أربعة، مدفأة حجرية تنبعث منها حرارة دافئة، وطاولة كتابة عريضة من خشب الجوز تتربع فوقها حزمة ضخمة من الأوراق المخطوطة بلغة غريبة، بجانبها آلة كاتبة قديمة وأوراق بيضاء ومحبرة ومصباح زيتي.
مشى آدم نحو الطاولة. وضع يده على المخطوطة. كانت الأوراق سميكة، وملمسها يشبه الجلد الجاف. الحبر المستخدم كان داكنًا، يميل إلى الحمرة المصفرة. نظر إلى الساعة في معصمه، كانت الحادية عشرة ليلاً.
قرر أن يلقي نظرة سريعة على الوثائق قبل النوم. جلس على الكرسي الجلدي، ورفع الصفحة الأولى. اللغة لم تكن لاتينية ولا يونانية ولا حتى آرامية، كانت مزيجًا من الرموز الأبجدية المنقرضة والأرقام الهندسية. لكن بالنسبة لآدم، الذي قضى عمره يفك رموز المخطوطات التي عجز عنها الآخرون، كانت هذه الرموز تشبه قواعد لغوية مغلقة لكنها منطقية.
بدأ يتفحص السطور الأولى، واستخرج دفتره الصغير ليصيغ معجمًا مصغرًا لفك الشفرة.
مر الوقت سريعًا دون أن يشعر. فجأة، انطلقت دقات ساعة البهو السفلي. دانغ... دانغ... دانغ...
عدّ آدم الدقات: اثنتا عشرة دقة. منتصف الليل.
في نفس اللحظة التي رنت فيها الدقة الأخيرة، شعر آدم ببرودة مفاجئة تسري في الغرفة رغم أن النار في المدفأة كانت ما تزال تشتعل. وفي الخارج، في الممر المظلم، سمع صوت خطى خفيفة، كأن أحداً يجر قدميه ببطء أمام باب غرفته.
توقف آدم عن التنفس. تذكر شرط خوليان الصارم: "لا تفتح الباب تحت أي ظرف."
استقرت الخطى أمام باب الجناح 707 لعدة ثوانٍ. رأى آدم مقبض الباب النحاسي ينخفض ببطء شديد... ثم يرتفع مجددًا. لم يكن هناك طرق، بل مجرد تجريب للمقبض. ثم استدارت الخطى وابتعدت تدريجيًا حتى اختفت.
سحب آدم نفسًا عميقًا، ومسح العرق البارد عن جبهته. نظر إلى الطاولة، وقرر أن يبدأ الترجمة ليلهي عقله عن هذا التوتر. أخذ الورقة الأولى من المخطوطة، وبدأ يفك رموزها حرفًا بحرف، ويكتب الترجمة بالآلة الكاتبة.
تقول السطور الأولى:
"في الليلة الأولى، عند حلول المنتصف، سيصل الغريب إلى الغرفة. سيتجاهل تحذير المدير، وسيتوقف عند القوس الثالث. ستحمله رغبته في المعرفة إلى البهو السفلية، وهناك سينتظره الظل. سيموت وفي يده مفتاح ذهبي."
عقد آدم حاجبيه.
- "مذكرات شخصية؟" همس لنفسه. "أو ربما رواية بوليسية قديمة؟"
لكن ما أثار حيرته كان الصفحة التالية. كانت تحتوى على جدول زمني دقيق للغاية. الساعة 12:15: خطوات في الممر الشرقي. الساعة 12:30: صوت انكسار زجاج في البهو السفلي. الساعة 12:45: صرخة مكتومة قرب القوس الثالث.
نظر آدم إلى ساعته: كانت الساعة تشير إلى 12:28. جلس في مكانه مستغرباً من هذا التزامن. وبينما هو يفكر في سر هذه الرواية التاريخية، سمع فجأة من الأسفل، من البهو الرئيسي للفندق، صوت انكسار زجاج واضح ومدوٍّ في صمت الليل! سقط القلم من يده.
