مميزة

تراتيل الجدران الصامتة: حيث لا تنتهي الأشجار

 

الفصل الأول: شفق يتآكل

كانت حبات العرق الباردة قد حفرت مسارات رمادية على جبهة هاني وهو يتوقف للمرة الرابعة خلال نصف ساعة ليفحص بوصلته المغناطيسية. الأبرة لم تكن تشير إلى الشمال، بل كانت تدور ببطء مريب، مرتعشة كأنها تحاول الفكاك من جاذبية خفية تحت الأرض. الغابة لم تكن مجرد تجمع للأشجار، كانت أشبه برئة عملاقة تمتص الضوء وتفرز الظلام. أشجار الصنوبر والسنديان العتيقة تلاحمت قممها لتشكل سقفاً خانقاً يحجب السماء، ولم يكن يتبقى من الشفق سوى خيوط أرجوانية باهتة تموت ببطء على لحيته الكثيفة.

"هاني، توقف عن النظر إلى البوصلة" قال يزن بصوت متهدج، وهو يسند ظهره إلى جذع شجرة ضخم. كان يزن الأطول بينهم، لكن جسده الرياضي بدا ضئيلاً تحت وطأة الإرهاق. ملابسه المخصصة للتنزه، والتي كانت تبدو أنيقة صباحاً، تمزقت عند الركبة، وظهرت من خلالها خدوش حمراء داكنة تنزف دماً جافاً جراء شجيرات العليق الشائكة. "لقد مررنا بهذه الصخرة المشطورة قبل ساعة. نحن ندور في حلقة مفرغة، والهواء يزداد برودة."

على بعد خطوتين، كان تامر يجلس على الأرض، واضعاً رأسه بين ركبتيه. كان تامر الأصغر سناً، أنفاسه كانت تصدر حشرجة واضحة، وحقيبة ظهره الزرقاء كانت ملقاة بإهمال بجانبه. "هواتفنا أغلقت منذ الظهيرة،" تمتم تامر دون أن يرفع رأسه. "لا توجد شبكة، والبطاريات أُفرغت بسرعة غير طبيعية. ألم تكن ممتلئة بنسبة 100% قبل ثلاث ساعات فقط؟ كيف تهبط إلى الصفر بهذه السرعة؟"

"البرودة الشديدة تفرغ بطاريات الليثيوم،" أجابه هاني محاولاً إضفاء مسحة علمية على رعب مجهول بدأ يلتهم أطرافه. لكنه في داخله، كان يعلم أن التفسير واهن. البرودة لم تكن قد وصلت بعد إلى حدها الأقصى، لكن الخوف يفعل بالمنطق ما تفعله النار بالورق.

مسح هاني نظارته الطبية بطرف قميصه المبتل بالرطوبة. عندما أعادها، كان الظلام قد أحكم قبضته على المكان. ساد صمت غريب، صمت حاد لا تقطعه زقزقة طائر أو حركة قارض. حتى الرياح التي كانت تعصف بقمم الأشجار توقفت فجأة، تاركة الهواء ثقيلاً، مشبعاً برائحة طين رطب وعفن نباتي قديم.

وفجأة، وسط ذلك السكون المطبق، تناهت إلى مسامعهم رائحة أخرى. لم تكن رائحة الطبيعة. كانت رائحة احتراق خشب صلب.. رائحة دخان دافئ.

رفع يزن رأسه مستنشقاً الهواء بقوة. "هل تشمون هذا؟"

التفت هاني جهة اليمين، حيث تتشابك الجذوع السوداء كأصابع يد عملاقة تخرج من الأرض. على بعد حوالي مئتي متر، بين فجوة ضيقة في الأشجار، ومض بريق ضئيل. لم يكن بريق نجم، بل كان ضوءاً أصفر مائلاً للحمرة، ينبعث من نافذة صغيرة.

نزل الأمل عليهم كالغيث، لكنه كان أملاً مشوباً بريبة غريزية. في أعماق الغابات غير المستكشفة، لا يعني وجود البشر دائماً الأمان. غير أن البرودة التي بدأت تخترق عظامهم، وحشرجة تامر المريضة، لم تتركا لهم ترف الاختيار.

"هيا بنا،" قال هاني وهو يشد حزام حقيبته. "أياً كان من يعيش هناك، فهو يملك سقفاً وناراً."

