التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

سر زقاق المصابيح الصفراء: قصة من عمق المدينة القديمة

  الفصل الأول: النقطة العميقة في الخريطة كان سامر يعتقد أن العالم قد تم مسحه بالكامل. بالنسبة لمهندس برمجيات ونظم معلومات جغرافية (GIS) يعمل منذ ست سنوات في شركة "أطلس مابز" الملاحية، لم تكن الأرض سوى مجموعة من الإحداثيات، وخطوط الطول والعرض، والبكسلات الملونة التي تتصل عبر خوادم عملاقة في سياتل وفرانكفورت. كان عمله اليومي يتلخص في تدقيق البيانات الميدانية التي تجمعها سيارات المسح الجغرافي: تلك السيارات البيضاء الصغيرة المزودة بأعمدة معدنية مرتفعة، تحمل في قمتها كاميرات ثمانية العدسات تدور بزاوية 360 درجة، لتمسح الشوارع، والمباني، ورصيف المشاة، وحتى وجه القطة التي تعبر الطريق. كان سامر يرى العالم من خلال شاشة المراقبة الثلاثية الممتدة أمامه. يجلس في مكتبه المنزلي في الساعة الواحدة صباحاً، والهدوء يلف شقته، بينما تحتسي يده كوباً من القهوة التي فقدت حرارتها منذ ساعة. في تلك الليلة، كان مكلفاً بإنهاء مراجعة الخرائط التفصيلية لحي "السبيل"، وهو أحد أقدم الأحياء الشعبية في أطراف المدينة. حي تتداخل فيه الأزقة الحجرية الضيقة، وتلتف فيه المباني القديمة المبنية من الحجر ...

حصاد النوايا: معروفٌ لا يضيع

 

يُقال إن المعروف بذرة صغيرة تُلقيها في أرض العابرين بدم بارد، وتنسى مكانها.. لكن الأرض لا تنسى، والأيام تسقيها، وعندما تعصف بك صحراء الحاجة، تجد تلك البذرة قد أصبحت شجرة وارفة تظللك في أشد أيام حياتك هجيرًا.

الفصل الأول: معطف الشتاء الدافئ

في ليلة شتوية شديدة البرودة قبل عشر سنوات، كانت الأمطار تنهمر بغزارة على شوارع المدينة. كان "سليمان"، وهو صاحب مكتبة أدبية صغيرة ومتواضعة، يستعد لإغلاق أبواب مكتبته والعودة إلى منزله. بينما كان يرتدي معطفه الصوفي الثقيل، لمح عبر زجاج المكتبة شاباً يافعاً يقف تحت المظلة المقابلة، يرتجف من شدة البرد، وتظهر على ملابسه علامات الفقر الشديد، وكان يحمل في يده بضع أوراق يحاول حمايتها من المطر كأنها أثمن ما يملك.

لم يتردد سليمان، فتح الباب ودعا الشاب للدخول. قدم له كوباً من الشاي الساخن، وسأله عن حاله. تبيّن أن الشاب يدعى "إبراهيم"، وهو طالب مغترب جاء للمدينة ليدرس الهندسة، لكنه فقد منحنته الدراسية مؤخراً بسبب تعثر مالي، وكان يبحث عن عمل يسد به رمقه ويكمل دراسته، والأوراق التي يحميها لم تكن سوى مخططات هندسية وتصاميم سهر عليها ليالي طويلة.

تأثر سليمان بصدق الشاب وشغفه. وقبل أن يغادر إبراهيم، خلع سليمان معطفه الصوفي الثقيل وألبسه إياه، ثم فتح درج مكتبه وأعطاه مبلغاً من المال كان قد ادخره لإصلاح سقف بيته، وقال له: "هذا ليس إحساناً يا بني، بل استثمار في مهندس المستقبل. عندما تنجح، ردّ المعروف للعالم."

غادر الشاب والدموع في عينيه، ومرت السنوات، وانقطعت أخباره تماماً، وعاد سليمان إلى روتين حياته البسيط، ناسياً تلك الليلة.