الفصل الثاني: جداول الموت
جلس آدم متسمرًا في كرسيه. الصوت لم يكن وهمًا. كان صوت زجاج ضخم يتهشم على الرخام.
نظر إلى الصفحة المترجمة أمامه على الطاولة: الساعة 12:30: صوت انكسار زجاج في البهو السفلي.
نظر إلى ساعته اليدوية: 12:30 تمامًا.
بدأ قلبه يخفق بشدة. كيف يمكن لمخطوطة عتيقة، مكتوبة بلغة بائدة على ورق أصفر تآكلت أطرافه، أن تتنبأ بصوت انكسار زجاج يحدث الآن، في هذه اللحظة بالذات، في فندق معزول؟
فكر في القفز من كرسيه والركض نحو الباب لتفقد الأمر، لكن صورة خوليان وهو يقول "أي خرق لهذا الشرط يبطل العقد فورًا" قيدت قدميه. أضف إلى ذلك الصوت الغريب للخطوات التي مرت أمام بابه منذ قليل.
قرر آدم مواصلة الترجمة، كأن الكتابة هي درعه الوحيد ضد الجنون الذي يبدو أنه يحيط بالمكان.
تناول الصفحة التالية من المخطوطة. كانت الرموز فيها أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الأرقام الفلكية مع أسماء أشخاص. عكف على ترجمتها بسرعة، وكانت أصابعه تتنقل على مفاتيح الآلة الكاتبة بطرقات منتظمة تصنع الإيقاع الوحيد في الغرفة.
تجمعت الحروف لتكون الجمل التالية:
"النزيل في الغرفة 304، رجل ثلاثيني ذو نظارات طبية وندبة صغيرة فوق حاجبة الأيسر، سيستيقظ في الساعة 1:00 صباحًا على صوت طلقات خفيفة على نافذته. سيفتح الستارة. لن يرى شيئًا في الضباب، لكن عندما يلتفت، سيكون الكائن القابع في ظلال الخزانة قد حسم أمره. سيُعثر عليه في الصباح ممددًا على السجادة الحمراء، دون أي أثر لدماء، ولكن بملامح وجه تصرخ بالرعب."
توقف آدم. "النزيل في الغرفة 304؟"
عندما كان آدم يسجل دخوله في البهو، لاحظ رجلاً يتحدث مع موظف الاستقبال، كان يرتدي نظارات طبية بسلك ذهبي، وكانت هناك ندبة صغيرة واضحة فوق حاجبه الأيسر! تذكر آدم كيف كان الرجل يبدو قلقًا وهو يطلب تغييراً في موعد وجبة الإفطار.
هل هذا تقرير عن أحداث تقع الآن؟ أم أنها تعويذة؟ أم خطة جريمة مرسومة مسبقًا؟
نظر إلى الساعة: 12:55.
كان أمامه خمس دقائق. إن كانت هذه الوثائق تتنبأ بالفعل بما يحدث، فإن رجلاً في الغرفة 304 على وشك الموت خلال دقائق! قام آدم من كرسيه، وتوجه نحو الباب. وضع يده على المقبض النحاسي. كانت البرودة تنبعث منه كأنه قادمة من الفريزر. تذكر الشرط: "لا تغادر الجناح لأي سبب."
"ماذا لو كانت هذه مجرد لعبة نفسية؟" سأل نفسه. "ماذا لو كان صاحب العمل يختبر مدى التزامي بالتعليمات؟" ولكن ماذا لو كان الرجل في الغرفة 304 يواجه حتفه بالفعل؟
وقف آدم عند الباب، متمسكًا بالمقبض، والعرَق يقطر من صدغه. مرت الدقائق ثقيلة كأنها دهور. 12:58... 12:59... 1:00.
لم يصدر أي صوت من الممر. انتظر آدم دقيقة، اثنتين، ثلاثًا. لا شيء. زفر بتنهيدة طويلة.
- "إنها مجرد خرافة... مجرد رواية سوداوية كتبها شخص مريض منذ عقود."