الفصل الثاني: الكوخ القابع في العتمة

كلما اقتربوا، كان الكوخ يزداد وضوحاً، وكأنه ينمو من الأرض كفطر سام. لم يكن كوخاً خشبياً عادياً من تلك التي يبنيها حراس الغابات. كان مشيداً من جذوع أشجار ضخمة لم تُقشر لحاؤها، مغطى بطبقة كثيفة من الطحالب الرمادية التي بدت في الليل كشعر عجوز. السقف كان مائلاً بشدة، ومغطى بصفائح معدنية صدئة، يتصاعد من مدخنته الحجرية دخان رمادي كثيف، يلتف حول نفسه قبل أن يتلاشى في الظلام.

النافذة الوحيدة التي ينبعث منها الضوء كانت مربعة الشكل، زجاجها سميك ومليء بالفقاعات الهوائية التي تشوه الرؤية بالداخل. لم يكن هناك أي أثر لحياة حول الكوخ؛ لا آثار أقدام في الطين، لا أدوات قطع خشب، ولا حتى صوت كلب حراسة. فقط ذلك الضوء الأصفر المستقر، والدخان المستمر في التصاعد.

صعد هاني درجات السلم الخشبي الثلاث المؤدية إلى الباب. الخشب أصدر صريراً حاداً، يشبه صرخة ألم مكتومة، تحت حذائه الضخم. وقف أمام الباب المصنوع من خشب البلوط الداكن، والمثبت بمسامير حديدية ضخمة صدئة.

تردد لثانية، ثم رفع يده وطرق ثلاث طرقات متزنة. (طق.. طق.. طق).

ارتد صدى الطرقات داخل الغابة كأنه ينبه شيئاً نائماً. انتظروا. تامر كان يرتجف خلف يزن، واضعاً يده على كتفه. لم يأتِ أي رد من الداخل. لا صوت خطوات، لا حركة سحب ترباس.

طرق هاني مجدداً، هذه المرة بقوة أكبر. "مرحباً؟ هل من أحد هنا؟ نحن متنزهون وقد ضللنا الطريق. نحتاج إلى مساعدة."

ظل الصمت سيد الموقف. لكن يزن، الذي كان يراقب النافذة، لاحظ شيئاً جعل جسده يتصلب. "هاني.. الضوء بالداخل.. لقد تحرك."

"ماذا تقصد بتحرك؟" سأل هاني دون أن يلتفت.

"لم ينطفئ، لكن الظلال خلف الزجاج تغيرت. كأن شخصاً ما وقف خلف النافذة مباشرة لينظر إلينا، ثم تراجع."

قبل أن يحلل هاني الكلمات، تحرك الباب من تلقاء نفسه. لم يفتح بسرعة، بل دار على مفصلاته الصدئة ببطء شديد، مصدرًا عويلاً معدنياً طويلاً ثقب هدوء الليل. انفتح الباب لمسافة تسمح بمرور رجل واحد، كأنه دعوة صامتة.

تراجع تامر خطوة إلى الخلف. "أنا لا يعجبني هذا. دعونا ننام تحت الأشجار. هذا المكان ليس طبيعياً."

"نموت من البرد بالخارج؟" قاطعه يزن بنبرة حادة يخفي وراءها خوفه الخاص. "الباب فتح بسبب الرياح أو لأن الأرض مائلة. انظر إلى الداخل.. هناك موقد مشتعل."

تطلع هاني عبر الفتحة. الداخل كان دافئاً، تفوح منه رائحة خشب الصنوبر المحترق وشمع العسل. الغرفة الرئيسية كانت تحتوي على أثاث خشبي بسيط: طاولة مستديرة، كرسيين بذراعين، وموقد حجر ضخم يعج بالنيران البرتقالية الدافئة. لم يكن هناك أي أثر لمالك الكوخ. النيران كانت تشتعل بكفاءة، وكأن أحدهم ألقى فيها حطباً قبل ثوانٍ معدودة.

خطا هاني خطوته الأولى داخل الكوخ. الحرارة لامست وجهه البارد، فشعر بجرعة من الارتياح تملأ صدره. "أدخلوا واغلقوا الباب. سننتظر الصباح هنا، وإذا جاء صاحب المكان سنعتذر منه ونعطيه ما يطلبه من مال."

