مدونة أدبية تأخذكم في رحلة بين تلافيف الذاكرة وعمق المشاعر الإنسانية. نقدم هنا قصصاً ملهمة، وحكايات غموض نفسي تثير الفضول، ومواقف اجتماعية دافئة تلامس قلوبكم وتترك في نفس كل قارئ أثراً وعِبرة.
مميزة
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
النفَس الحادي عشر: سر الشقة 404 والصمت المطلق
الفصل الأول: الصمت عند الصفر ديسيبل
كان يونس يكره الصمت.
بالنسبة لمهندس عزل وصوتيات قضى ثماني سنوات بين استوديوهات التسجيل والمختبرات الصوتية، لم يكن الصمت سوى حالة وهمية. الهواء من حولنا مملوء دائماً بالطنين: احتكاك أسلاك الكهرباء خلف الجدران، حركة الهواء داخل منافذ التكييف، وحتى الترددات الباهتة لمرور السيارات في الشوارع البعيدة.
لكن الشقة رقم (404) في الطابق الأخير من عمارة "البرج العاجي" كانت شيئاً مختلفاً كلياً.
كانت البناية جديدة، تقف كعملاق من الزجاج والخرسانة السوداء في أطراف الجزء الحديث من المدينة. أربعون طابقاً من الشقق الفاخرة، ولكن الشقة (404) كانت تعلو الجميع، تطل على خط الأفق الباهت للمدينة.
جلس يونس على صندوق خشبي ثقيل في منتصف الصالة الواسعة. كانت جدران الصالة مغطاة بألواح من مادة "الأكواستيك-فوم" السوداء ذات الرؤوس الهرمية، فوق طبقة سميكة من ألياف البوليسترين المضغوطة. كانت الألواح تبتلع الضوء والموجات الصوتية بنفس القدر من الشراهة.
إلى جواره، كانت تقف شقيقته الصغرى سارة.
كانت سارة تضع على رأسها سماعات رأس احترافية متصلة بجهاز لقياس شدة الصوت مثبت على حامل ثلاثي الأرجل في منتصف الغرفة. أطراف جهاز القياس تحتوي على ميكروفون مكثف فائق الحساسية، مخصص لالتقاط الترددات الخفية التي لا تستطيع الأذن البشرية سماعها.
"كم يسجل الجهاز الآن يا سارة؟" سألها يونس وهو يشد برغي الألواح في الجدار الجانبي.
رفعت سارة سماعة واحدة من أذنيها، ونظرت إلى الشاشة الرقمية الخضراء للجهاز.
"4.2 ديسيبل يا يونس"، قالت ونبرة صوتها مكتومة ومخنوقة، فالصوت في هذه الغرفة لا يرتد ولا يملك صدى... يموت بمجرد خروجه من الشفاه. "هذا الرقم منخفض جداً. الاستوديوهات الإذاعية الاحترافية لا تتجاوز 15 ديسيبل. العميل طلب الوصول إلى صفر... لكن هل الصفر الفيزيائي ممكن حقاً؟"
مسح يونس العرق عن جبهته بطرف قميصه.
كان مالك الشقة رجل أعمال ثري يرفض الكشف عن اسمه الكامل، ويتواصل معهما فقط عبر وكيل قانوني. كان الشرط الوحيد في العقد المبرم بينهما، والذي احتوى على بند جزائي بمبلغ خيالي، كالتالي:
"يجب أن تصل نسبة العزل الصوتي في الشقة (404) إلى الصفر المطلق (0.0 dB). لا يدخل إليها أي صوت من العالم الخارجي، ولا يخرج منها أي صوت مهما بلغت شدته. يجب أن تكون الشقة مقبرة للصوت."