عاد إلى طاولته، وهو يشعر ببعض الاطمئنان، مستنتجاً أن التزامن الأول في الساعة 12:30 لم يكن سوى مصادفة غريبة.
لكن اطمئنانه لم يدُم طويلاً.
واصل ترجمة الوثائق. كان المخطوط يتكون من عدة أجزاء: الجزء الأول هو التقرير الزمني لأحداث الليلة، والجزء الثاني كان عبارة عن مذكرات شخصية لكاتب مجهول الهوية، يشار إليه فقط بـ "المترجم الأول".
بدأ آدم يفحص المذكرات الشخصية. كانت مكتوبة بنبرة ملؤها الخوف والارتباك.
"اليوم السابع في الأقواس السبعة. أدركت أخيرًا أنني لست المترجم الأول هنا. يخبرونك أنك تفك رموز الماضي، ولكنك في الحقيقة تبني المستقبل. الحبر الذي أستخدمه ليس حبرًا عاديًا، إنه يتغذى على النبض. اللغة التي أترجمها هي لغة الكيان الذي يسكن تحت الأقواس السبعة. كل جملة أكتبها بالآلة الكاتبة تترجم أمراً واقعاً في هيكل هذا الفندق. أنا لا أسجل التاريخ... أنا أكتب قدر الساكنين هنا."
شعر آدم بقشعريرة تسري في عموده الفقري. لمس الحبر على المخطوطة الأصلي بأطراف أصابعه. لم يكن جافًا تمامًا كما ظن في البداية، كان لزجًا بدرجة غريبة، وكأن الورق يفرزه فرزاً.
قلب الصفحة التالية من المذكرات.
"لقد حاولت التوقف عن الكتابة في اليوم العاشر. رفضت الترجمة. في تلك الليلة، لم تنتظر الأحداث أن أكتبها. بل جاءت هي لتكتبني. عندما ترفض الترجمة، تحولك الأقواس إلى الضحية التالية في الجدول."
رمش آدم ببطء. كانت يداه ترتجفان بحدة أكبر الآن. الرعاش الذي يرافقه منذ سنوات بدأ يشتد، كأن جسده يستجيب للترددات الخفية في الغرفة.
أخذ نفسًا عميقًا وحاول التفكير بمنطقية. هب أن هذه المخطوطة هي أداة لعملية احتيال معقدة؟ ماذا لو أن الفندق كله مسرحية منصوبة للتخلص من أشخاص معينين، وهو مجرد أداة غير واعية لتأكيد هذه الجرائم؟ ولكن لماذا يستخدمون لغة لا يعرفها إلا أربعة أو خمسة أشخاص في العالم؟
قطع تفكيره صوت غريب قادم من نافذة جناحه. كان الصوت أشبه بنقرات خفيفة، متقطعة، كأن أحداً ينقر بأظافره على الزجاج الخارجي.
ولكن الجناح 707 يقع في الطابق السابع! لا توجد شرفة، والجدار خارجي أملس يسقط مباشرة نحو الهاوية الجبلية.
اقترب آدم من النافذة ببطء شديد. كانت الستائر الثقيلة تحجب الرؤية. مد يده وأزاح طرف الستارة بحذر.
كل ما رآه في الخارج كان الضباب البارد، يلتطم بالزجاج. ولكن، في وسط الضباب، وعلى بعد سنتيمترات قليلة من الزجاج، كان هناك وجه.
لم يكن وجه إنسان. كان وجهًا مشوهًا، بلا عيون، يملك فمًا عريضًا ممتدًا من الأذن إلى الأذن، ومبتسمًا ابتسامة ثابته غير بشرية. رفع الكائن يده الطويلة ذات الأصابع المفصلية الكثيرة، ونقر على الزجاج مرة أخرى.
طق... طق... طق.
رجع آدم خطوة إلى الخلف، وسقط على الأرض مصدومًا. صرخ صرخة مكتومة، وفتح المخطوطة بسرعة على الطاولة. يقلب بين الصفحات بجسم يرتعش بحثًا عن الساعة 1:30 صباحًا.