دخل يزن ودفع تامر أمامه، ثم أغلق الباب البلوطي الثقيل. بمجرد أن استقر الترباس الحديدي في مكانه، شعر الثلاثة بشيء غريب.. الضوضاء الخفيفة التي تصدرها الغابة عادة، حتى صوت تنفس الأشجار، اختفى تماماً. الكوخ كان معزولاً عن العالم، كأنه صندوق مدفون تحت قاع المحيط.

الفصل الثالث: تفاصيل مريبة

جلس تامر على الأرض بالقرب من الموقد، ماداً يديه المرتجفتين نحو اللهب. يزن بدأ يتجول في الغرفة مستكشفاً التفاصيل الدقيقة. الطاولة الخشبية المستديرة كانت تحتوي على ثلاثة أطباق من الفخار الطيني الداكن، بجانب كل طبق ملعقة حديدية ثقيلة. الأطباق كانت فارغة، لكنها كانت نظيفة تماماً، لا غبار عليها.

"هذا غريب،" قال يزن وهو يلمس حافة أحد الأطباق. "ثلاثة أطباق؟ كأن أحدهم كان يعلم أننا قادمون."

"لا تكن واهماً يا يزن،" قال هاني وهو يضع حقيبته على الأرض ويجلس على أحد الكراسي الخشبية. "ربما كان يعيش هنا ثلاثة أشخاص، أو عائلة صغيرة. ركز على المهم: نحن بأمان الآن."

لكن هاني نفسه لم يكن يشعر بالأمان الكامل. عينيه المدققتين خلف نظارته لاحظتا شيئاً آخر على الجدران. الجدران الخشبية كانت مغطاة بخرائط ورسومات غريبة. اقترب منها ليتفحصها. لم تكن خرائط جغرافية للمنطقة، كانت رسومات هندسية معقدة لدوائر متداخلة، مكتوب بين ثناياها رموز وخطوط تشبه تراتيل قديمة أو لغة بائدة. وفي زاوية الغرفة، كان هناك رف خشبي صغير يعلوه كتاب ضخم ذو غلاف جلدي أسود سميك، متآكل الأطراف.

تامر، الذي بدأت حرارة الموقد تعيد إليه بعض وعيه، نظر إلى النار وفجأة تجمدت نظراته. "هاني.. يزن.. انظرا إلى الحطب."

التفت الصديقان نحو الموقد. الحطب الذي كان يحترق لم يكن قطعاً عادية من جذوع الأشجار. كانت قطعاً خشبية منحوتة بدقة على شكل تماثيل بشرية صغيرة. الأذرع والوجوه الخشبية كانت تتآكل بفعل النيران، تتلوى وتتفحم وكأنها تجسد أجساداً حقيقية تحترق.

شعر يزن بغثيان مفاجئ. "ما هذا القرف؟ من ينحت الخشب هكذا ليحرقه؟"

قبل أن يجيبه أحد، تناهى إلى مسامعهم صوت من الطابق العلوي. الكوخ كان يحتوي على سقف خشبي منخفض يشكل أرضية لغرفة علوية صغيرة يمكن الوصول إليها عبر سلم خشبي ضيق ومستقيم في نهاية الممر.

الصوت كان عبارة عن خطوة ثقيلة.. ثم تلتها خطوة أخرى.. كأن شخصاً يجر ساقه على الأرضية الخشبية فوق رؤوسهم مباشرة.

توقف الثلاثة عن التنفس. الغرفة التي كانت دافئة منذ قليل بدأت برودتها تعود تدريجياً رغم استعار النار.

"هناك أحد بالعلية،" همس تامر، وعيناه متسعتان من الرعب.

أمسك يزن بقطعة حديد ثقيلة كانت مخصصة لتقليب الحطب في الموقد. "سأصعد لأرى. لا يمكننا البقاء هنا كالفئران المحاصرة."

"لا، سنصعد معاً،" قال هاني بحسم، مخرجاً كشافاً يدوياً صغيراً من جيبه، برغم أن بطاريته كانت ضعيفة وضعيفة جداً.

تحركوا بخطوات وئيدة نحو السلم الضيق. كان صرير الأخشاب تحت أقدامهم يبدو متزامناً مع ضربات قلوبهم المتسارعة. صعد هاني أولاً، يليه يزن الممسك بالحديد، ثم تامر الذي كان يتشبث بقميص يزن من الخلف.