"الصفر المطلق نظرياً يعني أن الجزيئات لا تتذبذب يا سارة"، قال يونس وهو يضع المفك الجانبي على الأرض. "لكن مع طبقات العزل الثلاثية التي وضعناها على النوافذ والباب الفولاذي المصفح، سنتقارب من الصفر البيولوجي... النقطة التي لا يسمع فيها الإنسان سوى تدفق دمه في أذنيه."
وقف يونس وسار نحو الباب الرئيسي للشقة.
كان الباب مصنوعاً من الخرسانة المطعمة بالحديد ومحاطاً بحواف مطاطية مزدوجة لمنع تسرب الهواء. أغلقه ببطء.
كليك.
انزلق القفل الذكي، واستقرت الأقفال الفولاذية في تجاويف الجدار.
في تلك اللحظة بالذات، هبط الرقم على شاشة جهاز القياس فجأة:
0.8 dB... 0.3 dB... 0.0 dB
وصلت الغرفة إلى الصفر المطلق.
ساد صمت غريب. لم يكن صمتاً مريحاً، بل كان يشبه هبوطاً مفاجئاً في ضغط الهواء داخل طائرة على ارتفاع شاهق. شعر يونس ببرودة حادة في أذنيه، وانقباض طفيف في قفصه الصدري.
"يونس..." همست سارة، لكن صوتها لم يتجاوز حافة شفتيها. "انظر إلى المؤشر..."
كان المؤشر البياني على شاشة كمبيوتر القياس يرسَم خطاً أفقياً أخضر مستقيماً. لكن فوق هذا الخط، بدأت تتكون موجات جيبية منتظمة جداً.
موجة تصعد ببطء... ثم تهبط... ثم تصعد.
شهيق... زفير... شهيق... زفير.
نظر يونس إلى جهاز القياس بذهول. كان الميكروفون المكثف يلتقط ترددات أنفاس جارية في منتصف الصالة الفارغة.
"هذا تنفسنا يا سارة"، قال يونس يحاول تهدئة النبرة الارتجافية في صوته. "الميكروفون حساس للغاية. إنه يلتقط حركة صدري وصدرك أثناء الشهيق والزفير."
"لا يا يونس..." رفعت سارة يدها وهي تشير إلى أرقام التحليل الترددي على الشاشة. "جهاز القياس يحلل عدد الدورات التنفسية في الدقيقة. انظر إلى العداد."
اقترب يونس من الشاشة.
كان العداد الرقمي يحلل الموجات الصوتية الصادرة في الغرفة ويكتب:
معدل الأنفاس الملتقطة: 11 نفَساً / الدقيقة
انقبضت ملامح يونس.
"نحن اثنان فقط في الغرفة..." همس يونس. "معدل تنفسي أنا وأنتِ معاً لا يمكن أن يكون رقماً فردياً إذا كنا نتنفس بنفس المعدل... أنا 5 أنفاس، وأنتِ 5 أنفاس... الإجمالي يجب أن يكون 10."
"أنا أكتم تنفسي الآن!" صرخت سارة بصوت مكتوم وهي تضع يدها على فمها وأنفها بقوة.
حبست سارة أنفاسها تماماً. حبس يونس أنفاسه هو الآخر، ووقف الاثنان في منتصف الصالة السوداء بلا حركة، والعيون متسعة من الخوف.
كان ينبغي للمؤشر البياني على الشاشة أن يعود إلى الخط المستقيم الصافر.
لكن الشريط الأخضر استمر في رسم الموجات المنتظمة!
شهيق... زفير... شهيق... زفير.
وكان الصوت هذه المرة لا يأتي عبر الميكروفون والجهاز فحسب... بل بدأ ينساب في هواء الغرفة الثقيل، صوتاً دافئاً، رطباً، وبطيئاً، ينبعث من الزاوية المعتمة للصالة، على بُعد خطوات قليلة من الحامل الثلاثي الأرجل!
كان هناك نفَس حادي عشر يتنفس معهما داخل الصمت المطلق.
الفصل الثاني: الغشاء المفقود
لم يكن الصوت مجرد هواء يتحرك.