وفعلاً، وجد السطر: الساعة 1:30: الكائن عند نافذة الجناح 707. سينظر إليه المترجم. إذا صرخ، سيرتطم الزجاج.
كتم آدم أنفاسه فورًا. وضع يده على فمه بكل قوته، مانعاً أي صوت من الخروج. عيناه متسعتان من الرعب.
في الخارج، انتظر الوجه المشوه في الضباب لثوانٍ... ثم انحل ببطء كأنه دخان وتبدد في الهواء البارد.
سقط آدم على ركبتيه بجانب الطاولة، يلهث كأنه كان يغرق. لم يعد هناك مجال للشبهة. الفندق ليس مجرد مبنى، والوثائق ليست مجرد تاريخ. إنها لوحة تحكم بالواقع، وهو المحرك الذي يحول الرموز إلى لحم ودم وجرائم.
وعندما نظر إلى الصفحة التالية من المخطوطة، والتي ملأت منتصف الجدول الزمني لليلة الحالية، كاد قلبه أن يتوقف.
كانت الصفحة تعنون بـ: "الضحية الأخيرة لليلة: النزيل آدم (الجناح 707)."
الفصل الثالث: الضحية القادمة
جمد الدم في عروق آدم وهو يقرأ اسمه المكتوب بالرموز القديمة. لم يكن يخطئ في قراءة اسمه، كان هذا التجميع الحرفي للرموز هو المخصص له في الأبجدية التي فك شفرتها منذ ساعتين.
بدأ يترجم النص الصريح المصاحب للاسم على الآلة الكاتبة، ويداه ترتجفان بدرجة جعلت مفاتيح الآلة تتضارب وتحدث صفيراً معدنياً:
"الساعة 3:00 صباحًا: النزيل آدم يكتشف حقيقة الأقواس السبعة. يحاول إحراق المخطوطة. النار لا تمس الورق، بل تلتهم الجناح. الساعة 3:15: يدخل خوليان ومعه الحراس. يحملون المشرط والوعاء النحاسي. يتم سحب الحبر الجديد من عروق آدم وهو حي، لاستكمال المخطوطة للأيام القادمة. يتم إلقاء جثته في البئر الواقعة تحت القوس السابع."
ألقى آدم الورقة جانباً كأنها جمرة نار. نظر إلى الساعة: كانت 2:15 صباحًا. أمامه 45 دقيقة فقط قبل أن تبدأ الخطة في تنفيذ نفسها!
ركض نحو باب الجناح. حاول فتحه. كان الباب مغلقًا من الخارج! المقبض النحاسي الصلب لا يتحرك مليمترًا واحدًا.
- "تباً! تباً!" صرخ آدم وهو يضرب الباب بكتفه. الباب الخشبي الثقيل المصنوع من البلوط الصلب لم يهتز.
تذكر الهاتف القديم الموجود على الطاولة الجانبية. ركض نحوه، رفع السماعة. لم يكن هناك صوت نغمة طلب، فقط صوت أنفاس متقطعة، ثقيلة، وصوت قطرات ماء تسقط في مكان ما.
ألقى السماعة بعيدًا. هو محاصر.
بدأ آدم يفكر بسرعة، إن كانت هذه المخطوطة هي التي تحدد ما يحدث، فإن التعديل عليها قد يغير المستقبل! أسرع إلى الآلة الكاتبة. وضع ورقة جديدة، وبدأ يحاول كتابة أحداث مختلفة: "الساعة 3:00: يفتح باب الجناح 707 تلقائيًا. يهرب آدم من الفندق بنجاح."
لكنه عندما ضرب المفاتيح، لم تنطبع الحروف على الورقة! الحبر العادي في الآلة الكاتبة لم يكن يترك أي أثر على الورق الخاص بالمخطوطة.
