الفصل الأول: الهندسة المفقودة
كان المخطط المعماري المفرود على الطاولة الفولاذية يفوح برائحة النشا الجاف والحبر القديم. ثمان وأربعون ورقة من الورق المقوى الأزرق، كُتب في أسفل كل منها بخط يدوي دقيق: "فندق الميريديان الساحلي - 1978".
يقف ماجد فوق أرضية الرخام المتشقق في البهو الرئيسي، يسحب نفساً عميقاً من الهواء المحمل بعبق غبار الكلس. كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة وخمس وأربعين دقيقة صباحاً. هكذا قالت ساعته اليدوية الذهبية - وهي الساعة ذاتها التي أورثه إياها والده، بسيرها الجلدي البني المصنوع من جلد التمساح وخدش صغر يمتد من الرقم ثلاثة إلى الرقم ستة.
لكن ماجد، وبحس مهندس الديكور الذي عاش خمسة عشر عاماً بين المقاييس وزوايا الرؤية، لم يكن ينظر إلى الساعة، بل كان يقيس الفراغ.
كان الفندق مغلقاً منذ منتصف الثمانينات. مبنى خرساني ضخم على طراز "البروتالية" المعمارية، يتكون من كتلة صماء ترتفع قبالة خط أفق رمادي لا هضاب فيه ولا معالم. مجرد بيئة إسمنتية محايدة، ومحيط يعزف في الخلفية بصوت هادير موج لا ينقطع. طُلب منه مراجعة المخطط قبل التدمير الجزئي وإعادة الترميم. شركة عقارية تسمى "أوريون" دفعت له نصف الأتعاب مقدماً، ومنحته مفتاحاً ثقيلاً يدوياً ونسخة المخططات، مع شرط واحد: أن يعمل بمفرده ليلاً ونهاراً لتجنب التسريب الإعلامي.
رفع ماجد الشريطة المترية الفولاذية، ومدّها من العمود الجانبي للبهو حتى حافة السلم الحلزوني.
تسعة أمتار وأربعون سنتيمترًا.
أعاد النظر إلى المخطط. الورقة رقم 12 تشير إلى تسعة أمتار بالضبط.
"خطأ رسام،" زمجر بصوت خفيض. الصوت تردد في البهو الخالي برنة جافة خالية من الصدى، كأن الحوائط تمتص الموجات الصوتية ولا تردها.
صعد السلم. كانت أقدامه تترك أثاراً واضحة فوق طبقة الغبار. الطابق الأول: أربع وعشرون غرفة على الجانبين. الطابق الثاني: أربع وعشرون غرفة. الطابق الثالث: أربع وعشرون غرفة.
عندما وصل إلى الطابق الرابع، لاحظ الشذوذ لأول مرة.
الممر في الطابق الثالث يبلغ طوله ستين متراً. الممر في الطابق الرابع يبلغ طوله أربعين متراً فقط. جدار خرساني صامت ينهي الممر عند الغرفة 412، بينما يستمر السلم المؤدي للطابق الخامس بنفس محوره.
جلس ماجد على العتبة، وفتح حقيبة أدواته. أخرج حاسباً ليزرياً للمسافات. وجّه الشعاع الأحمر نحو الجدار النهائي للممر في الطابق الثالث، ثم صعد للطابق الرابع ووجه الشعاع لنفس النقطة.
الفرق بين الطابقين لم يكن مجرد جدار سميك. كان هناك سمك جداري يبلغ اثني عشر متراً. اثنا عشر متراً من الفراغ المعماري المعدوم، غير المذكور في المخطط الأزرق، والموجود تماماً في قلب المبنى بين الطابقين الثالث والرابع.
في تلك اللحظة، شعر ماجد بطلقة صغيرة من الصداع الداخلي خلف عينيه. سحب من جيبه علبة بلاستيكية صغيرة، أخرج منها حبة دواء بيضاء بدون علامات، وابتلعها جافة دون ماء. كانت هذه وصفة طبيبه النفسي الجديد، الدكتور آرام، لمواجهة "إرهاق المسافات" والتخيلات البصرية التي بدأت تراوده منذ شهرين.