عندما وصلوا إلى نهاية السلم، وجدوا أنفسهم أمام باب خشبي صغير نصف مفتوح. وجه هاني ضوء كشافه الضعيف عبر الفتحة. الغرفة العلوية كانت خالية تماماً من الأثاث، باستثناء شيء واحد في المنتصف: كرسي هزاز مصنوع من غصون الأشجار الملتوية.

الكرسي كان يتحرك.

ببطء وبانتظام شديد.. (صرير.. صرير.. صرير).. كان يهتز للأمام والخلف، كأن شخصاً غير مرئي قد نهض عنه للتو، أو ما زال يجلس عليه مستمتعاً بنظرات الرعب في عيونهم.

الفصل الرابع: المتاهة تنغلق

"تراجعوا.. تراجعوا الآن،" قال هاني بصوت منخفض ومتهدج.

لم ينتظر يزن أو تامر، ارتدوا سريعاً نحو الطابق السفلي، يكادون يسقطون من على درجات السلم. عندما استقروا في الغرفة الرئيسية، هرع يزن نحو الباب البلوطي الكبير. أمسك بالترباس الحديدي وسحبه بقوة ليفتحه.

الباب لم يتحرك.

"هاني، ساعدني! الباب عالق!" صرخ يزن وهو يدفعه بكل قوته.

تقدم هاني وحاولا معاً. الترباس كان مسحوباً بالكامل، لكن الباب كان كأنه جزء من صخرة الجبل، ملتحماً بالإطار الخشبي تماماً. جرب هاني كسر الزجاج الخاص بالنافذة الوحيدة، ضربه بكرسي خشبي ثقيل، لكن الكرسي ارتد وتحطم إلى قطع صغيرة، بينما لم يظهر على الزجاج سوى خدش بسيط لا يكاد يُرى.

"نحن محاصرون،" قال تامر وهو يسقط على ركبتيه، يبكي بهستيريا. "هذا المكان مصيدة. الخرائط.. الرسومات.. الأطباق الثلاثة.. كل شيء كان معداً لنا."

وفجأة، انطفأت النيران في الموقد.

لم تخمد تدريجياً، بل اختفت الصفرة والحرارة في أجزاء من الثانية، كأن يداً عملاقة كتمت أنفاس النار. غرق الكوخ في ظلام دامس، باستثناء ضوء القمر الشاحب الذي كان يتسلل عبر النافذة السميكة، ليرسم ظلالاً مشوهة وطويلة للأثاث والجدران.

مع اختفاء النار، بدأ الصوت يعود.. لكنه لم يكن صوت الغابة.

كان صوتاً يأتي من خلف الجدران الخشبية للكوخ. أصوات خربشة.. مئات الأصابع الصغيرة ذات الأظافر الحادة تحك الخشب الخارجي، تحاول البحث عن فجوة للدخول. ومع الخربشة، تناهى إلى مسامعهم صوت همس جماعي، أصوات متداخلة، حادة وبغيضة، ترتل كلمات غير مفهومة، نفس الرموز التي كانت مكتوبة على الجدران.

"هاني.. كشافك.. أشعله!" صرخ يزن وهو يتراجع نحو زاوية الغرفة، ملوحاً بقطعة الحديد في الفراغ.

أشعل هاني الكشاف اليدوي. الضوء كان يرتعش ويمض بضعف شديد. وجه الضوء نحو الجدران، وهنا رأوا الرعب الحقيقي.

الرموز والرسومات الهندسية على الخشب بدأت تنزف. سائل أسود لزج، يشبه القطران المخلوط بالدم، كان يتدفق من الشقوق ويسيل على الأرض ببطء. والرائحة تغيرت تماماً، اختفت رائحة الصنوبر لتصعد رائحة موت حادة، رائحة لحم بشري محترق.

"انظروا فوقكم،" همس تامر بصوت شلّه الرعب تماماً.

رفع هاني ضوء كشافه نحو السقف الخشبي المنخفض. من بين شقوق الألواح الخشبية، بدأت تتدلى وجوه. وجوه مصنوعة من اللحاء والخشب المتفحم، لكن عيونها كانت حية.. حدقات رمادية باهتة بلا جفون، تنظر إليهم بجوع أزلي.

الفصل الخامس: ترتيلة اللحم والخشب

تصلبت أطرافهم وجفت حلوقهم. يزن حاول ضرب أحد الوجوه المتدلية بقطعة الحديد، لكن بمجرد أن لامس الحديد الخشب المتفحم، تحول الحديد نفسه إلى غصن شجرة يابس وتفتت في يده كرماد.