نظر إلى الطاولة، المحبرة القديمة الموجودة بجانب المخطوطة كانت تحتوى على ذاك الحبر الداكن، اللزج، الذي يشبه الدم المتجلط.
أخذ القلم الريشي المحفور، غمسه في المحبرة، وحاول الكتابة على إحدى صفحات المخطوطة الفارغة. لكن سن القلم انكسر فورًا، والورق طرد الحبر كأنه مادة زيتية ترفض الماء.
تذكر جملة المذكرات التي تُرجمت في الفصل السابق: "الحبر الذي أستخدمه ليس حبرًا عاديًا، إنه يتغذى على النبض."
فهم آدم الحقيقة البشعة: الحبر ليس سوى دم المترجمين السابقين! والمخطوطة لا تقبل التغيير إلا إذا كُتبت بنبض حقيقي، بحبر طازج!
نظر آدم إلى يده ، ثم نظر إلى سكين فتح الرسائل المعدني الحاد المتروك بجانب الأوراق.
الساعة تشير إلى 2:35. أمامه 25 دقيقة.
أخذ سكين الرسائل. وضعه على طرف سبابته اليمنى. ضغط ببطء حتى شعر ألمًا حادًا، وسالت قطرة دم حمراء داكنة. غمَس سن القلم في دمه، وقربه من الصفحة التي تحتوي على سيناريو مقتله في الساعة 3:00.
حاول شطب سطر "يتم سحب الحبر الجديد من عروق آدم". بمجرد أن لمس دمه الورقة القديمة، حدث شيء مذهل: تشربت الورقة الدم فورًا، وانطلقت منها رائحة كبريت حادة. الحروف القديمة المكتوبة بالحبر الأسود بدأت تتأكل وتتغير، كأن الدم يذيبها!
كتب آدم بدمه فوق السطر الملتهم:
"الساعة 3:00: آدم يحصل على المفتاح الماستر، وينزل إلى البدروم عبر ممر الخفاء."
ولكن، ما إن أنهى كتابة الجملة، حتى شعر بدوار شديد. خط يده بدمه سحب جزءًا من طاقته وحيويته مباشرة. ضربات قلبه تسارعت بشكل جنوني، وبدأ جسده يرتجف بحدة شديدة.
تصفح المخطوطة بسرعة. وجد أن الصفحة التالية أصبحت بيضاء فارغة، تتشكل فيها حروف جديدة تلقائيًا بناءً على التغيير الذي أحدثه!
ظهرت السطور الجديدة:
"التعديل غير مجاز بدون ثمن. إذا نجح آدم في فتح الباب في الساعة 3:00، فإن الحارس الذي يحرس القوس الأول سيستيقظ. القوس الأول يطلب قربانًا بديلاً."
استند آدم على الطاولة، يلهث. لقد غير قدره المباشر، ولكنه أوجد خطرًا جديدًا. الفندق كائن حي يطالب بتوازن: إذا لم يمت المترجم، يجب أن يموت شخص آخر كبديل.
في الساعة 2:50، سمع آدم صوت خطوات قادمة من الممر. كانت هذه المرة خطوات متعددة، ثقيلة، ومصحوبة بصوت احتكاك معدن على الأرض.
اقترب الموعد.
أخذ آدم المخطوطة الكاملة وضمها إلى صدره. أحضر سكين الرسائل ووضعه في جيبه. وقف خلف الباب مباشرة، وحبس أنفاسه.
2:59... 3:00!
سُمِع صوت ميكانيكي حاد داخل قفل الباب. تيك... تاك. انفتح القفل الذاتي للجناح 707!
دفع آدم الباب بسرعة قبل أن يُفتح من الخارج. اصطدم الباب بوجه أحد الحراس الشاحبين الذين كانوا يقفون برفقة خوليان. سقط الحارس أرضاً، وصدم خوليان الذي تراجع خطوات إلى الخلف ووجهه يفيض بغضب.
صرخ خوليان بصوت لم يكن صوت إنسان، بل صدى لأصوات متعددة متداخلة:
- "لقد غيرت السطور! هذا غير مسموح يا آدم! المخطوطة يجب أن تكتمل!"