استند إلى الجدار الخرساني. وضع أذنه على السطح البارد.
لم يكن هناك صوت محركات. ولا صوت أنابيب مياه.
كان هناك فقط صوت انتظام تنفس. تنفس بطيء، مكتوم، يخرج يدخل كأن المبنى نفسه يمتلك رئة.
أخذ نفساً متوتراً، ونظر إلى ساعته. كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة وعشر دقائق.
نقر بأصابعه على الزجاج المخدوش. ثم تجمدت يده.
المؤشر الثواني كان يتحرك للوراء. تكة... تكة... إلى الخلف.
رمش مرتين. فرك عينيه بظهر يده. أعاد النظر. كان العقرب يتحرك للأمام بشكل طبيعي.
"الإرهاق،" همس لنفسه. "مجرد قلة نوم."
قبض على مطرقة حديدية ثقيلة من حقيبته، ومشى نحو النقطة الميتة في الممر.
الفصل الثاني: الغرفة رقم 0
لم يتطلب الأمر جهداً خارقاً لهدم الطبقة الأولى. الجدار لم يكن من الخرسانة المسلحة كما يظهر من الخارج، بل كان عبارة عن ألواح من الجبس المقوى كُسيت بطبقة دهان إسمنتي مموهة بإتقان مرعب لتطابق نسيج الجدران القديمة.
سقطت القشرة الإسمنتية لتكشف عن باب خشبي ثقيل، مصنوع من خشب الزان الداكن، ببريق خفيف كأنه جُلخ بالزيت هذا الصباح. لا يوجد رقم على الباب. فقط مقبض نحاسي براق، يخلو تماماً من أي أثر للأكسدة أو الغبار.
مد ماجد يده. كان المقبض دافئاً.
أدار المقبض. انفتح الباب بصرير خفيف منتظم، وتدفق منه هواء مختلف تماماً عن هواء الفندق المهجور. كان هواءً معطراً برائحة صابون الغار، وخشب الصندل، وشيء يشبه رائحة المخبوزات الطازجة.
خطا إلى الداخل.
كانت الشقة كاملة التجهيز. صالة استقبل صممت بطراز السبعينات الأوروبي: أريكة من الجلد البني المحروق، سجادة من الصوف القطني بلون الماسترد، وساعة حائط خشبية تعمل بندوليتها بانتظام: تك... تاك... تك... تاك...
على الطاولة الخشبية في المنتصف، كان هناك كوب من الشاي الساخن. ينبعث منه بخار رقيق يلتوي في الهواء. وبجانبه طبق فخاري فيه نصف قطعة كعك، وفتات متناثر حديثاً.
وقف ماجد مشدوهاً. تراجع خطوة للخلف ونظر إلى الباب. كان داخل شقة مغلقة تماماً بفتحة جدارية تم ردمها من الخارج. لا توجد نوافذ. لا توجد منافذ تهوية مرئية.
"هل هناك أحد؟" هتف بصوت مرتجف.
لا إجابة. سوى صوت البندول.
توجّه نحو الطاولة. وضع أطراف أصابعه على الكوب. كان دافئاً جداً. درجة حرارته لا يمكن أن تتوفر لشيء تُرِك لأكثر من خمس دقائق.
على الناحية الأخرى من الصالة، كان هناك مكتب صغير من خشب الجوز. قربه، على رف مفتوح، جهاز تسجيل كاسيت ضخم من نوع Revox A77، ببكرتيه الفضيتين الكبيرتين. الشريط مغناطيسي دقيق مربوط ومستعد للتشغيل. وأمامه، وُضعت عدة أوراق ملفات صفراء، كُتب على الغلاف الخارجي بخط يدوي أنيق:
[مشروع النبتة: التقرير النهائي - المرحلة ج]
اقترب ماجد. كانت يداه ترتجفان. أخذ الورقة الأولى.