الفصل الثاني: العاصفة التي لا ترحم

دارت عجلة الزمن، وبلغ سليمان من الكبر عتياً، وتغيرت أحوال السوق. قلّ الإقبال على الكتب الورقية، وتراكمت الديون على مكتبته الصغيرة التي أمضى فيها عمره. لم يعد الأمر يقتصر على خسارة المكتبة، بل إن سليمان واجه أزمة صحية مفاجئة تطلبت إجراء عملية جراحية دقيقة ومكلفة في أحد أكبر المستشفيات الخاصة، وإلا فإنه سيفقد القدرة على السير.

جلست ابنة سليمان بجانبه في المستشفى وهي تبكي، فالكلفة الطبية كانت تتجاوز قدرة الأسرة بمراحل، وباب الأمل بدا ضيقاً جداً. كان سليمان ينظر إلى السقف بقلب راضٍ ولكنه مكسور، يفكر في مكتبته التي سيضطر لبيعها، وفي عمره الذي يتلاشى وسط أوراق الديون المترصّدة.

دخل طبيب القسم ومعه ملف الحالة، ونظر إلى سليمان مطولاً ثم قال: "العملية يجب أن تُجرى غداً صباحاً، لا تقلقوا بشأن التكاليف الآن، الإدارة ستتصرف." غادر الطبيب تاركاً العائلة في حيرة وخوف من مصير الفواتير التي ستلاحقهم.

الفصل الثالث: هندسة الأقدار

في صباح اليوم التالي، نُقل سليمان إلى غرفة العمليات. استغرقت الجراحة أربع ساعات مرت كأنها دهر على عائلته. وعندما أفاق في غرفة العناية المشددة، فتح عينيه ببطء ليجد رجلاً شاباً يرتدي حلة أنيقة يقف بجانبه، وينظر إليه بابتسامة دافئة تحمل الكثير من الامتنان.

لم يتعرف سليمان على الشاب في البداية، لكن الشاب اقترب منه ببطء، وأخرج من حقيبته شيئاً جعله ينظر إليه بذهول.. لقد كان معطفاً صوفياً بالياً، لكنه نظيف ومعتنى به للغاية!

قال الشاب بصوت مخنوق بعبراته: "هل تذكر هذا المعطف يا عم سليمان؟ قبل عشر سنوات، أنقذني هذا المعطف من التجمد، وأنقذتني أموالك من ضياع مستقبلي."

شخص بصر سليمان وهتف بصوت ضغيف: "إبراهيم؟! المهندس إبراهيم؟"

ابتسم إبراهيم ومسح دموعه قائلًا: "نعم يا عمي. أنا إبراهيم. لقد تخرجت وتفوقت، واليوم أنا المدير التنفيذي للشركة الهندسية التي قامت ببناء وتصميم هذا المستشفى بالكامل، وأمتلك حصة في إدارته. بالأمس، كنت أراجع كشوفات المرضى المتعثرين، ولم أصدق عيني عندما رأيت اسمك."

الفصل الرابع: الحصاد الأخير

تابع إبراهيم وهو يمسك يد سليمان بقوة: "أريدك أن تعلم أن تكاليف عمليتك بالكامل قد سُددت، وليس هذا فقط، بل إن شركتنا اشترت المبنى الذي تقع فيه مكتبتك القديمة لمنع هدمه، وقررنا تحويله إلى مركز ثقافي دائم تحت إشرافك وإدارتك، براتب مجزٍ يؤمن حياتك. لقد طلبت مني يوماً أن أرد المعروف للعالم عندما أنجح.. واليوم، أردّ المعروف لأهله."

بكى سليمان فرحاً، وشعر فجأة أن الآلام التي في جسده قد تلاشت. نظر إلى ابنته وقال لها: "أرأيتِ يا ابنتي؟ صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وما تزرعينه في قلوب الناس سيثمر يوماً ما في طريقك عندما تظلم الدنيا."

خرج سليمان من المستشفى معافى جسداً وروحاً، ليعود إلى مكتبته التي تحولت إلى منارة تضج بالحياة، معلناً للجميع أن الخير لا يموت، وأن المعروف سيعود إليك حتماً ولو بعد حين، وفي صورة لم تكن تتوقعها أبداً.

تعليقات

المشاركات الشائعة