لم ينتظر آدم. ركض بأقصى سرعة في الممر المظلم، متجاوزًا الغرف المغلقة التي كانت تخرج منها أصوات همسات وحشرجات مرعبة.
الفصل الرابع: تحت الأقواس السبعة
ركض آدم نزلًا عبر السلالم الحلزونية. تخلّى عن المصعد لأنه يعلم أنه فخ محكم. كانت الجدران الحجرية للفندق تترشح بالماء البارد، وتسمع من خلالها أصوات نبضات منتظمة، كأن المبنى كله يملك قلباً عملاقاً يدق في الأعماق.
وصل إلى البهو السفلي. كان المكان غارقًا في الظلام، باستثناء ضوء القمر المنبعث من النافذة الزجاجية المكسورة في القاعة الشرقية – التنبؤ الأول الذي تحقق في الساعة 12:30.
توقف آدم ليلتقط أنفاسه نظر أمامه، كانت الأقواس السبعة تمتد في الممر الرئيسي المؤدي إلى البوابة الخارجية. القوس الأول، القوس الثاني، الثالث... حتى القوس السابع القريب من الخروج.
ولكن بين القوس الأول والثاني، كان يقف كائن ضخم، هيئته تشبه حارسًا بدون وجه، يحمل في يده بلطة حجرية عريضة. كان هذا هو "حارس القوس الأول" الذي حذرت منه السطور الجديدة التي كتبها بدمه.
تراجع آدم إلى الخلف. خوليان والحراس القادمون من الأعلى يسرعون الخطى في السلالم. الصوت يزداد قربًا. هو محاصر بين حارس الأقواس في الأمام، وخوليان في الخلف.
فتح آدم المخطوطة التي يحملها بين يديه. كان الضوء خافتًا، لكنه استطاع قراءة الصفحة الأخيرة التي كانت تتشكل في هذه اللحظة بالذات.
الحروف كانت تنكتب بنفسها أمام عينيه، بحبر أحمر قانٍ:
"لا يمكن عبور الأقواس السبعة إلا لمن يحمل سر المعمار. السير بين الأقواس يقطع أوصال من لا يملك الرمز. الباب الخارجي مغلق بسبع قفول. مفتاح القفل الأول في دم الخائن. مفتاح القفل الثاني في عين المترجم..."
توقف آدم عند هذه الجملة: "مفتاح القفل الثاني في عين المترجم."
هل يعنون الرؤية؟ أم يعنون تضحية جسدية؟
فجأة، تذكر آدم المذكرات الشخصية للـ "المترجم الأول" التي قرأها سابقًا. كان المترجم الأول قد كتب:
"الأقواس ليست مبنية من الحجر. إنها مجسمات لغوية. كل قوس يمثل حرفًا من الاسم الحقيقي للكائن. إذا نطقت الاسم بالكامل وأنت تعبر، تتفتح الأقواس كأبواب مفرغة."
"ما هو الاسم؟" سأل آدم نفسه بهستيريا.
نظر إلى الرموز المنقوشة على أعمدة القوس الأول. كان يعرف هذه الأبجدية الآن! لقد قضى الساعات السابقة يفك شفرتها.
القوس الأول تحمل رمز: (أ) القوس الثاني تحمل رمز: (ل) القوس الثالث تحمل رمز: (ك) القوس الرابع تحمل رمز: (ي) القوس الخامس تحمل رمز: (ا) القوس السادس تحمل رمز: (ن)
الأقواس تشكل كلمة: "الكيَان"؟ لا، كانت الأبجدية التي يترجمها لا تستخدم العربية، بل أبجدية فونوتيكية قديمة.
قرأ الرموز بالصوت الصحيح للغة: (نْـ) ... (أ) ... (مـ) ... (و) ... (س) -> "نَامُوس"؟ لا!