سقطت من بين الأوراق صورة فوتوغرافية قديمة بالأسود والأبيض.
انقبض قلبه بشدة.
كانت الصورة لامرأة ورجل في الثلاثينات من عمرهما، يقفان أمام حديقة منزلية. المرأة ترتدي فستاناً أصفر مزهراً، والرجل يرتدي نظارة طبية سوداء الإطار. وفي أحضان المرأة، طفل صغير لا يتجاوز عمره السنتين، بعلامة خلقية صغيرة بيضاوية الشكل على معصمه الأيسر.
رفع ماجد معصمه الأيسر رغماً عنه.
سحب كم قميصه. العلامة البيضاوية كانت هناك. نفس التضاريس، نفس اللون الداكن.
الرجل والمرأة في الصورة كانا والديه: "سليم" و"فريدة". اللذان قيل له طوال حياته إنهما توفيا في حادث سيارة مروع على طريق جبلي عندما كان في الرابعة من عمره، ليقضي بقية طفولته في دار أيتام حكومية قبل أن تتبناه عائلة متقاعدة.
لكن المكتوب تحت الصورة لم يكن اسم عائلته.
كان المكتوب:
"الدكتور سليم - الملاحظ الأول. الدكتورة فريدة - الملاحظ الثاني. الموضوع: العينة 'ماجد-04'."
شعر بدوار شديد. الجدران حوله بدأت تميل. أخرج علبة الدواء مرة أخرى، ابتلع حبة ثانية بلسان جاف، ثم سقط على الكرسي الجلدي أمام جهاز الكاسيت.
مدّ أصبعه تلقائياً، وضغط على زر التشغيل (PLAY).
دارت البكرة الفضية. صدر صوت فحيح شريط مغناطيسي قديم، ثم صوت طرقات خفيفة على ميكروفون، يعقبه صوت رجل يبصق كلماته بهدوء ورزانة علمية.
الفصل الثالث: صدى البكرات
"التاريخ: 14 أكتوبر 1986. الساعة: الحادية عشرة مساءً."
قفز ماجد من كرسيه. الصوت كان صوت والده. الصوت الذي لم يسمعه قط إلا في أحلامه، الصوت الذي ترك انطباعاً خافتاً في ذاكرته كأنبوب ينفتح تحت الماء.
"الموضوع 'ماجد' يبلغ الآن أربع سنوات وستة أشهر،" استمر الصوت عبر مكبر الصوت التجويفي للـ Revox. "تم الاستجابة للمرحلة 'أ' من التطعيم النفسي بنجاح. إنه يظهر الآن ميلاً فِطرياً للتنظيم المعماري. اليوم، قمت بوضع المكعبات أمامه بشكل عشوائي، استغرق ثماني دقائق فقط لإعادة ترتيبها وفق تسلسل ألوان الطيف والهياكل الهندسية المتوازية."
ثم جاء صوت امرأة. صوت ناعم، حنون، ولكنه مشحون بنبرة باردة كالمشرط.
"سليم، هل تعتقد أن الاستجابة للبيلوكاربين مفرطة؟ حدقتا عينيه تتسعان في الظلام أكثر من المعتاد. يشتكي من رؤية خطوط زرقاء تقطع الفراغات."
صوت والده يتردد:
"هذا تأثير جانبي متوقع لترسيب الذاكرة. يجب أن يستمر العقار في الطعام حتى سن السابعة. بمجرد إغلاق الفندق وانتقالنا للمرحلة 'ب'، سينسى الوجوه. سنجعل حادث السير يبدو يقيناً. الاستئصال العاطفي ضروري لضمان كفاءة التجربة."
توقف الشريط لحظة. صوت أنفاس.
ثم صوت المرأة - أمه - تقترب من الميكروفون على ما يبدو:
"إنه يكره اللون الأصفر يا سليم. دائماً يسألني لماذا أرتدي هذا الفستان."