كان صوتاً يحمل بحة خفيفة، تشبه بحة شخص استيقظ للتو من نوم طويل في مكان رطب.
ارتجفت ساقا سارة، وتراجعت خطوة إلى الخلف حتى اصطدم ظهرها بالألواح الفومية للجدار. الألواح امتصت صدمة جسدها بلا أي صوت، وكأن الجدار يبتلع الحركة أيضاً.
"يونس..." همست والدموع تتجمع في عينيها. "الباب... افتح الباب."
اندفع يونس نحو الباب الرئيسي المصفح. وضع كفه على المقبض الإلكتروني الذكي.
ضغَط لأسفل.
لم يتحرك المقبض.
أضاءت الشاشة الصغيرة للنظام الميكانيكي باللون الأحمر، وظهرت عليها رسالة رقمية باللغة الإنجليزية:
نظام العزل التلقائي نَشِط: تم تأمين القفل الهيدروليكي لمنع تسرب الترددات. لا يمكن فتح الباب إلا بعد استعادة مستوى الضوضاء الخارجي (> 40 dB).
"تباً!" ضرب يونس الباب بقبضته.
الصدمة لم تحدث أي صوت رنين في المعدن. المادة العازلة المبطنة للحواف امتصت طاقة الضربة بالكامل. كان يضرب الجدار وكأنه يضرب فراغاً كونيًا.
"ما هذا النظام؟" صرخت سارة وهي تنزع السماعات عن رأسها وتلقي بها على الأرض. "لماذا يُغلق الباب عندما يصل العزل إلى الصفر؟"
"لأن العقد لم يكن لعزل الضوضاء عن الشقة..." قال يونس وهو ينظر إلى المساحة الفارغة في منتصف الصالة. "العقد كان لبناء مصيدة صمت."
عاد يونس بخطوات بطيئة نحو طاولة الأدوات. أخذ كشافاً ضوئياً كبيراً وأشعل شعاعه الأبيض الحاد.
وجه الشعاع نحو الزاوية التي ينبعث منها صوت الأنفاس.
لم يكن هناك أحد.
الزاوية كانت خاوية، الجدران السوداء تلتقي في زاوية قائمة ميتة. لكن الأجزاء الصغيرة من الغبار المعلق في الهواء... كانت تتحرك!
لم تكن تسقط بفعل الجاذبية، بل كانت تتذبذب في مكانها، تتسع وتكتل بشكل دائري منتظم مع كل حشرجة تنفس تصدر من الهواء!
شهيق... (تتسع دوائر الغبار).
زفير... (تنكمش دوائر الغبار).
"إنه لا يملك جسداً مادياً..." قال يونس ونبرته أصبحت مشبعة بالذهول والرعب. "إنه كائن مكون من الترددات الصامتة."
"كيف يكون التردد صامتاً يا يونس؟ التردد يعني صوت!"
"هناك ترددات تحت صوتية لا تسمعها الأذن، ولكن الأنسجة البشرية تحس بها كضغط!" أوضح يونس وهو يراقب حركة الغبار. "هذا الشيء كان موجوداً هنا طوال الوقت... لكن الضوضاء العادية للمدينة، صوت السيارات، الشارع، وحتى الهواء في الممرات كان يشتت نسيجه الترددي ويمنعه من التجمع. عندما عزلنا الغرفة للصفر المطلق... وفرنا له البيئة المثالية ليثبت وجوده!"
وفجأة، توقف صوت الأنفاس في الزاوية.
ساد صمت أعمق وأقسى من قبل.
نظر يونس إلى جهاز القياس. المؤشر الأخضر لم يعد يرسم موجات منتظمة... بل بدأ يتحول إلى كتلة ضخمة من الخطوط المتداخلة عشوائياً.
وفي تلك اللحظة، شعر يونس بضغط هائل يقع على طبلتي أذنيه، وكأن أحداً يضغط بإبهامين من الحديد الصلب على جانبي رأسه!