قرأ الرموز مجددًا بسرعة، بينما كان الحارس الضخم يخطو خطوته الأولى نحوه، مسقطًا البلطة الحجرية على الرخام لترتطم وتحدث شرارًا.
الرموز المترجمة على الأقواس هي: "آ - دَ - م"!
تسمر آدم في مكانه. الأقواس السبعة تحمل اسمه هو!
الفندق لم يبنَ منذ مئات السنين لينتظر مترجمًا تصادف أنه يدعى آدم... الفندق بُني ليحتجز شفرة معينة، شخصًا يحمل مواصفات جينية ولغوية محددة! الترجمة لم تكن عملًا، بل كانت عملية مزامنة بين عقله وبين النظام اللغوي للمبنى!
ولهذا السبب كان الرعاش في يديه يزداد كلما اقترب من الفندق! لم يكن مرضًا عصبيًا، بل كان استجابة جسمية للترددات المفروضة عليه من هذا المكان!
ظهر خوليان في نهاية البهو، ومعه أربعة حراس يحملون السلاسل النحاسية. قال خوليان بنبرة هادئة ومخيفة:
- "لقد فهمت أخيرًا يا آدم. ليس هناك عقد، وليس هناك نصف مليون. أنت لست المترجم... أنت الصفحة الأخيرة من المخطوطة. الفندق يحتاج إلى اسمك ونبضك ليظل قائماً لقرن آخر. بدون مترجم يتطابق اسمه مع الأقواس، ينهار هذا المكان ويرجع الكائن إلى العالم الحقيقي."
ابتسم آدم ابتسامة مكسورة، رغم الرعب الذي يملأ جوفه.
- "ولهذا الشرط كان عدم المغادرة بعد المنتصف... لأن النظام يكون في أضعف حالاته أثناء إعادة الضبط الليلي؟"
- "بالضبط." قال خوليان وهو يتقدم خطوة. "إذا أكملت كتابة المخطوطة بدمك، ستصبح جزءًا من الأقواس، وسينتهي ألمك ورعاش يدك للأبد. ستكون خالداً هنا."
- "وماذا لو محوت المخطوطة بالكامل؟"
توقفت ملامح خوليان. ظهر الرعب لأول مرة في عينيه الشاحبتين:
- "لا تملك ما يكفي من الدم لمحو المخطوطة. محوها يعني استهلاك جسدك بالكامل في ثوانٍ!"
الفصل الخامس: الحبر الأخير
نظر آدم إلى المخطوطة الثقيلة بين يديه. تذكر حياته البائسة في الخارج، الهروب المستمر من الديون، المرض الذي ينهك جسده، الوحدة القاتلة. ثم نظر إلى خوليان والحراس، وإلى الكائن الرابض عند الأقواس.
إذا سلّم نفسه، سيتحول إلى حبر يتغذى عليه هذا المكان اللعين، ليستدرج مترجمين آخرين في المستقبل ويصنع نفس المأساة.
"أنا لست المترجم الذي يكتب قدره..." قال آدم بصوت ثابت، ويداه تتوقفان عن الارتعاش لأول مرة منذ سنوات. "أنا المترجم الذي ينهي القصة."
فتح آدم سكين الرسائل. لم يقطع طرف أصبعه هذه المرة. بل شق جرحًا عميقًا في طول معصمه الأيسر.
تفجر الدم الساخن وغمر المخطوطة القديمة بالكامل.
صرخ خوليان صرخة مرعبة، وتقهقر الحراس إلى الخلف وهم يغطون وجوههم.
بدأت المخطوطة تتشرب الدم بكميات هائلة. لم يكتفِ الورق بالامتصاص، بل بدأ يلتهم الحروف القديمة، ويحرق الصفحات واحدة تلو الأخرى بنار حمراء لا تطلق دخانًا.
ومع كل صفحة تحترق في المخطوطة، كانت حجرٌ من جدران الفندق يتشقق ويتحول إلى غبار!
دَبّـ... دَبّـ... طَـخ!