ضحكة خفيفة من الرجل:
"اللون الأصفر هو المحفز البصري للربط. عندما يبلغ الثلاثين، إن وصل لهذه الغرفة، سيكون اللون الأصفر هو الشفرة التي تفتح القشرة العصبية المطبوعة. اليوم الذي سيكسر فيه الجدار بين الثالث والرابع، سيكون كل شيء جاهزاً."
توقف الشريط. صوت طقطقة ميكانيكية.
ثم بدأ صوت ثالث.
صوت ليس قديماً. صوت تسجيل حديث، بجودة ديجيتال فائقة، بغير فحيح الأشرطة المغناطيسية.
"ماجد. إذا كنت تستمع لهذا الآن، فاعلم أن الساعة في يدك تشير إلى الثانية عشرة وعشر دقائق."
تجمد ماجد في مكانه. شعيرات رقبته انتصبت.
البيت في التسجيل ينطق كلماته بالحرف:
"أنت الآن تنظر إلى ساعتك. تتحقق من الخدش الممتد من الرقم ثلاثة إلى الرقم ستة. تتساءل كيف نعرف ذلك. لا تضع يدك في جيبك لمسح العرق. ركّز."
سحب ماجد يده من جيبه فوراً كأنما اكتوى بنار.
استمر الصوت الحديث، وكان يعود للدكتور آرام - طبيبه النفسي:
"العينة ماجد-04. انتهت المرحلة 'ج'. لقد استغرقت وقتاً أطول من المتوقع للوصول إلى الغرفة رقم 0. استجابتك للعقار البصري كانت بطيئة، لكن تفكيكك للهيكل الإسمنتي اليوم أثبت أن التوجيه المعماري المكتسب يعمل بكفاءة 94%. يمكنك الآن النظر إلى الجدول على يمينك."
التفت ماجد ببطء، كالآلة الصدئة.
على المكتب، بجانب جهاز الكاسيت، كان هناك دفتر جلد أزرق مفتوح.
مشى نحوه. الصفحات كانت مليئة بالرسومات البيانية، والخرائط السلوكية، وتفاصيل دقيقة لحياته:
1992: إيهام العينة بحريق في دار الأيتام لتقوية فوبيا المغلقات.
2005: توجيه الاختيار الأكاديمي نحو الهندسة المعمارية عبر المنحة الاستئنائية.
2015: تدبير اللقاء 'العشوائي' بالزوجة السابقة "سلمى" لقياس مدى تحمله للانفصال العاطفي.
2026 (الشهر الماضي): إدخال عقار 'البيلوكاربين-المعدل' عبر جلسات الطبيب النفسي لزيادة الحساسية للفراغات الهندسية.
وفي أسفل الصفحة الأخيرة، كُتب بخط حديث جداً، وبحبر لم يجف تماماً:
"اليوم، 2 سبتمبر 2026: ماجد يكتشف الغرفة رقم 0. ينتهي الاختبار الفردي. تبدأ مرحلة المراقبة الجماعية."
الفصل الرابع: الأدلة المتناقضة
سقط ماجد على الأرض، والأوراق تنتثر حوله.
عقله كان يصارع الأفكار كطير جريح.
"هذا جنون... هذا نص مسرحي... هذه خدعة."
صرخ بصوت يرتجف، واعتصر رأسه بين يديه.
بدأ يفكر كمهندس. كشخص يعتمد على المنطق والقياسات الصلبة. لا بد من وجود ثغرة. لا بد أن هذا العرض متقن، لكنه نسي شيئاً ما.
وقف، وأمسك بالأوراق. أخذ يقرأ السجلات بسرعة جنونية.
وفجأة، توقفت عينها عند تفصيلين. تفصيلان صغيران يتضاربان بشكل صارخ، أحدهما ينقض الآخر:
التناقض الأول:
في الشريط التسجيلي القديم، قالت فريدة (أمه) لسليم: "إنه يكره اللون الأصفر يا سليم. دائماً يسألني لماذا أرتدي هذا الفستان."
