التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

سر زقاق المصابيح الصفراء: قصة من عمق المدينة القديمة

  الفصل الأول: النقطة العميقة في الخريطة كان سامر يعتقد أن العالم قد تم مسحه بالكامل. بالنسبة لمهندس برمجيات ونظم معلومات جغرافية (GIS) يعمل منذ ست سنوات في شركة "أطلس مابز" الملاحية، لم تكن الأرض سوى مجموعة من الإحداثيات، وخطوط الطول والعرض، والبكسلات الملونة التي تتصل عبر خوادم عملاقة في سياتل وفرانكفورت. كان عمله اليومي يتلخص في تدقيق البيانات الميدانية التي تجمعها سيارات المسح الجغرافي: تلك السيارات البيضاء الصغيرة المزودة بأعمدة معدنية مرتفعة، تحمل في قمتها كاميرات ثمانية العدسات تدور بزاوية 360 درجة، لتمسح الشوارع، والمباني، ورصيف المشاة، وحتى وجه القطة التي تعبر الطريق. كان سامر يرى العالم من خلال شاشة المراقبة الثلاثية الممتدة أمامه. يجلس في مكتبه المنزلي في الساعة الواحدة صباحاً، والهدوء يلف شقته، بينما تحتسي يده كوباً من القهوة التي فقدت حرارتها منذ ساعة. في تلك الليلة، كان مكلفاً بإنهاء مراجعة الخرائط التفصيلية لحي "السبيل"، وهو أحد أقدم الأحياء الشعبية في أطراف المدينة. حي تتداخل فيه الأزقة الحجرية الضيقة، وتلتف فيه المباني القديمة المبنية من الحجر ...

الشبيه الصامت: عندما تلمح ظلك يجلس بانتظارك

في زحام المدن الكبرى، نمر بآلاف الوجوه يومياً دون أن نتوقف عندها. ولكن، ماذا لو كان أحد تلك الوجوه ينظر إليك أنت بالذات.. لأنه يحمل ملامحك بدقة مرعبة؟

كان "سامر" يعيش حياة روتينية هادئة كمهندس برمجيات في شركة تقنية وسط المدينة. كان يومه يبدأ دائماً بكوب قهوة، وينتهي أمام شاشة حاسوبه. لم يكن هناك ما يكسر هذا الروتن، حتى حلّ شهر أكتوبر، ومعه بدأت تلك المراقبة الصامتة.

في المقهى المقابل لمبنى شركته، والذي يفصله عنه شارع رئيسي واسع، لاحظ سامر رجلاً يجلس يومياً عند النافذة المطلة على مكتبه. لم يكن رجلاً عادياً؛ كان يرتدي نفس المعطف الرمادي الذي يرتديه سامر، ويملك نفس تسريحة الشعر، ونفس نظارته الطبية ذات الإطار الأسود.

الأمر لم يكن مجرد تشابه عابر في المظهر، كان الرجل يجلس لساعات، واضعاً يده على خده، ومثبتاً نظراته الباردة نحو نافذة مكتب سامر مباشرة.. دون أن يتحرك، ودون أن يطلب قهوة، ودون أن يرمش.

المواجهة المؤجلة

في الأيام الأولى، حاول سامر إقناع نفسه بأنها مجرد صدفة، أو ربما قاسم مشترك في الأذواق. لكن مع مرور الأسابيع، تحول الأمر إلى كابوس نفسي. أصبحت تلك النظرات المصلتة عليه من بعيد تلاحقه في أحلامه.

كان يسأل زملائه في العمل: "هل ترون ذلك الرجل في المقهى المقابل؟ إنه يشبهني تماماً، أليس كذلك؟" لكن الزملاء كانوا ينظرون بكسل ويجيبون: "المسافة بعيدة يا سامر، والزجاج عاكس.. يبدو رجلاً عادياً يرتدي معطفاً، أنت تتوهم من إرهاق العمل."

وفي غرة نوفمبر، لم يعد سامر يحتمل. قرر أن ينهي هذه اللعبة النفسية المزعجة. وقف من مكتبه بعزم، وتوجه نحو المصعد، ثم خرج إلى الشارع بخطوات سريعة متجهاً نحو المقهى المقابل مباشرة.

طاولة فارغة

دفع سامر باب المقهى بقوة، والشرر يتطاير من عينيه. التفت نحو الطاولة المعتادة بجانب النافذة.. لكنها كانت فارغة!

شعر بالإحباط، لكنه لاحظ أن فنجان قهوة فارغ تماماً كان موضوعاً على الطاولة، وبجانبه مغلف ورقي بني أنيق مكتوب عليه بخط يده هو: "إلى سامر".

التقط سامر المغلف بيد ترتجف، وجلس على نفس الكرسي الذي كان يجلس عليه الشبيه. فتح المغلف ليجد بداخله بطاقة عمل رسمية خاصة بشركته الحالية. صُدم عندما قرأ الاسم المطبوع عليها: "سامر الجابري - رئيس قسم تطوير النظم".

حتى الآن، بدا الأمر وكأن شخصاً سرق هويته، لكن الصدمة الحقيقية التي جعلت أنفاسه تتوقف هي تاريخ التعيين المكتوب في أسفل البطاقة: 1 نوفمبر 2016.

نقطة التحول

تصلب سامر في مكانه. لقد تم تعيينه في هذه الشركة في 1 نوفمبر 2025، أي قبل عام واحد فقط من الآن! كيف تكون هناك بطاقة رسمية له بنفس الاسم والوظيفة وبتاريخ يعود إلى عشر سنوات مضت؟

في تلك اللحظة، اقترب منه نادل المقهى العجوز، ووضع أمامه فنجان قهوة دافئ، وقال بابتسامة هادئة: "أهلاً بعودتك يا أستاذ سامر.. لقد مرت عشر سنوات كاملة منذ آخر مرة جلست فيها هنا."

نظر إليه سامر بذهول وقال ونبرة صوته تكاد تختفي: "عشر سنوات؟ أنا أعمل في المبنى المقابل منذ سنة واحدة فقط!"

تنهد النادل العجوز بحزن وأشار بيده نحو المبنى الزجاجي المقابل وقال: — "يا بني.. المبنى المقابل أُغلق تماماً وتم إخلاؤه بعد الحريق الكبير عام 2016. منذ ذلك الحين، وأنت تأتي إلى هنا كل يوم في نفس الموعد، ترتدي معطفك الرمادي، وتنظر إلى نافذة مكتبك القديم الفارغ في الأعلى، منتظراً أن ترى نفسك القديمة تعود للعمل.

تعليقات

المشاركات الشائعة