الأقواس الحجرية الضخمة بدأت تنهار واحدة تلو الأخرى. القوس السابع سقط أولاً، متهدمًا فوق الحارس الضخم الذي تلاشى في الهواء كأنه لم يكن. القوس السادس، الخامس...
شعر آدم بقواه تسحب بسرعة رهيبة. رؤيته بدأت تظلم، وركبتاه لم تعودا تحملانه. لكنه واصل ضغط معصمه على الصفحة الأخيرة من المخطوطة، مركزاً كل ارادته الذهنية على كلمة واحدة فقط، كتبها بدمه الغزير فوق الغلاف الخارجي:
"انتهت."
تنفجر المخطوطة في طفرة ضوئية حمراء حارقة.
تداعت السقوف الرخامية، وانهارت الثريات الكريستالية. خوليان والحراس صرخوا صرخات متداخلة وهم يتفتتون إلى رمال داكنة تذروها الرياح الجبلية التي اقتحمت المكان بعد تحطم الجدران.
وقع آدم على الأرض، وسط الركام والضباب الذي بدأ يدخل من الأقواس المتهدمة. كان العالم ينتهي من حوله، والصمت يحل محل صراخ الكائنات المنهارة.
أغمض عينيه، مستسلمًا للظلام الدامس الذي بدأ يلف عقله.
الفصل السادس: الفجر والرماد
عندما فتح آدم عينيه، كان ضوء الشمس الدافئ يلامس وجهه.
لم يكن هناك ضباب. ولا جدران قوطية، ولا رخام أسود.
كان ملقى على أرض جبلية مغطاة بالأعشاب البرية وحصى جاف. أمامه، لم يكن هناك فندق "الأقواس السبعة"، بل مجرد أطلال قديمة جدًا، حجارة متآكلة يغطيها الطحلب، تبدو وكأنها مهجورة منذ مئات السنين.
نظر إلى يديه. الجرح العميق في معصمه الأيسر لم يكن موجودًا، بل كانت هناك حرق صغير يدل على مكان الجرح. والأهم من ذلك... أن يديه كانت ثابتتين تمامًا. لقد اختفى الارتعاش كليًا.
بجانبه على العشب، كانت ترقد حقيبته الجلدية القديمة. فتحها بحذر. في الداخل، لم تكن هناك المخطوطة، ولم تكن هناك آلة كاتبة.
ولكن كان هناك ظرف ورقي واحد، مصنوع من الورق الفاخر، محفور عليه بالخط الذهبي:
"المقابل المالي للمترجم الذي يُنهي العقد."
فتح الظرف: كان يحتوي على إشعار تحويل بنكي مؤكد بمبلغ نصف مليون وحدة نقدية، موجه حسابه الشخصي، مع ختم رسمي لا ينتمي لأي بنك معروف، بل يحمل شعاراً مصمماً على شكل قوس حجري واحد مفتوح.
قام آدم واقفًا بصعوبة. تنفس الهواء الجبلي النقي، الذي لم يعد يخالطه برودة الموت أو رائحة الكبريت.
نظر إلى الأطلال الحجرية خلفه للمرة الأخيرة. لم يعد هناك سبعة أقواس، كان هناك قوس واحد فقط متبقٍ قائمًا وسط الركام، يطل على الوادي الفسيح.
سار آدم نزل الجبل بخطوات ثابتة، دون أن يلتفت إلى الخلف.
ولكن في جيب معطفه الداخلي، شعر بشيء ثقيل. مد يده وأخرج قلمًا ريشيًا قديمًا، كان سِنّه ما يزال مبللاً بنقطة حبر داكنة... حبر لم يكن أسود، بل كان يخفق بنبضات خفيفة حمراء، كأنه يستريح فقط، بانتظار كتابة القصة التالية.
بقلم: عفراء عادل
المشاركات الشائعة
أسرار الغرفة المغلقة.. حين تقودنا خريطة قديمة إلى كنز من الذكريات
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
متجر الساعات التي لا تقيس الوقت
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى

تعليقات
إرسال تعليق