لكن في الصفحة 12 من دفتر السجلات السلوكية المكتوب بخط يد والده سليم نفسه، كُتب في نفس التاريخ (14 أكتوبر 1986): "العينة تفضل اللون الأصفر وتستجيب له بألفة شديدة، وتم إعطاؤه لعبة سيارة صفراء لتهدئته أثناء نوبات البكاء."
لماذا يكذب السجل على الشريط؟ أو لماذا يكذب الشريط على السجل؟
التناقض الثاني:
في تقرير حادث سير والديه في الملفات الرسمية (والذي حفظه ماجد عن ظهر قلب منذ صغره): "وقع الحادث في 12 مايو 1990، الساعة 4:30 عصراً، وتوفيت فريدة وسليم فوراً في الموقع بسبب استقرار السيارة في القاع الجبلي."
ولكن في السجل الأكاديمي للغرفة رقم 0، وُجدت ملصقات طبية وتوقيعات باسم "د. فريدة" بتاريخ 18 نوفمبر 1994 - أي بعد أربع سنوات من "وفاتها" المفترضة - مع ملاحظات تقول: "تم نقل العينة إلى دار الأيتام بنجاح بعد استقرار حالته النفسية."
أيهما الحقيقة؟ هل والدوه هما اللذان أدارا التجربة وماتا فعلاً؟ أم أنهما لم يموتا وكان التجربة برمتها وهمية لم تحدث إلا في ذهنه؟
أحس بدوار أشد.
أخرج علبة الدواء البيضاء. نظر إليها ملياً.
كبسولة بيضاء، صغيرة، بلا أي نقش أو خط نصفي للكسر.
تذكر كلام الصوت في الشريط: "البيلوكاربين... زيادة الحساسية للفراغات... التخيلات البصرية."
نظر إلى كوب الشاي على الطاولة. البخار ما زال يتصاعد منه بنفس الكثافة والوتيرة منذ أكثر من عشرين دقيقة!
تصاعد ثابت، رقيق، لا يتبدد ولا يقل.
التفت إلى كعكة الشوفان. الفتات على الطبق كان محفوراً في الفخار! لم يكن فتاتاً حقيقياً، بل قطعة بوليستر مصبوبة ومدهونة بدقة لتظهر كأنها فتات كعك!
ركض ماجد نحو الأريكة الجلدية. وضع يده على الجلد البني. كان بارداً كالحجر، ومصنوعاً من البلاستيك الصلب المعالج ليظهر كأنه جلد طبيعي قديم.
حتى البندول في ساعة الحائط!
كان يتحرك، نعم. لكن العقارب لم تكن تتزحزح. كانت ثابتة على الثانية عشرة وعشر دقائق.
الغرفة لم تكن شقة حقيقية عاش فيها أحد قبل دقائق.
الغرفة كانت مشهداً مسرحياً مجسماً مصمماً بدقة لتبدو حقيقية، لتوحي له بوجود حياة لحظية، لإجباره على تصديق السيناريو!
"كل شيء مزيف..." همس ماجد وهو يتراجع نحو الباب. "كل هذا... سيناريو مصمم ليجعلني أصدق أنني جزء من تجربة!"
ولكن إذا كانت الغرفة مسرحية، فمن وضعها؟ ولماذا؟
ولماذا الصوت في الكاسيت يعرف خدش ساعته؟
رفع ساعته اليدوية إلى عينيه ليتحقق.
انقبضت حدقتاه.
الخدش على زجاج الساعة... الخدش الممتد من الرقم ثلاثة إلى الرقم ستة...
لم يكن خدشاً على الزجاج الخارجي.
كان الخدش مطبوعاً تحت الزجاج، على لوحة الأرقام الداخلية نفسها!
لقد صُنعت الساعة بهذا الخدش! لم يحدث ذلك نتيجة حادث طفولة كما أخبروه!
الفصل الخامس: خارج الإطار
أخذ ماجد المطرقة الحديدية مرة أخرى. لم يعد يهرب، بل كان ملهماً بغضب هائل.