انثنت سارة على ركبتيها وسقطت على الأرض، وهي تصرخ وتضع يديها على أذنيها، لكن صراخها كان مكتوماً، لا يتعدى حشرجة ضعيفة تبتلعها الجدران السوداء فوراً.
كان الكائن الصامت يتقدم في الصالة... وكان يتنفس الآن من فوق رأسيهما مباشرة!
الفصل الثالث: صدى الاستغاثة
كان الضغط يزداد في جوف الغرفة مع كل ثانية.
لم يكن الهواء يقل، بل كانت جزيئات الأكسجين تصبح ثقيلة وصعبة الامتلاء في الرئتين. كان الكائن يستنزف الفراغ الصوتي، ويحوله إلى كتلة من الضغط الترددي الخانق.
"يجب أن نحدث ضوضاء!" صرخ يونس في عقله.
نظر إلى الشاشة الذكية للباب. القفل الهيدروليكي لن يفتح إلا إذا سجلت المستشعرات الداخلية شدة صوت تتجاوز 40 ديسيبل—أي ما يعادل صوت حديث بشري مرتفع أو رنين هاتف.
ولكن في هذه الغرفة المكسوة بألواح الفوم، حتى لو صرخ يونس بأعلى صوت يملكه في حنجرته، فإن شدة الصوت عند الحساسات لن تتجاوز 15 ديسيبل لأن الجدران تمتص الموجات في أقل من ميلي ثانية!
ركض يونس نحو الحامل الثلاثي الأرجل.
أمسك بالحامل المعدني الثقيل، ورفعه إلى الأعلى بكل قوته، ثم ضرب به بكل ما أوتي من عزم على الأرضية الخرسانية للشقة!
طرق!
انبعث صوت جاف ومكتوم.
نظر إلى الشاشة الرقمية للجهاز: 18.5 dB.
لم تكن الكثافة كافية. صوت الارتطام تشتت في ألواح الجدران ولم يصل إلى الباب.
الكائن الترددي تفاعل مع الضربة.
في تلك اللحظة، انحنت دوائر الغبار المعلقة في الهواء، وانفصلت إلى قطاعين. شعر يونس ببرودة شديدة تخترق قميصه عند قفصه الصدري. كانت هناك هالة غير مرئية تلتف حول رقبته.
لم تكن يداً تضغط على حنجرته، بل كان فراغاً من الصوت يمنع حباله الصوتية من الاهتزاز!
حاول أن يصرخ، لكن لسانه تحرك في فمه بلا أي نغمة. حنجرته كانت تهتز في الفراغ دون أن تنتج صوتاً واحداً.
سقط يونس على أرضية الصالة إلى جوار سارة.
كانت سارة تشير بيدها التي ترتجف نحو صندوق الأدوات الهندسي الملقى على بعد مترين منهما.
داخل الصندوق، كان هناك:
مطرقة حديدية ثقيلة.
أسطوانة غاز صغيرة يُستخدم فيها مشعل لحام الأنابيب.
وجهاز مكبر صوت صغير (Megaphone) يستخدمانه عادة لاختبار صدى الصوت في القاعات الكبيرة.
أدرك يونس الفكرة فوراً!
الـ Megaphone يبث الصوت بنظام تضخيم الكتروني. لكن لو استخدموه في الهواء العادي، فالجدران ستمتصه. ولكن ماذا لو وجهوا الصوت المكتوم مباشرة نحو مستشعر الباب على بعد سنتيمترات قليلة؟!
زحف يونس على الأرضية السوداء المبللة بعرقه البارد.
كان الكائن الصامت يلتف حوله، وشكل الأنفاس الحادي عشر أصبح أسرع وأكثر حدة:
شهيق حاد... زفير حاد...
كان الكائن يشعر بإنقاذهما لمأزق الصمت، وكان يحاول خنقهما بالكامل قبل أن ينكسر عزل الغرفة!