الأصوات خلف الجدران أصبحت أعلى، وتحول الهمس إلى صراخ حاد وممزق. الأرضية الخشبية تحت أقدامهم بدأت تتحرك، كأنها مستنقع من الطين. شعر هاني بقدميه تغوصان في الألواح الخشبية؛ الخشب كان يلتف حول حذائه كالعجين، يمتص قدميه نحو الأسفل ببطء وقوة لا تقاوم.

"هاني! يزن! ساعداني!" صرخ تامر.

التفت هاني ليرى أن الجدار الخلفي قد خرجت منه أغصان خشبية حادة وطويلة، التفت حول خصر تامر وبدأت تسحبه ببطء نحو داخل الجدار، دافعة بجسده الصغير بين جذوع الأشجار الضخمة. تامر كان يصرخ، عظام صدره بدأت تصدر أصوات تكسر طفيفة جراء الضغط الهائل للأغصان.

حاول يزن سحب تامر بفتوة، لكن الأغصان كانت تنمو وتتكاثر بسرعة مرعبة. في ثوانٍ معدودة، اختفى تامر تماماً داخل الجدار، ولم يتبق من وجوده سوى صرخة مكتومة تلاشت خلف الخشب، وبقعة دم داكنة بدأت تسيل من شق الجدار لتختلط بالسائل الأسود النزف.

"إنه دورنا،" قال يزن بنبرة مستسلمة تماماً. ركبتاه غاصتا في الأرضية الآن. نظر إلى هاني بعينين مليئتين بالدموع والرعب. "هاني.. لا توجد غابة.. الكوخ هو الغابة.. والغابة هي.."

قبل أن يكمل جملته، نبتت غصون خشبية من الأرضية مباشرة، ودخلت في فم يزن لتكتم صوته، ثم تلاقت أغصان أخرى من السقف والجدران لتلف جسده بالكامل كشرنقة من الخشب اليابس، وسحبته نحو الأسفل ليختفي تحت الأرضية الخشبية.

بقي هاني بمفرده. كشافه اليدوي مات تماماً الآن.

غرق في ظلمة مطلقة. شعر بالأغصان الخشبية، الباردة واللزجة، تلامس كاحليه، ثم ترتفع نحو ركبتيه، لتلتف حول فخذيه وجسده ببطء مريب، كأن المكان يستمتع بامتصاص خوفه قطرة قطرة.

ارتفع السائل الأسود حتى وصل إلى صدره. وجد نفسه عاجزاً عن الحركة، مثبتاً كتمثال. في تلك الثواني الأخيرة، عاد الكرسي الهزاز في الطابق العلوي ليصدر صريره المنتظم: (صرير.. صرير.. صرير).

انحنى وجه خشبي ضخم من السقف، واقترب من وجه هاني حتى كاد يلامس نظارته الطبية. فتح الفم الخشبي المتفحم، وانبعث منه صوت يزن وتامر معاً، ممتزجين في نبرة واحدة غريبة وميتة:

"مرحباً بك في النواة.. هنا تثبت الجدران، وهنا تحترق العقول."

أغمض هاني عينيه، وشعر بالخشب يخترق جلده ليتحد مع عظام جسده. لم يعد يشعر بالبرودة، ولم يعد يشعر بالخوف. تحول ألمه إلى خدر، وبدأت أنفاسه تتزامن مع الأصوات الرتيبة للغابة بالخارج.

مع شروق شمس اليوم التالي، انقشع الضباب ببطء عن الكوخ القابع في أحشاء الغابة. الدخان كان ما زال يتصاعد من المدخنة الحجرية بنعومة.

وفي داخل الغرفة الرئيسية، كانت النيران قد عادت لتشتعل في الموقد بكفاءة ودفق. وعلى الطاولة المستديرة، كانت الأطباق الفخارية الثلاثة نظيفة تماماً، بينما كان الموقد يعج بثلاثة تماثيل خشبية جديدة ومنحوتة بعناية فائقة، أحدها كان يرتدي نظارة طبية صغيرة منحوتة من اللحاء، تتآكل أطرافها ببطء شديد تحت وطأة اللهب البرتقالي المستعر.

تعليقات

المشاركات الشائعة