تجاهل الباب الذي دخل منه. توجّه إلى الجدار الخلفي لشقة الغرفة رقم 0. الجدار الذي يفترض أن يكون الجدار الخارجي للفندق، والمطل على المحيط والساحل.
رفع المطرقة وضرب الجدار بأقصى قوته.
طاخ!
لم يخرج صوت خرسانة تتشقق.
خرج صوت خشبي أجوف، تلاه صوت تحطم زجاجي ضخم، وانتشار ضوء أبيض باهر، كاشف، لا يمت بصلة لضوء النهار الطبيعي الرمادي.
ضرب مرة أخرى، وثالثة، ورابعة.
انهارت قطعة كبيرة من الجدار الخارجي للشقة.
ولم يجد المحيط.
ولم يجد الهواء الساحلي.
ما وجده عبر الفتحة كان فراغاً مظلماً هائلاً، ارتفاعه لا يقل عن خمسين متراً.
سقف معدني شبكي تشتبك فيه مئات الكشافات الضوئية الضخمة الصناعي، معلقة بسلاسل فولاذية. شبكات من الكابلات السميكة السوداء تمتد كشرايين فوق أرضية إسفلتية سوداء واسعة.
وفندق "الميريديان الساحلي" بأكمله... بطوابقه الخمسة، بجرانيته، بشرفاته، وممراته...
لم يكن سوى هيكل اجوف من الخشب المقوى والحديد والمطاط المطلي، مبني داخل استوديو تصوير سينمائي عملاق، يمتد على مساحة هكتارات تحت سقف مغلق بالكامل!
كان المبنى كاملاً مجرد "ديكور" معّلق في الهواء بواسطة دعامات هيدروليكية ضخمة، تُحدث اهتزازات منتظمة وخفيفة بين الحين والآخر لتلهم من بالداخل برائحة أو إحساس حركة الموج والمحيط!
وقف ماجد على شفير الفتحة في الطابق الرابع.
الرياح التي تضرب وجهه لم تكن نسيم بحر، بل كانت هواء بارداً قادماً من أنابيب تكييف صناعية ضخمة مثبتة في سقف الاستوديو.
وفي الأسفل، على الأرضية الإسفلتية تحت الفندق الهيكل، كانت هناك سيارات نقل بث تلفزيوني، ومكاتب متنقلة، وشاشات مراقبة صغيرة متوهجة باللون الأزرق.
رأى أشخاصاً يتحركون في الأسفل. يرتدون سماعات رأس وسترات داكنة.
وأحدهم، يقف بجانب سيارة بيضاء، رفع رأسه وأمسك ببراحته مكبر صوت يدوي.
تطابق الصوت مع صوت الكاسيت الحديث. صوت الدكتور آرام.
قال الصوت عبر مكبر الصوت، متردداً ببحة إلكترونية في الفراغ الهائل للاستوديو:
"ممتاز يا ماجد! ممتاز جداً! التجاوز الجداري تم في غضون ثماني عشرة دقيقة من اكتشاف الشقة. الاستجابة الغاضبة كانت الحافز المتوقع رقم 4."
صرخ ماجد، وهو يتمسك بهيكل الجدار المكسور:
"من أنتم؟! ما هذا المكان؟! أين أنا؟!"
رفُعت الكشافات الضوئية في السقف دفعة واحدة. ضوء أعمى عينيه لثوانٍ.
استمر الصوت عبر مكبر الصوت:
"أنت في الموقع رقم 7 يا ماجد. حياتك السابقة - شقتك، مكتبك الهندسي، سيارتك، معارفك، حتى جلساتك العلاجية معي - كانت جميعها تُدار داخل القطاع 'أ' من المدينة المغلقة. الفندق لم يكن سوى 'مرحلة الانتقال'. الغرفة رقم 0 هي البوابة إلى المرحلة التالية."
نزل ماجد درجات السلم المتهالك داخل الفندق المجوف وهو يجري بجنون. قفز فوق الحطام، وخرج من البهو الرئيسي عبر الأبواب الزجاجية التي كان يظن أنها تطل على الشارع.