امتدت يد يونس إلى صندوق الأدوات. استقر إبهامه على مقبض مكبر الصوت البلاستيكي. أخذ أسطوانة الغاز والمطرقة.
صعد على ركبتيه بشعور من يرفع جبالاً على ظهره.
اقترب من الباب المصفح. وضع فوهة مكبر الصوت المفتوحة على السطح الزجاجي للمستشعر الإلكتروني للباب مباشرة، حتى لم تعد هناك أي مساحة للهواء البيني.
فتح مفتاح المكبر على أقوى درجة (Max Volume).
ثم أخذ المطرقة الحديدية بيده الأخرى، وضرب بها بأقصى قوة لديه على الجزء الخلفي المباشر لمكبر الصوت!
الفصل الرابع: انفجار التردد
طرقااااااان!
لم تكن ضربة عادية.
المطرقة اصطدمت بالبلاستيك والميكروفون الداخلي للمكبر، فتضخمت موجة الاصطدام عبر الدائرة الإلكترونية للمكبر بآلاف المرات!
انطلقت من مكبر الصوت نغمة تغذية مرتدة حادة ومرعبة جداً، تشبه صراخ صافرة إنذار تتفجر داخل أنبوب ضيق!
اصطدمت الموجة الصوتية المتضخمة مباشرة بحساس الباب.
ارتفعت الأرقام على شاشة الباب الذكي بسرعة جنونية:
35 dB... 55 dB... 89 dB... 120 dB!
تجاوزت الضوضاء العتبة المطلوبة بأضعاف مضاعفة!
دوت نغمة ميكانيكية حادة داخل القفل الهيدروليكي للباب:
تشششششك!
انكشفت الحواف المطاطية، وانحل القفل الفولاذي، وانفتح الباب المصفح إلى الخارجي لمسافة بضعة سنتيمترات!
انداح هواء الشارع والممر الخارجي المليء بطنين التكييف وصوت الرياح القادمة من الخارج إلى داخل الصالة.
في تلك اللحظة بالذات، انبعث من الكائن الترددي داخل الغرفة صوت صراخ مكتوم.
لم يكن صوتاً خروج، بل كان صوت تفكك!
الضوضاء الخارجية التي دخلت عبر فتحة الباب - أصوات المدينة، السيارات، الهواء، وصوت الصفير الصادر من المكبر - اصطدمت بالنسيج الترددي النقي للكائن الصامت.
بدأت دوائر الغبار تتشتت في جميع الاتجاهات، وانخفض الضغط الهائل عن طبلتي أذن يونس وسارة كأن سداً قد انهار!
سحب يونس سارة من معصمها بكل ما تبقى له من قوة، ودفها أمامه عبر فتحة الباب الشبه مفتوحة نحو الممر الخارجي للعمارة!
خرج الاثنان، وسقطا على أرضية الممر الرخامية تحت الأضواء البيضاء الساطعة.
كان الممر ملئيًا بالأصوات: صوت المصعد وهو يتحرك في الطابق الأسفل، طنين أجهزة التبريد، وصوت تنفسهما هما... تنفسين اثنين فقط!
أغلق يونس الباب المصفح خلفهما فوراً وأقفله من الخارج بالمفتاح الميكانيكي.
جلس على الأرض، ظهره لمس زجاج الممر الخارجي، وهو يلهث بجهد، بينما كانت سارة تبكي بهستيريا وهي تستمع إلى الأصوات العادية للمبنى وكأنها أجمل موسيقى سمعتها في حياتها.
الفصل الخامس: ما تتركه الأنفاس
في صباح اليوم التالي، كانت الشمس تشرق ساطعة على المدينة.
كان يونس وسارة يجلسان في مكتب الوكيل القانوني لمالك العمارة في وسط المدينة. كانت الطاولة الزجاجية تفصل بينهما وبين المحامي الذي كان يرتدي بدلة أنيقة وينظر إلى التقرير الهندسي الذي قدمه يونس.