وجد نفسه على الإسفلت الأسود للاستوديو.
اقترب منه ثلاثة رجال يرتدون أزياء واقية بيضاء، يمسكون بأجهزة إلكترونية تشبه الشاشات اللوحية. ولم يكونوا يحملون أسلحة، بل كانت وجوههم هادئة، محترفة، خالية من أي عدائية، كأطباء يراقبون مريضاً في غرفة إنعاش.
وقف الدكتور آرام أمامه. كان يرتدي نفس البدلة الرمادية التي كان يرتديها في عيادته الأسبوع الماضي.
"اهدأ يا ماجد،" قال آرام بنبرة حنونة ناعمة. "ضغط دمك الآن 150/95. هذا طبيعي جداً لمرحلة الإدراك الصادم."
ألقى ماجد المطرقة على الأرض. كانت يداه ترتجفان بانهيار تام.
"والداي..." زمجر بصوت مخنوق. "الصورة... الشريط... هل هما والداي حقاً؟"
ابتسم آرام ابتسامة شفوقة، وأخرج من جيبه جهازاً صغيراً، ضغط على زر فيه، لتظهر على شاشة عرض ضخمة مثبتة في جدار الاستوديو لقطات فيديو حية.
أظهرت الشاشة الشارع الذي يسكن فيه ماجد. الشارع الحقيقي الذي يقع فيه بيته.
كان الناس يمشون في الشارع. السيارات تتحرك. المحلات تجارية مفتوحة.
ولكن... عند التدقيق في الزوايا:
كانت كل سيارة تمر تجري في دورة دائرية تعود من خلالها بعد أربع دقائق.
كان المارة على الرصيف هم أنفسهم يكررون نفس المسار، بنفس المظلات بنفس الألوان!
المدينة بأكملها... حياته بأكملها... كانت مجرد "مجموعة تصوير حية" طويلة الأمد!
"أنت لم تكن طفلاً يتم تتبع نموه يا ماجد،" قال آرام بهدوء. "تلك كانت القصة التي وضعناها في الغرفة رقم 0 لنختبر مدى قدرتك على تقبل فكرة 'الضحية المصممة'."
اقترب آرام خطوة أخرى:
"الحقيقة أغرب بكثير. أنت المهندس المعماري الوحيد لهذا الهيكل بأكمله. أنت من صمم هذا الاستوديو، وأنت من صمم تجربة 'الغرفة رقم 0' قبل تسع سنوات. لقد قمت بمسح ذاكرتك طوعاً بدواء البيلوكاربين المطور لتخوض التجربة بنفسك... لتعرف إن كان البشر قادرين على اكتشاف الخدعة إن كانت صلبة ومبنية بقواعد هندسية محكمة!"
الفصل السادس: الالتفاف الأخير (الدوامة)
توقف الزمن في ذهن ماجد.
"أنا... صممت هذا؟"
همس بالكلمات كأنها غريبة عن حنجرته.
"نعم،" قال آرام وناوله ملفاً أزرق آخر. "هذا خط يدك. هذه بصماتك. أنت الرئيس التنفيذي لمشروع 'أوريون'."
فتح ماجد الملف.
الرسومات المعمارية للاستوديو... التوقيع في الأسفل... كان توقيعه الحقيقي. الخط، الملاحظات الجانبية، الخطوط الصغيرة عند حواف الحروف... كل شيء كان خطه بلا أدنى شك.
سقط على ركبتيه فوق الإسفلت البارد.
كل الثوابت انصهرت.
إن كان والداه لم يموتا بحادث، ولم يكونا علماء في تجربة... بل كان هو من اختلق قصتهما في الشريط ليختبر نفسه...
وإن كانت حياته الخارجية مجرد استوديو أكبر...
وإن كان هو الصانع والضحية في نفس الوقت...
"إذاً..." قال ماجد وهو يرفع عينيه الدامعتين إلى آرام. "إذا كنت أنا من صمم كل هذا... ونظمت المسرحية... وانتهت اللعبة الآن بمجرد اكتشافي للاستوديو... ماذا يحدث الآن؟"
ابتسم آرام. لكن ابتسامته هذه المرة لم تكن ابتسامة طبيب. كانت ابتسامة آلية، محايدة، مطبوعة بجمود.
ولم يجبه آرام.
بدلاً من ذلك، ارتفع صوت صفير حاد ومفاجئ من أركان الاستوديو العملاق.
كشافات الضوء الأبيض العملاقة بدأت تتحول إلى اللون الأحمر الساطع.
وصوت آلي، محوسب، غير بشري، انبعث من مكبرات الصوت الثابتة في السقف الفولاذي المرتفع:
"تنبيه: العينة رقم 'ماجد-04' وصلت إلى المحطة 'د' (إيهام الصانع)."
"استجابة القشرة الدماغية للسيناريو التراكبي: 100%."
"تفريغ عقار البيلوكاربين في الدفعة الهوائية رقم 9."
تجمّد ماجد.
نظر إلى الدكتور آرام.
آرام لم يكن يتنفس. كان واقفاً كتمثال شمعي، بنفس الابتسامة المحايدة، عيناه لا ترمشان.
الرجال بملابس الواقية البيضاء حوله يتوقفون عن الحركة تماماً، كعرائس ميكانيكية انقطع عنها التيار!
تدفق غاز أبيض رقيق، معطر برائحة صابون الغار وخشب الصندل، من فتحات التهوية المنتشرة على إسفلت الاستوديو.
شعر ماجد ببرودة شديدة تسري في أطرافه.
ثقلت جفناه. الرؤية بدأت تتفتت إلى خطوط زرقاء تقطع الفراغ.
رفع ساعته اليدوية الذهبية إلى عينيه بجهد أخير.
العقارب...
العقارب بدأت تدور للورا بسرعة جنونية.
الثواني... الدقائق... الساعات...
والخدش الممتد من الرقم ثلاثة إلى الرقم ستة بدأ يتلاشى وينمحى من تحت الزجاج، كأنه لم يكن موجوداً قط.
سمع صوت أمه - الصوت القديم الناعم ذاته - يتردد في أعماق جمجمته، لا عبر مكبر صوت ولا عبر كاسيت، بل كذكرى حقيقية أو كالشفرة الأخيرة التي تنغلق:
"سليم... إنه يكره اللون الأصفر. اعطه الحبة البيضاء... ودعه يستيقظ في البهو من جديد."
أغلقت عيناه.
...
تنهد بحدّة.
فتح ماجد عينيه فجأة.
كان يستند بجبهته على طاولة فولاذية.
تفوح رائحة النشا الجاف والحبر القديم يملأ أنفه.
تحت يديه، كانت هناك ثمان وأربعون ورقة من الورق المقوى الأزرق، كُتب في أسفل كل منها بخط يدوي دقيق: "فندق الميريديان الساحلي - 1978".
وقف في بهو الفندق الرخامي المتشقق.
كان الهواء يحمل عبق غبار الكلس والشرنقات الميتة.
صوت المحيط يتردد خافتاً في الخلفية.
رفع يده ونظر إلى ساعته اليدوية الذهبية.
كانت تشير إلى الحادية عشرة وخمس وأربعين دقيقة صباحاً.
وعلى زجاجها الخارجي، كان هناك خدش صغير حديث، يمتد بنعومة... من الرقم ثلاثة إلى الرقم ستة.
أحس بطلقة صداع خفيفة خلف عينيه.
مد يده إلى جيبه، أخرج علبة بلاستيكية بيضاء صغيرة، وسحب حبة دواء واحدة بدون علامات.
ابتلعها جافة.
ثم أخذ الشريطة المترية الفولاذية، ومشى نحو السلم الحلزوني المؤدي إلى الطابق الثالث، وهو يتمتم لنفسه بنبرة هادئة ومطمئنة:
"مجرد إرهاق... مجرد قلة نوم."
بقلم: عفراء عادل
تعليقات
إرسال تعليق