"لقد ألغينا العقد"، قال يونس بصوت صارم ونبرة قاطعة. "ولن نعود إلى الشقة (404) تحت أي ظرف. المواد العازلة تمت إزالتها جزئياً، والشرط الجزائي لن ندفعه لأن الشقة غير آمنة للاستخدام البشري."
رفع المحامي نظارته، ونظر إلى يونس بابتسامة باردة لا تبلغ عينيه.
"السيد المهندس..." قال المحامي بهدوء وهو يطوي التقرير. "المالك لم يكن يريد الشقة للاستخدام البشري أساساً."
تصلب ظهر سارة.
"ماذا تعني؟" سألت سارة.
"المالك عالم في الفيزياء الصوتية"، أوضح المحامي وهو يضع يديه على الطاولة. "كان يبحث منذ سنوات عن طريقة لحجز ما يُسمى بـ 'الترددات الأثرية'... الأنفاس والأصوات التي يتركها الراحلون في المساحات المغلظة. كان يعلم أن الشقة (404) شهدت حادثة اختناق صامتة لمالكها القديم عام 1990، وأن صوته وأنفاسه ظلت محبوسة في المادة الحجرية للمكان، ولكنها لم تكن قادرة على التجمع إلا في بيئة تصل لنسبة صفر ديسيبل."
أخرج المحامي شيكاً بنكياً بمبلغ ضخم ووضعه على الطاولة أمامهما.
"المالك يشكركما... لأنكما بإغلاق الباب ووصول العزل للصفر لعدة دقائق، قد ثبتّما وجود النفَس الحادي عشر بالكامل داخل النظام."
نظر يونس إلى الشيك البنكي، ثم إلى يديه اللتين لا تزالان تحملان آثار البقع البيضاء الشاحبة من الغرفة السوداء.
لم يلمس الشيك. وقف وأمسك بيد سارة، وغادرا المكتب دون أن ينطقا بكلمة واحدة.
في مساء ذلك اليوم، كان يونس يجلس في شقته الشخصية الهادئة.
كان المنزل هادئاً، والأضواء خافتة. كان يحاول القراءة لتهدئة عقله، لكن فكرة الصمت كانت قد أصبحت تطارده ككابوس لا ينتهي.
وضع الكتاب جانباً.
أخرج هاتفه المحمول، وفتح تطبيق تسجيل الصوت البسيط ليفحص ما إذا كان هناك أي ضوضاء تذكر في غرفته.
ضغط على زر التسجيل.
ساد الصمت في الغرفة لمدة عشر ثوانٍ.
ثم أوقف التسجيل، وضغط على زر إعادة التشغيل وهو يضع سماعة الهاتف على أذنه.
في الثواني الأولى... لم يكن هناك سوى صوت تنفسه هو البطيء والمنتظم.
شهيق... زفير.
لكن في الثانية السابعة من التسجيل... وفي منتصف غرفته التي كان يعتقد أنها آمنة... انبعث من سماعة الهاتف صوت حشرجة خفيفة، يتبعها صوت أنفاس ثانية غريبة تنهمس بالقرب من الميكروفون مباشرة:
...11...
انقبض قفص يونس الصدري، وسقط الهاتف من يده ليرتطم بالأرضية الخشبية... بينما استمر الهاتف الملقى على الأرض في بث صوت الأنفاس التي لم تعد بحاجة لغرفة معزولة لتتجسد بعد الآن!
بقلم: عفراء عادل
جميع الحقوق محفوظة لمدونة afraaadil.com
المشاركات الشائعة
أسرار الغرفة المغلقة.. حين تقودنا خريطة قديمة إلى كنز من الذكريات
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
متجر الساعات التي لا تقيس الوقت
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى

تعليقات
إرسال تعليق